مصر تنتصر

التنمية.. كلمة السر فى سياسات “الزعيم”

35

أحمد طنطاوى

الحديث عن الزعيم الخالد جمال عبد الناصر لا ينتهى أبدا، ويزداد بريقا وجاذبية كلما مر الزمان على إنجازاته ومشروعاته القومية التى يشهد بها ويشهدها الجميع، خاصة ونحن نعيش اليوم تجربة ناهضة تتشابه فى أطرها العامة مع التجربة الذهبية التى خاضها الزعيم الخالد الذى رحل عن عالمنا فى 28 سبتمبر 1970، حيث تتوجه الدولة المصرية من جديد إلى خطط تنموية طموحة ومشروعات قومية عملاقة جديدة، وهنا يصبح للحديث عن تجربة ناصر التنموية عبير خاص نتنسم روائحه الذكية مع الاحتفال بذكرى وفاته الـ49.

فى البداية قال أمجد عامر متخصص فى شئون التنمية المحلية إن: الرئيس جمال عبد الناصر تسلم الحكم فى ظروف عصيبة عربيا وإقليميا وخطيرة جدا فى وقت سادت فيه السياسة الإقطاعية الرأسمالية، وسيطر المحتل البريطانى المدعوم بأكثر 80 ألف جندى على كل مقدرات الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وكانت الدولة فقيرة فى الزراعة والصناعة والاقتصاد إذ كان يسيطر عليه حوالى ألف شخص يتحكمون فى مقدراته، وكان الاقتصاد المصرى وقتها ضعيفا جدا حيث كانت آخر ميزانية لمصر فى عام 1952م، كانت 39 مليون جنيه.
أعظم مشروع
وذكر أنه عندما تولى عبد الناصر الحكم حرص على تنفيذ قانون الإصلاح الزراعى الصادر فى سبتمبر عام 1952 واشتمل القانون على 40 مادة، وأقر القانون بأن يكون الحد الأقصى لملكية الفرد الواحد 200 فدان، مشيرا إلى أنه بدأ خطوة بخطوة مشروع نهضة زراعية وبلغ عدد الأفدنة الزراعية التى تم استصلاحها منذ ذلك التاريخ وحتى سنة 1989 حوالى 653 ألف فدان وفى عام 1969 وصل إنتاج القطن المصرى (الذهب الأبيض) إلى 10 ملايين و800 ألف قنطار.
وأضاف: كما أنشأ ناصر المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى فى سبتمبر 1959، كما عمل على تنشئة المشروعات الصناعية ذات الأهمية الكبيرة فتم إنشاء شركة الأسمدة «كيما» ومصانع هيئة السكك الحديدية «سيمفا» ومصانع الكابلات الكهربائية، ثم بدأ فى مشروع السد العالى فى الستينيات، ووصلت الكهرباء إلى ربوع مصر من أسوان إلى الإسكندرية وبنى ناصر المناجم فى الواحات البحرية وأسوان، ثم اتجه إلى تأميم شركة قناة السويس سنة 1956، كنتيجة لامتناع البنك الدولى عن إعطاء القروض.
المؤسسة الاقتصادية
وأشار عامر إلى أنه فى عام 1957، بدأ ناصر فى إنشاء المؤسسة الاقتصادية والتى تعتبر النواة الأولى للاقتصاد فى عصره، وفى عام 1969 أمم أكبر مصرف تجارى فى البلاد وقتها، كما أنشأ الكثير من المصانع المتخصصة فى الصناعات المختلفة مثل الحديد والصلب والألومنيوم والغزل والنسيج وغيرها بتكلفة تجاوزت 3 مليارات جنيه وهو رقم ضخم جدا فى تلك الفترة، واستطاعت مصر تحقيق فائض فى ميزانيتها حوالى 46 مليون جنيه، وازدادت أعداد المدارس والجامعات والمعاهد الحكومية فى عصر ناصر بنسبة 300% وازدادت نسبة الأراضى الزراعية المملوكة للفلاحين إلى 2 مليون فدان، وعندما ثمّن البنك الدولى القطاع العام فى عهد ناصر قدّره بحوالى 1400 مليار جنيه، وهذا الرقم يعتبر كبيرًا جدا خاصة إذا عرفنا أن الجنيه الذهب وقتها كان يساوى 4 جنيهات ورقية.
وأضاف: القرارات الاشتراكية التى اتخذها عبد الناصر عام 1961، أتت بنتائج مهمة فى خطته الطموحة للإصلاح الاقتصادى فقد أعلن وقتها البنك الدولى أن مصر استطاعت أن تقفز بمعدل النمو من 57% إلى 67%، وفى عام 2000م، اختارت منظمة الأمم المتحدة مشروع السد العالى الذى بنى فى عهد عبد الناصر كأعظم مشروع هندسى وتنموى فى القرن العشرين.
العدالة الاجتماعية
من جانبه قال د. طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة، إنه حينما بدأ عبد الناصر الحكم اصطدم بجماعة الإخوان المسلمين لأن الجماعة كانت تريد أن تشاركه فى الحكم وحدثت مواجهات انتهت إلى إنهاء دورهم فى الحياة السياسية وحل الجماعة بعد محاولة اغتياله وبدأت مصر تتجه إلى ظاهرة التنظيم الواحد، مضيفا: وفى عام 1967م كانت الهزيمة كبيرة، وخرج الرئيس عبد الناصر منها بدروس مهمة، هذه الدروس كانت قائمة على أمرين، أولهما إعادة واستفادة قوة الجيش المصرى وإعداد الجبهة الداخلية للحرب فغابت السياسة منذ عام 1967م إلى حرب الاستنزاف عام 1969م وكان الخيار الحربى أو العسكرى مسيطرا على الفكر السياسى ونجح عبد الناصر فى تمهيد الأجواء إلى أن توفى وتولى محمد أنور السادات واستطاع أن يدخل الحرب وينتصر واتخذت مصر مسارا سياسيا جديدا.
وتابع: فى عام 1961م قام جمال عبد الناصر بإعلان قرارات اشتراكية استعان فيها بعبد العزيز صدقى وعبد المنعم القيسونى، وقد بدأت تتضح ملامح مشروع ناصر التنموى مع إنشاء الاتحاد الاشتراكى وهو اتحاد وحدوى قائم على فكرة الصوت الواحد ولم يكن هناك منابر وأحزاب، لكن عبد الناصر أخذ خبرة الحياة السياسية لأنه دخل كل التنظيمات ودخل جماعة الإخوان المسلمين وارتبط بها ودخل تنظيم «حدتو» وهو تنظيم شيوعى كبير ومن بعده دخل حركة مصر الفتاة وهذه التنظيمات الثلاث كانت أكبر قوى سياسية فى مصر وقتها.
اشتراكية عبد الناصر
وأشار فهمى إلى أن فكرة الاشتراكية عند عبد الناصر لم تكن نفسها هى الاشتراكية لدى الصين أو الاتحاد السوفيتى (الفاشية) ولكن عبد الناصر طبق فكرة الاشتراكية التعاونية بأن يعول المجتمع نفسه بمعنى أن المجتمع لا يكون فيه فوارق فى الأجور والرواتب فى نمط الحياة وفى غيرها، مستطردا: ويمكن القول أن الاشتراكية الناصرية أفادت المجتمع لأنه حصل على تجربة جيدة فى عهد ناصر لم يكن هناك محسوبية كبيرة وكان المجتمع قائمًا على فكرة المساواة والعدالة الاجتماعية وتحققت بصورة كبيرة ودخل أبناء الطبقة المتوسطة والدنيا إلى مؤسسات سيادية دبلوماسية مثل الخارجية وغيرها، وبنى عبد الناصر توافقا مجتمعيا كبيرا وأعاد الحكم إلى الشعب المصري.
وتابع: بالتالى نستطيع أن نقول بمنتهى الأمانة إن عبد الناصر حقق العدالة الاجتماعية فى أروع صورها، ولا يمكن أن ننكر وجود بعض السلبيات ولكن يمكن القول أن العدالة الاجتماعية فى عهده تم تطبيقها بصورة موضوعية فهو يركز على فكرة المساواة فى المجتمع، فكرة الاشتراكية عنده لم تكن سيئة بل كانت مفيدة وايجابية حيث استفاد من تطبيقها ومن أهم مزاياها حققت العدالة الاجتماعية بشكل كبير.
اشتراكية شعبوية
أما الدكتور كمال زاخر المفكر السياسي، فقال عبد الناصر لم يكن اشتراكيا بالأساس لكنه نشأ وخرج من وسط الشارع المصرى بطبقاته الشعبية الفقيرة والمتوسطة وتأثر بها وكان يؤمن بها وينتمى إليها، وهو شيء يحسب له، وكان يؤمن بفكرة أن الرأسمالية المستغلة – بحسب تعبير ثورة يوليو 1952- هى السائدة وبالتالى جاءت قرارات 1960 والتى عُرفت بالقرارات الاشتراكية متركزة حول تأميم المصانع وتحويلها إلى ملكية عامة، متابعا: وعليها تأسست رؤيته لبناء اقتصاد جديد مختلف عن النمط الذى كان سائدا، ولا تزال تأثيرات هذه القرارات محل خلاف خاصة أنها كانت متسارعة ولم تأخذ فى حسبانها طبيعة التركيبة المصرية التى تعتمد بالأساس على الملكية الخاصة، كما أن فكرة تحويل الملكية الخاصة إلى ملكية عامة لم يواكبها مد ثقافى يُجذّر للفكرة.
وقال زاخر إنه إذا أردنا الحديث عن التنمية فى عهد ناصر فلا يمكن أن نتحدث عن التنمية من الجانب الاقتصادى ولكن يمكن أن نتحدث عنها من الجانب الشعبوي، ذلك لأن سياسات عبد الناصر كانت تغازل الطبقة الشعبية الفقيرة والمتوسطة، مشيرا إلى أن الاشتراكية التى طبقها عبد الناصر أرادت الانتصار لهذه الطبقات.
وأضاف، إن عبد الناصر لم يطبق الاشتراكية بالمعنى العلمى لها ولكنه طبق اشتراكية شعبوية ليس لها أسس اقتصادية قوية يبنى عليها، وهو ما جعل الفكرة تنتهى برحيله، مستطردا: فالعبرة هنا بالنتيجة فقد سيطرت الإدارة البيروقراطية على هذه المصانع والشركات، إلى أن جاء السادات بسياسات جديدة ومختلفة ومضادة لسياسات ورؤية ناصر التى لم تجد من يدافع عنها على أرض الواقع بعد رحيله.
خطأ الدعم
ورأى زاخر أن سياسات ناصر الاشتراكية أثرت على المجتمع بالسلب لأنها كانت رؤية شخص وليست رؤية مجتمع وأفضل مثال على ذلك هى فكرة الدعم، هذه الفكرة معروفة فى جميع دول العالم بأنها وضع استثنائى تكون نتاج فترة أزمات كحدوث الكوارث الطبيعية أو الحروب فتتدخل الحكومة أو الدولة بالدعم لمساندة الطبقات المتأثرة بهذه الفترة الاستثنائية وينتهى الدعم بنهايتها، وأمام القبول الشعبى واختلال القرارات الاقتصادية «تحول الاستثناء إلى قاعدة»، متابعا: وبالتالى كان على الدولة أن تعوض من ميزانيتها تكلفة هذا الدعم ولأن هذه التكلفة ليست ناتجة عن زيادة فى حجم الإنتاج ووجود قيمة مضافة على الاقتصاد، اضطرت الدولة إلى تعويض هذا العجز بالاقتراض إما بالدين الداخلى أو الخارجى، وهكذا دخلت فى دوامة الاقتراض ولم تستطع الخروج منه حتى وقت قريب، وذلك لأن الدولة تتحمل عبئين وهما عبء سداد قيمة القرض نفسه، وعبء سداد فوائده أو ما يطلق عليه «خدمة الدين» وهذا بالتحديد ما أوصلنا إلى عجز الموازنة العامة للدولة الذى تفاقم عاما بعد عام ودون أن يكون الاقتراض لمشروعات إنتاجية، وبالتالى «يأكل» الدعم المالى، أضف إلى هذا كلفة المغامرات الحربية التى قام بها من 1956 إلى 1967 وعلاجاتها التى توجت بانتصار أكتوبر 1973 والذى كان انتصارا مدفوعا لأن عليه تكلفة عالية، إذا فهذه السياسات أوصلتنا إلى مرحلة كادت فيها الدولة أن تُعلن إفلاسها.
العدالة الخاطئة
وقال زاخر على الرغم من القول بأن الاشتراكية حققت العدالة الاجتماعية، إلا أن هذه الرؤية بُنيت على افتراضات غير حقيقية لأنه لم يكن هناك تنام فى الاقتصاد، وإنما كان نوعًا من أنواع التلاعب على المشاعر بفكرة الدعم، والتنمية صنعتها الدعاية والإعلام و لم تكن حقيقية، والاشتراكية كنظرية تخلى عنها أصحابها، وذلك لأن آخر معاقل الاشتراكية وهو جمهورية الصين الشعبية تعلن سياسات اشتراكية ولكنها تطبق اليوم على أرض الواقع سياسات رأسمالية غزت بها العالم فالشعارات وحدها لا تبنى الاقتصاديات.
ولكن!
ويلفت زاخر النظر إلى جانب معاصر لا يقل أهمية فقال: مصر الآن تسير فى طريق علاج للاقتصاد بشكل سليم، وربما يكون هذا العلاج مؤلمًا وتكلفته عالية ولكن ليس أمامنا بديل آخر عنه، وهو اقتحام مجالات الإنتاج المختلفة والتصنيع قصير ومتوسط وطويل المدى وتأسيس البنية التحتية والمشروعات الصغيرة وإلغاء الدعم بشكل تدريجي، ولكن هذه المرحلة تحتاج إلى التسويق بمعنى أن هذه الجراحة المؤلمة نتيجتها إحساس المواطن بالضغط عليه، وأنا شخصيا رأيت أغلب المشروعات القومية الجديدة مثل مشروع قناة السويس الجديدة والمدن السكنية الجديدة وشبكة الطرق والعاصمة الإدارية، وأرى أنها كلها مشروعات تنتهى إلى إضافة حقيقية للاقتصاد المصري، ولكن المشكلة أن رجل الشارع البسيط لا يعرف عن قيمتها وفائدتها شيئا، وهذا ما جعل وسائل الإعلام المعادية تسعى لتضخيم شعوره بالاحتقان من خلال ترويج أن هذه المشروعات غير مهمة أو ليس لها أولوية أو يمكن تأجيلها، وللأسف الشديد إن الإعلام الرسمى والوطنى لم ينتبه إلى دوره فى هذا الشأن وهو ما أدى إلى حدوث احتقان حقيقى لدى بعض المواطنين فى الفترة الأخيرة.