مصر تنتصر

هل توقف الدعاوى القضائية مشروعًا قوميًا؟!

152

إذا أردت أن تهدم وطنًا، فعليك بهدم الأسرة، وهدم التعليم، وإسقاط القدوة؛ وإذا أردت أن تبني وطنًا، وتصنع حضارة، فعليك بالتعليم، لتبني أسرة، وتخلق قدوة.

قيلَ للإسكندر الأكبر: ما بالُ تعظيمك لمعلمك أكثر من تعظيمك لأبيك؟ قال: لأنَ أبي سبَبُ حياتي الفانية ومعلمي سببُ حياتي الباقية.

في يناير 1950 تولَّى عميد الأدب العربي د. طه حسين وزارة المعارف في حكومة النحاس باشا واشترط لقبول الوزارة أن تحظى كافة قطاعات التعليم مثل التعليم الثانوي والتعليم الفني بالمجانية، التي كانت تحظى بها مرحلة التعليم الابتدائي، وقال مقولته الشهيرة «التعليم كالماء والهواء».

فى بداية يونيو 2018 جاء خطاب الرئيس فى البرلمان عقب أداء اليمين الدستورية لفترة رئاسية جديدة محددًا مسار الدولة المصرية خلال المرحلة الحالية، وكان الخطاب الذى لم تتعدَّى كلماته 900 كلمة يرتكز على أن بناء الإنسان هو الهدف والخيار الاستراتيجى  للدولة المصرية؛ حدد الرئيس ذلك عندما قال: «والآن وقد تحققت نجاحات المرحلة الأولى من خطتنا، فإننى أؤكد لكم بأننا سنضع بناء الإنسان المصرى على رأس أولويات الدولة خلال المرحلة القادمة يقينًا منى بأن كنـز أمتنا الحقيقى هو الإنسان والذى يجب أن يتم بناؤه على أساس شامل ومتكامل بدنيًا وعقليًا وثقافيًا بحيث يُعاد تعريف الهوية المصرية من جديد بعـد محاولات العبث بهـا».

من هنا كان التعليم أحد أهم أولويات الدولة المصرية خاصة بعد إطلاق مصر أكبر بنك معلومات معرفية (بنك المعرفة) وإنشاء أكاديمية لتدريب المعلمين، من هذا المنطلق جاء القرار بأن يكون عام 2019 هو «عام التعليم».

خلال السنة الدراسية الماضية 2018 /2019، ومع إطلاق مصر مشروع تطوير التعليم والذى ارتكز على مجموعة من الثوابت مستهدفًا الارتقاء بمستوى التعليم ما قبل الجامعى بعد أن خرجت مصر من التصنيف الدولى وتدهور مستوى التعليم وبات الجميع يشكو من سوء العملية التعليمية، ولا تكاد تجد بيتًا فى مصر إلا ويعانى الأمرين.

ارتكز مشروع تطوير التعليم على عدة محاور منها علاج تشوهات المناهج التعليمية وإطلاق مناهج تستهدف تنمية مهارات الطلاب والفهم بعيدًا عن نظام التلقين.

تمثل المحور الثانى فى الارتقاء بمستوى المعلم من خلال منظومة تدريب للمعلمين.

بينما تمثل المحور الثالث فى محاولة إيجاد حل عاجل لمشكلة الثانوية العامة، وتخفيف الضغط على الأسرة المصرية، خاصة أن مرض الدروس الخصوصية يلتهم سنويًا من ميزانية الأسرة المصرية 25 مليار جنيه.

ارتكز المحور الرابع على تطوير البنية الأساسية فى المدارس والتى كانت أحد التحديات أمام وزارة التربية والتعليم نظرًا لزيادة عدد الطلاب فى المراحل التعليمية فى الوقت الذى لم تتواكب معه زيادة فى عدد الفضول.

بينما انصب الاهتمام فى المحور الخامس على محاولة علاج التشوه الذى أصاب التعليم نظرًا لتعدد الأنظمة التعليمية.

بدأ تنفيذ المشروع وبدأت المعركة لمواجهته بضراوة، وسقط بعض أولياء الأمور ضحايا لزيف وتضليل بعض المعلمين الذين يواجهون مشروع تطوير التعليم بقوة نظرًا للخسائر التى قد يتكبدونها حال نجاح التجربة.

لم يكن هؤلاء المعلمون وحدهم من ناصب المشروع العداء بل عارضه أيضًا عدد من موظفى بعض القطاعات داخل وزارة التربية والتعليم إلى جانب عدد من أصحاب المصالح (أصحاب المراكز الخاصة بالدروس الخصوصية) وبعض الذين يحترفون مهنة «خالف تعرف».

أصبح المشروع توجه إليه السهام من كل جانب.. ولأن أولياء الأمور لا يشغل بالهم شىء سوى مستقبل أبنائهم، وهم أصحاب حق أصيل فى ذلك وأنا منهم.

إلا إننا لم ندقق فى المشهد، ولم نمنح أنفسنا فرصة حقيقية لرؤية نتائج المشروع.

دعونى فى تلك السطور أوضح بصفتى ولى أمر طالب كان فى العام الماضى فى الصف الأول الثانوى ونجح والحمد لله وانتقل للصف الثانى الثانوى، وما زال مستقبله مرهونًا بالحكم فى القضية التى أقامها ولى أمر ضد وزير التعليم لوقف العمل بنظام التابلت والعودة إلى النظام القديم.

أصبح مصير 581 ألف و355 طالب وطالبة موزعين بين مدارس رسمية ولغات وخاصة وفصول خدمات مرهونًا بالحكم الذى سيصدر بناءً على الدعوى القضائية، التى لم يتقدم بها أغلب أولياء الأمور وأنا منهم، وستكون النتيجة حال صدورها أن يطبق النظام على الجميع.

هنا أتساءل: هل إذا أرادت الدولة أن تقيم مشروعًا قوميًا للطرق.. واعترض أحد المواطنين على مسار الطريق فعلينا أن نوقف المشروع خاصة إذا قام برفع دعوى قضائية؟

هل مشروع التأمين الصحى الشامل إذا قام أحد الأطباء أو أحد المواطنين المستفيدين من التأمين الصحى وطالب بالرجوع إلى النظام القديم، يمكن له أن يعود بنا للخلف كل تلك الخطوات؟

كيف لدولة قامت برفع ميزانية التعليم من 92.2 مليار جنية عام 2014/2015 إلى 116 مليار جنيه عام 2018/20019 زيادة قدرها 24 مليار جنيه، للارتقاء بمستوى التعليم وفق مشروع قومى للنهوض به، أن تتراجع عن مشروعها؟

كيف لدولة قامت بتطوير 170 منهجًا للتعليم الفنى و120 منهجًا للتعليم الثانوى أن تتراجع عن مشروعها؟!

إننى أقدر القضاء ولا يمكن لنا أن نعلق على أحكامه، لكننى بصفتى ولى أمر كولى الأمر الذى أقام الدعوى القضائية.. أليس لى الحق فى الاعتراض على طلب المدعى لأن نجلى قد يتضرر من عودة النظام القديم للثانوية العامة؟! خاصة أننى فى العام قبل الماضى كان نجلى الأكبر فى الثانوية العامة وشقيقه فى الصف الثالث الإعدادى وقد جفَّت جيوبنا لصالح أصحاب السناتر (مراكز الدروس الخصوصية) والمدرسين.

لا أنكر أن هناك مدارس لم تستطع الدخول على النظام الخاص بالامتحانات إما لضعف شبكة الإنترنت بالمدرسة أو لأسباب أخرى، وهنا أتساءل: إذا كانت الوزارة قد وضعت عدة بدائل لكى يؤدى طالب الصف الأول الثانوى الامتحان ومنها أن يدخل على شبكة المدرسة وحال عدم تمكنه من ذلك يقوم بالدخول على شبكة الإنترنت من خلال خط الداتا الذى يوجد لديه على التابلت، وحال عدم تمكنه يمكنه الامتحان ورقيًا.

لماذا يصر البعض على التقهقر للخلف؟! لا أدعى أن النظام الجديد يعمل بكفاءة بنسبة100%، ولكن ثمة عمل متواصل لعلاج بعض المشكلات التى تواجه النظام، والتى تشمل الكثافة الطلابية فى الفصول، حيث تم العمل على إقامة فصول سابقة التجهيز بالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربى.

كما تعمل وزارة التربية والتعليم على رفع كفاءة البنية التحتية المعلوماتية بالمدارس.

لا تقتصر قضية تطوير التعليم يا سادة على جانب واحد (وزارة التربية والتعليم – أو بمعنى أكثر دقة وزير التعليم)، تحتاج القضية منا تضافر الجهود جميعًا وأن ننتظر رؤية نتائج التجربة فى الثانوية العامة العام بعد القادم ونقيمها كاملة.

كما تحتاج عملية تطوير التعليم تعاون الأسرة والمدرس وإدارة المدارس وتطوير المناهج، وأعتقد أن الأخير قد تم بالفعل، ولكن ما زال لدينا بعض المشكلات فى إقناع الأسرة بضرورة مساندة التجربة والانتظار لتقييم نتائجها.

لقد رأيت فى التقييم الذى وصلنا على التابلت الخاص بنجلى عقب ظهور النتيجة الصف الأول الثانوى مؤشرًا إيجابيًا لقياس مهارات الطالب ومرشدًا للطالب لتحديد الطريق الصحيح لمستقبله العلمى.

إننا نعانى من خريجين ليس لهم علاقة بما درسوه خلال فترة التعليم، أليس من الرشد الانتظار وتقييم التجربة حال اكتمالها أو اكتمال مرحلة منها؟

إذا كنا نؤثر استباق حكم المحكمة احترامًا وتقديرًا وإجلالًا للقضاء المصرى الذى نثق فيه.. ألم يكن من الواجب على هيئة الدفاع التى ساندت صاحب الدعوى الخاصة بإلغاء النظام أن تنتظر حكم المحكمة يوم 4 سبتمبر المقبل، وألا تغرق وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى بتصريحات مفادها أن الحكم الذى سيصدر الأربعاء بعد القادم سيكون لصالحهم؟

لقد جاء اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسى مع د. مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، والدكتور طارق شوقى وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى لتناول آخر تطورات المشروع القومى لتطوير التعليم فى مصر، وكذلك استعدادات العام الدراسى الجديد.

أكد الرئيس أهمية عملية صياغة ثقافة التغيير والتطوير فى التعليم من خلال منظومة التعليم الجديدة، وذلك فى إطار النهج الاستراتيجى للدولة لبناء الإنسان المصرى من كافة الجوانب، موجهًا فى هذا الصدد بالإسراع فى تطبيق نظام التعليم الجديد، الذى بدأ تفعيله فى مرحلة رياض الأطفال منذ سبتمبر 2018، وصولًا لتحقيق أهدافه وتعميم الاستفادة منه على أكبر عدد من الطلاب على مستوى الجمهورية.

كما وجه بالاستمرار فى نظام التقييم الجديد فى مرحلة الثانوية العامة، والاستفادة من البنية التحتية لمنظومة الاختبارات الإلكترونية والتوسع فيها، وذلك بالتوازى مع تطوير بنك المعرفة والارتقاء بمحتواه لخدمة جميع مراحل التعليم فى مصر، فضلًا عن دراسة تطوير منظومة المعلمين فى مصر.