30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

من شابه أباه فما ظلم

1314

حين يختلط عليك الأمر لتحديد سبب انحراف الضوء عن مساره، فلا تذهب بعيدًا وتحقق من مصدره، فالسمكة تفسد من رأسها، وفساد الثمر من سوء البذور، وانهيار العقار الحديث من غش فى الأساس، وعند قراءة واقعنا نجد كم كبير من جرائم الشباب تفقدنا التوازن، فهذا الشاب يطرد أمه من شقتها ليتزوج فيها وتلوذ أمه بالجيران، ومراهق يغتصب طالبة ثم يقتلها، وشاب يمزق جسد سائق توك توك للاستيلاء على مركبته، وبعدها يبدأ خبراء الاجتماع والنفس والدين فى تأصيل أسباب الجريمة، فمنهم يرجعها إلى التنشئة الخاطئة، ويعلل آخرون أن سببها الفقر، وفريق يشير إلى الخلل النفسي، ويقر رجال الدين أن السبب فى تجاوز التربية عن ثوابت الدين، وكثيرًا ما يغفلون أن صلاح الأبناء من صلاح الآباء، وهى حقيقة نلمسها عن قرب، وما أكثر النماذج التى تجسدها.

بعد أن شيد الرجل الصالح جدارًا كاد أن ينقض، تعجب موسى عليه السلام من أنه لم يتخذ عليه أجرًا من أهل القرية الذين رفضوا ضيافتهما، فأخبره أنه كان تحته كنزا ليتيمين وكان أبوهما صالحا، ونلاحظ مدى مشقة الرجل الصالح أو الخضر فى البناء وهو جائع ولم يطلب عليه أجرًا، والسؤال: ماذا عمل أبوهما صالحا حتى يبعث من يحفظ كنزهما؟ فقد يكون ممن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو أنه كان يحافظ على الصلاة وقلبه مطمئنا، أو أنه كان متصدقا بالكلمة الطيبة والصدقة الحسنة على الفقراء والأيتام، أو كانت عيناه تفيض دمعًا سرًا من خشية الله، أم أنه كان بارًا بوالديه، أو كان يمتنع عن تناول الرشوة والترزق من الحرام، والمقصد الثانى من الآية فى سورة الكهف، أن المال ليس السبيل الوحيد لتحصين الأبناء من الانحراف.

ونستنتج أيضا أنه لو أنقض الجدار لاستولى عليه أهل القرية الذى يغلب عليهم الغلظة، مع أن المتعارف عن أهل القرى إكرام الضيف والشهامة,عكس ما يشاع عن أهل المدينة، وفى هذا السياق القرآنى يذكر لفظ القرية، ونجد فى سياق آخر يذكر لفظ المدينة، كما فى سورة يس: {وَجَآءَ مِن أَقصَا المدِينَة رَجُلٌ يسعى}، وخلاصة القول من يحافظ على الأصل حتما سيصان له الفرع من شرور النفس، ومن المعانى الكبرى فى الآية أن الله أرسل رجلين عظيمين لأجلهما، أحدهما رسول من أولى العزم والثانى قيل أنه نبى.
ونتيجة للمورثات الشعبية التى سجلت من واقع الحياة عبر السنين، عبرت عن معنى صلاح الآباء مثل «الابن مرآة أبيه» و«من شابه آباه فما ظلم» و«هذا الشبل من ذاك الأسد»، أما عندما يقول المثل الشعبى «يخرج من ضهر العالم فاسد»، يعنى شذوذ بعض الحالات عن القاعدة، كغياب ضياء الشمس فى ساعات النهار وقت كسوف الشمس.

وقد وصف الله أحد أبناء نوح عليه السلام بأنه عمل غير صالح، من قبيل الاستثناء وليس العموم، والحقيقة الثابتة تؤكد أن الأب المهتم بتحرى الحلال فى جميع شئون حياته، سيشب ولده على تجنب الحرام، وعند اعتياد الابن على رؤية والده وهو يخالق الناس بخلق حسن ينشأ رجلا حسن العشرة، وإذا لم يسمع الولد من أبيه إلا الصدق، فمن طبيعة الأمور يكبر على بغض الكذب، والولد الذى يرى أبيه يقوم الليل، ويبكى من خشية الله، سيسأل نفسه لماذا ترك أبى الفراش الدافئ وذهب إلى الوضوء فيشده الليل ليصلي؟ فلابد أن يدرك أنها لذة التقرب إلى الله، وفى المقابل يُذكر المولى المشركين فى قوله تعالي: {وكذلك مآ أَرسَلنَا من قَبلك فى قَريةٍ مِّن نَّذيرٍ إِلا قاَل مُترفُوهَآ إِنَّا وَجَدنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى ءَاثَرِهِم مُّقتَدُونَ}.

فلا المال ولا المنصب ولا العقار ينفع وحدهم، إن لم يدعمهم قوله تعالى: {أَبُوهُمَا صَاِلحًا}، ومن النماذج الطيبة على ذلك قول أحد الصالحين: «إنى لأذنب الذنب فأرى أثر ذلك الذنب على ولدي» وقول سعيد بن المسيب: «إنى لأصلى فأذكر ولدى فأزيد من صلاتي»، ويقول إبن القيم: «فما أفسد الأبناء مثل تغافل الآباء وإهمالهم شرور النار بين الثياب، فكم من والد حرم ولده خير الدنيا والآخرة، وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة، وكل هذا تفريط الآباء فى حقوق الله وإضاعتهم لها، وإعراضهم عما أوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل الصالح» واعلم أن إبنك الصغير لا يستوعب الأمور، فعينيه كالكاميرا تلقط وتسجل كل أفعالك صغيرها وكبيرها ويترجمها سلوكه عندما يكبر.

فقد كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز صاحب مروءة، وكان مثالاً فى العلم والشجاعة والزهد، وكثير منا يعلم قصة والد الإمام أبى حنيفة، الذى أكل تفاحة من أحد البساتين ليسد جوعه، وبعدها شعر بالندم ولم ينم فى ليلته، وذهب إلى صاحب البستان ليعترف بفعلته، فاشترط عليه صاحب البستان أن يسامحه فى مقابل الزواج من ابنته التى أخبره عنها أنها بكماء وعمياء وصماء ومقعدة لا تمشي، فاضطر للزواج منها، وإذا به يجدها غاية فى الجمال وتتحدث وتمشي، وأخبرته أنها عمياء عن النظر إلى الحرام، وبكماء عن الكلام فى الحرام، وصماء عن الاستماع إلى الحرام، ولا تخطو قدمها إلى الحرام، وقالت له إن والدى منذ سنوات يبحث لى عن الزوج الصالح، وأنجب منها الإمام أبى حنيفة، وفى العصر الحديث كان والد الدكتورة سميرة موسى عالمة الذرة وشهيدة الوطن هو الدافع لها منذ صغرها، وقد ترك قريته بمركز زفتى وانتقل إلى القاهرة من أجل تعليم ابنته واشترى فندقا بالحسين ليستثمر أمواله ليصرف على تعليمها، وعندما علم بإعادتها صياغة كتاب الجبر المقرر عليها فى الصف الأول الثانوي، قام بطبع كتابها على نفقته ثم وزعته على زملائها بالمجان، وأخيرًا اختص الرسول صلى الله عليه وسلم دعاء الأب من الأدعية المستجابة، ويقول الحديث: «أربعة دعوتهم مستجابة الإمام العادل، والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، ودعوة المظلوم، ورجل يدعو لولده»، وما أحوجنا حين تنتهى بنا الحياة وتوارى أجسادنا فى التراب أن يدعو لنا ولد صالح.