مصر تنتصر

سريع الفساد.. سريع الصلاح (4)

53

نظرة لحالنا الآن لن نرى فيها احترامًا لأحد مهما كان سنه أو مكانته.. فعندما يختلف الأشخاص فى حوار تختفى الأخلاق، نرى تحولاً صادمًا فى الأسلوب والألفاظ، وينتهى الأمر بسيل من الاتهامات والتشكيك أو التخوين لسحق الآخر والقضاء عليه.
فمن يعملون على انتشار التلوث السمعى والانفلات السلوكى اعتقادًا بأن الحرية هى عدم الالتزام بتقاليد المجتمع، هؤلاء يفهمون الحرية خطأ ويتوهمون أنها تدفعهم لفعل أى شىء ضد من يخالفهم الرأى، فهذا الإنسان المفترض فيه أن يكون بانيًا للحضارة يمكن أن يتحول إلى معول هدم وتخريب إذا ما دُمرت أخلاقه وقيمه وانحدر تعليمه وأصبح عبئًا على الوطن، فبناء وتقدم المجتمع يحتاج إلى مواطن صالح نافع لأهله ووطنه.
وكما اتكل المصريون على نهر النيل اتكلوا أيضًا على حكوماتهم، واعتقدوا أن بيدها كل شىء ومن ثم أسلموا لها أنفسهم طواعية، وانتظروا الخلاص على يديها، ولعل هذا يفسر سر التعلق بالعمل الحكومى، لكون الحكومة فى نظرهم مضمونة ورزقها ثابت، وتشكل عقيدة الرزق حجر الأساس فى نظرة المصريين للحياة.

إن مصر فى أمس الحاجة إلى إنقاذ المجتمع، فالبناء الاجتماعى والأخلاقى هو الأساس للتقدم والحفاظ على مكتسبات التنمية، وانهيار المجتمع والأخلاق له أسبابه التى نعلمها جيدًا وأولها الفقر، فلا يمكننا أن نتجاهل الفقر كسبب لفساد المجتمع، فحين يدخل الفقر من الباب تهرب الأخلاق من الشباك، وتختفى كل أركان القيم والفضيلة أمام احتياجات البطون الجائعة.
ثانى الأسباب هو الجهل، فقضية الأمية جريمة كبرى فى حق الشعب منذ ثورة يوليو 1952، ففى مصر 18.4 مليون أمى يمثلون 12.8% من عدد السكان – من سن 10 سنوات فأكثر – وهذا من إجمالى عدد سكان هذه الشريحة التى تبلغ 71.4 مليون نسمة، فالأمية هى أخطر أمراض مصر، فلا يجدى العلاج فى جسد مريض، فالجهل أساس التخلف والإرهاب وغياب الوعى.
وهناك يقين بأن الأغانى الهابطة ستختفى ويقل انتشارها حين يتعلم الشعب، حين يقرأ، حين يتم تربيته.
والسبب الثالث هو الزحام، وله أيضًا سلوكياته السلبية، لأن ثقافة الزحام لا تصنع بشرًا أسوياء، الزحام فى فصول المدرسة، فى وسائل المواصلات، وجود أسرة كاملة فى غرفة واحدة مع دورة مياه مشتركة، وطوابير فى كل مكان.. أمام المستشفى، الميكروباص، السجل المدنى، مكاتب التموين، فرن العيش..
وسط الزحام تتبخر الأخلاق وتنمو العدوانية والأنانية، ويتصور الإنسان أن تحقيق أهدافه لن يتم إلا على رقاب الآخرين، فتختفى الرحمة وتسقط الإنسانية، وسط الزحام تغيب الفضيلة وينتشر التحرش.
وإذا كانت عملية إنقاذ المجتمع بهذا القدر من الصعوبة والاتساع الذى يشمل محاربة الفقر والجهل والمخدرات، وتحسين جودة حياة المصريين، وإصلاح المؤسسات التعليمية والتربوية، وأولويات هذا الإنقاذ اقتصادية فى المقام الأول بمحاربة الفقر والقضاء على الأمية ومكافحة المخدرات، وخلق فرص عمل، واستبدال العشوائيات بمساكن آدمية تحفظ كرامة الإنسان.
خلاصة القول أن الشعب المصرى سريع الفساد وسريع الصلاح فى نفس الوقت، فهو شعب يسهل إفساده ويسهل إصلاحه أيضًا، ومن الممكن لحكومته أن تحوله إلى أفسد شعوب الأرض فى فترة وجيزة بالتراخى والتكاسل فى فرض القانون كما حدث فى فترات تاريخية سابقة، ومن الممكن أن تجعله أصلح شعوب الأرض فى نفس الفترة أيضًا.. إذا توافرت لها الإرادة والقدرة والرؤية، وطبقت القانون على الجميع دون استثناء.