مصر تنتصر

لماذا يستهدف «وكيل حدود الدم» الدولة المصرية؟

141

رغم موجة البرد القارص التي تضرب المنطقة، إلا إن سخونة الأحداث جعلتها تعجز عن مواجهة لهيب الأزمة.. ففي الوقت الذي تنخفض فيه درجة حرارة منطقة حوض البحر المتوسط إلى أقل من عشر درجات مئوية، وتكاد تصل في بعض المناطق إلى ما دون الصفر المئوي، ترتفع درجة حرارة الأزمة التي صنعها أردوغان في ليبيا بحثًا عن مخرج له من الأزمات الداخلية والخارجية التي سقط فيها.

لم يكن القرار الذي مرره الرئيس التركي عبر برلمانه لإرسال “قوات تركية” إلى ليبيا لدعم حكومة السراج يحمل في طياته حقيقة ما يدور في المشهد كاملًا، لكنه يمثل جزءًا مهمًا في الدور المُوكَّل للعثماني الواهم.

الأحداث الأخيرة الخاصة بالشأن الليبى لا تبعد كثيرًا عن الأزمة التى أشعلها الرئيس التركى منذ عدة شهور مع قبرص، وكلاهما يستهدفان أمرًا واحدًا وهو جرجرة الدولة المصرية إلى أزمة قد توقف عجلة التنمية التى حققت نجاحًا كبيرًا خلال السنوات الست الماضية جعلتها تصبح مثالًا على إرادة الدول للانتقال بالاقتصاد إلى مرحلة الانتعاش.

لم تكن البداية فى نهاية نوفمبر من العام المنصرم بتوقيع السراج وأردوغان مذكرة التفاهم غير القانونية، للاستعانة بقوات الأخير فى مواجهة الجيش الوطنى الليبى وحماية الميليشيات الإرهابية التى تحمى السراج وأعوانه.

كما أنها لم تكن بنهاية شهر يونيو 2019عندما تحركت السفينة “يافوز” التى طُليت بالعلم التركى بمرافقة إحدى السفن العسكرية للتنقيب دون وجه حق عن النفط فى المياه القبرصية.

 

(1)

كانت البداية الفعلية فى 27 يناير 2004 بوصول رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان إلى واشنطن، استعدادًا للقاء الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش صباح يوم الأربعاء 28يناير من نفس العام.

داخل المكتب البيضاوى كان اللقاء الأول بين أردوغان وبوش الابن، لم يستمر اللقاء أكثر من 46 دقيقة، ولم يكن لقاء عاديًا، فقد كان بمثابة تقديم لفروض الولاء من أجل أن يصبح أردوغان وكيل تنفيذ المشروع الاستراتيجى الأمريكى فى المنطقة، وتنفيذ خريطة الشرق الأوسط الكبير «خريطة حدود الدم».

تسلم أردوغان خلال الاجتماع الخريطة الجديدة للشرق الأوسط، وكان المقابل الحصول على مساندة الإدارة الأمريكية لتحقيق حلمه فى أن يصبح قوة إقليمية، وفى الوقت ذاته يحقق حلم الخلافة المزعوم (والذى لم يعلن عنه للإدارة الأمريكية، إلا أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت على علم بذلك)، وهو ما توافق مع رؤيتها ونظيرتيها الألمانية والبريطانية فى هذا الملف.

فقد رأت أجهزة المخابرات الدول الثلاث أن مشروع أرض الخلافة قد يصبح بمثابة قطعة العسل التى ستجذب الذباب (العناصر الإرهابية) إليها من كل مكان، وفى تلك الحالة يسهل القضاء عليهم بضربة واحدة، مما جعل المشروع التركى معاونًا على إنجاز تلك المهمة.

عاد أردوغان إلى إسطنبول بعد زيارة واشنطن .. وفى تلك الأثناء كان ما زال رئيسًا للحكومة.

خلال تلك الزيارة وافق رئيس الوزراء التركى (أردوغان) على مشروع إسرائيل الكبرى، وزاد من حجم التعاون التجارى والاقتصادى والعسكرى مع تل أبيب، وحصل خلال الزيارة على قلادة “الشجاعة اليهودية” من اللوبى اليهودى فى الكونجرس الأمريكي.

كان المبرر هو دوره فى عملية السلام فى الشرق الأوسط، فى ظل العلاقة التى تربط بين حزب أردوغان (العدالة والتنمية) بحركة حماس الفلسطينية.

منذ ذلك التاريخ وذلك الأردوغان، الحالم بحريم السلطان والخلافة المزعومة، لا يألوا جهدًا فى تنفيذ ما يُطلب منه، خاصة بعد زيارته الثانية لواشنطن فى 5 نوفمبر عام 2007 التى تحدث فيها عن مستقبل «ديار بكر» الكردية فى مشروع الشرق الأوسط الجديد، وذلك خلال محاضرة له فى مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS) بجامعة جورج تاون بواشنطن.. أشاد أردوغان خلال تلك المحاضرة بمشروع الشرق الأوسط الجديد، ودور تركيا بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية فى المشروع.

(2)

بات أردوغان منذ عام 2004 حريصًا على استرضاء الولايات المتحدة الأمريكية علها تدعم بلاده من خلال حلفائها للسماح بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى خاصة عقب انضمام قبرص فى مايو 2004 إلى الاتحاد، وفى ظل انضمام تركيا إلى حلف الناتو لكنها لم تستطع حتى حينه الانضمام للاتحاد الأوروبى.

رغم حالات الشد والجذب التى كانت تظهر أحيانًا بين واشنطن وإسطنبول على مدار الخمسة عشر عامًا الأخيرة، فإنها لم تتعد السجال الإعلامي، وفى حقيقة الأمر لم يكن هذا السجال إلا سيناريو شديد الحبكة يتم تقاسم الأدوار فيه على المسرح بين الاثنين.

فى عام 2007 وتحديدًا فى أوائل شهر نوفمبر، زار أردوغان الولايات المتحدة الامريكية وألتقى بوش الابن للمرة الثانية فى البيت الأبيض، ثم ألتقى بوزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس صاحبة مصطلح الفوضى الخلَّاقة والتى كانت بمثابة أحد خطوط التحرك نحو تنفيذ المشروع (الشرق الأوسط الكبير).

(3)

تم الاتفاق خلال اللقاء على الدور الذى سيلعبه أردوغان خلال تلك المرحلة وصولًا إلى التقسيم الجديد للمنطقة، وفى الوقت ذاته كانت مؤسسة راند الأمريكية (RAND Corporation)، أحد أهم المؤسسات الفكرية الأمريكية المؤثرة فى صناعة القرار فى الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، قد أصدرت تقريرًا لها فى مارس 2007، أى قبل زيارة أردوغان إلى واشنطن بثمانية أشهر، وضعت فيه تعريفًا جديدًا للإسلام الوسطى.

بدأ العمل بالتقرير منذ 2004 ولمدة ثلاث سنوات، ورصدت له الولايات المتحدة 150 مليون دولار، للوصول إلى حل لمواجهة تنظيم القاعدة والتنظيمات المتشددة.

ناقشت «رايس» مع رئيس الوزراء التركى عدة نقاط أشار إليها التقرير، كان أهمها: «ضرورة التعاون الأمريكى مع الجماعات المعتدلة من تيار الإسلام السياسى فى الدول المستهدفة للتحرك عليها».

وافق أردوغان على أن تكون تركيا هى نقطة الاتصال بين واشنطن وتلك التيارات، بالتعاون مع الحليف المهم بالنسبة لواشنطن فى المنطقة العربية (الدوحة).

مرت سنوات تم التحرك خلالها وتم توثيق العلاقة بين إسطنبول وجماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسهم جماعة الإخوان الإرهابية.

كانت الخطة تستهدف الانقضاض على الدولة المصرية خاصة بعد أن كانت قد ترهلت العديد من مؤسساتها وضربها الفساد، فباتت مهيأة لسيناريو الفوضى وهو ما دعى للتحرك من أجل تنفيذ مخطط التقسيم الجديد للمنطقة.

(4)

مع بداية الأحداث فى عام 2011، تركزت آمال واشنطن وأنقرة على القاهرة، فإذا نجح سيناريو الفوضى والدفع بالتيار الإسلامى المعتدل حسب تعريف تقرير مؤسسة DAND، سيتم التحرك باتجاه الخطوة الثانية وهو تقسيم الدول إلى ولايات مستقلة، هو السيناريو المرسوم لكافة الدول التى عصفت بها أحداث ما سمى بالخريف العربي.

كان الأمل أن تسقط مصر فى الفوضى إلا أن المجلس العسكرى فطن للمؤامرة مبكرًا واستطاع أن يخرج بمصر من السيناريو المرسوم لها بتخطيط أمريكى إسرائيلى ومباركة تركية.

حتى بصعود جماعة الإخوان إلى السلطة ظن أردوغان، الذى كان فى ذلك الوقت رئيسًا للحكومة التركية، أن السيناريو المرسوم أصبح أقرب إلى الواقع، لكن ما لم تستطع استشرافه أجهزة المعلومات التركية والأمريكية والاسرائيلية، أن الشعب المصرى لن يقبل باختطاف الدولة ولن يسمح بالتبعية.

كانت ثورة 30 يونيو 2013 بمثابة زلزال ضخم لذلك المخطط، استعاد المصريون دولتهم، ولم يصدق أردوغان ما حدث، فى ظل الدعم الاستخباراتى وتدريب عناصر الجماعة الإرهابية لدى شركته المؤسسة فى 2010 من أجل العمليات القذرة (شركة SADAT  للاستشارات الدفاعية والأمنية)؛ لم تجد بدًا أنقرة من إثبات الولاء والاستمرار فى دعم تنفيذ مخطط تقسيم المنطقة سوى مناصرة الجماعة الإرهابية واستقبال عناصره وشن هجوم إعلامى على الدولة المصرية عبر وسائل الإعلام التركية وفتح منابر إعلامية لعناصر التنظيم الإرهابى (والتى تشمل قناة وطن، الشرق، مكملين).

فى الوقت ذاته قدمت تركيا الدعم العسكرى واللوجيستى للعناصر الإرهابية فى قطاع غزة لنقله إلى سيناء عبر الأنفاق لاستنزاف الدولة المصرية فى معركة مواجهة تلك التنظيمات.

كما قامت بإنشاء معسكرات تدريب للعناصر المنضمة لتنظيم داعش الإرهابى فى “غازى عنتاب” جنوب تركيا لتحريكهم على الجبهة السورية والعراقية، التى استطاعت تركيا خلال الفترة من 2011 وحتى الآن الحصول على نفط تلك المناطق التى كانت تسيطر عليها عناصر تنظيم داعش الإرهابى فى سوريا وشمال العراق بسعر 20 دولار للبرميل مع تقديم أسلحة لتلك العناصر مقابل النفط.

(5)

اعتادت تركيا سرقة مقدرات الدول، ومع ضرورة أن تعلن الإدارة الأمريكية نجاحها فى القضاء على تنظيم داعش الإرهابى فى بلاد الشام، كان لابد من البحث عن طريق لنقل تلك العناصر التى تجاوزت أعدادها 30 ألف إرهابي.

أدركت الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة عقب إنشاء مصر منتدى غاز شرق المتوسط بمشاركة (فلسطين، الأردن، قبرص، اليونان، إسرائيل وإيطاليا) لتصبح مصر مركزًا إقليميًا للطاقة، وتحطم الحلم التركى بتكوين شراكة مع إسرائيل وقبرص بشأن الغاز الطبيعى فى المتوسط لكى تمتلك تركيا ورقة ضغط على الاتحاد الأوروبى للموافقة على انضمامها للاتحاد.

أوعزت الولايات المتحدة إلى أنقرة بالتحرش بقبرص ومحاولة التنقيب فى المياه القبرصية عن الغاز، وذلك لإدخال الدولة المصرية التى استطاعت خلال خمس سنوات تحقيق ما لم تحققه خلال 40 عامًا، فى الصراع.

كان الهدف أن تدخل مصر فى الصراع لتتوقف التنمية التى حققتها، وفطنت القيادة المصرية للأمر، وفشل مخطط جرجرة مصر لتلك الأزمة.

كان ذلك فى يونيو من العام الماضي، ولم يفلح سيناريو إبعاد الدولة المصرية عن مسار التنمية وحماية مقدرات الدولة واستعادة مكانتها الدولية.

من ثم كان لابد من التحرك على مسار آخر، خاصة مع ضرورة نقل العناصر الإرهابية إلى منطقة أخرى، بعد انتهاء مهمتها فى منطقة سوريا والعراق وتحويل الدولتين إلى أشلاء دول.

كما برزت ضرورة استغلال تلك العناصر للضغط على الدولة المصرية من جهة الغرب، ولم يدرك أردوغان أن الدولة المصرية عقب ثورة 30 يونيو تختلف تمامًا عما كان من قبل، خاصة بعد نجاحها فى تحديث قواتها المسلحة ونجاح برنامجها الاقتصادي، إلى جانب إدراك شعبها الواعى حجم المؤامرة التى تُحاك للمنطقة وللدولة المصرية بصفة خاصة، وهو ما يجعله ملتفًا خلف قيادته السياسية وخلف قواته المسلحة.

وجدت تركيا نفسها فى مأزق، ماذا ستفعل جراء عملية نقل هذا العدد الضخم من العناصر الإرهابية، خاصة أن الجيش الوطنى الليبى كان على مقربة من طرابلس والقضاء على الميليشيات المدعومة من أنقرة لحماية السراج وحكومته.

هنا كانت محاولة صناعة أزمة جديدة بتوقيع مذكرة التفاهم بين السراج وأردوغان تحت زعم نقل قوات تركية وهى فى الحقيقة عناصر إرهابية يتم الدفع بها تحت ستار القوات التركية، الأمر الذى لاقى رفضًا مصريًا ودوليًا خاصة وأنها خطوة غير شرعية، كما استطاعت مصر كشف حقيقة المؤامرة التى تستهدف تدمير ليبيا والاستيلاء على ثرواتها ومقدراتها.

أعتقد أن أنقرة لن تستطيع أن تتقدم خطوة نحو تنفيذ الاتفاق الذي رفضته كافة القوى الدولية، كما أن تونس والجزائر اللتين كانت أنقرة تعول عليهما لنقل تلك العناصر عبر تلك الدول ومنها إلى ليبيا، رفضتا تمامًا التدخل التركي في الشأن الليبي.

لتظل مصر قوية بقيادتها الرشيدة وشعبها الوعي وقواتها المسلحة التي تحمي الوطن ومقدراته.