رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

الغموض سيد الموقف.. إيران بعد «رئيسي»

368

روضة فؤاد

ضربة موجعة لنظام الملالي، وجهتها وفاة الرئيس الإيرانى «إبراهيم رئيسي» فى حادث طائرة مروحية، ما أثار تساؤلات عديدة حول ما إذا كان اختفاء رئيسى من المشهد السياسى فى إيران سوف يشعل صراعًا على السلطة، أم سيحدث العكس ويؤدى هذا الحادث إلى منح النظام الإيرانى شريان حياة جديدا؟.. وسائل الإعلام العالمية لم تتوقف عن تحليل الأوضاع السياسية فى إيران منذ الإعلان عن وفاة «رئيسي» إثر تحطم مروحيته فى منطقة جبلية، وعلى الرغم من أن الحديث لا يزال قائمًا بالرصد والتحليل حول الحادث وأسبابه، وعن فرضية وجود تدخل أجنبى أدى إلى تحطم المروحية التى كانت تقل الرئيس ووزير خارجيته والوفد المرافق له، إلا أن العديد من التقارير والتحليلات السياسية اهتمت برصد الداخل الإيرانى فى مرحلة ما بعد رئيسي، وهل يمكن أن تؤدى الوفاة إلى إشعال صراع على السلطة؟

فى هذا السياق، ذكرت صحيفة «الإيكونوميست» البريطانية أن وفاة رئيسى سيكون لها تأثيرها على الصراع السياسى فى البلاد، مضيفة أنه قبل ثلاث سنوات، عندما فاز إبراهيم رئيسى بالرئاسة فى انتخابات وصفتها الصحيفة بـ «المزورة»، اعتقد بعض الإيرانيين أن ذلك كان بمثابة نقطة انطلاق له إلى منصب أكبر، إذ لم يكن لدى «على خامنئى» المرشد الأعلى المسن والمريض، الوقت الطويل ليعيشه، وعندما يموت من المؤكد أن رئيسى سيهدف إلى أن يحل محله، ولكن بدلاً من ترقية رئيسى إلى أعلى منصب، ربما يكون الفوز بالرئاسة قد كلفه حياته.

وأوضحت الصحيفة أنه فى 19 مايو، كان رئيسى عائدًا من زيارة إلى أذربيجان المجاورة، حيث افتتح سدًّا على الحدود، ولكن السلطات فقدت الاتصال بطائرته المروحية فى منطقة جبلية على بعد حوالى 95 كيلومتراً (60 ميلاً) شمال شرق تبريز، قبل أن يتم الإعلان رسميًا عن وفاته، والوفد المرافق له، وأضافت الصحيفة أنه على الرغم من أن رئيسى تابع للمرشد الأعلى، لكن وفاته ستهز السياسة الإيرانية حيث إنه يجبر النظام على العثور على رئيس جديد فى وقت قصير وصعب، فهو منخرط فى حرب إقليمية تشمل العمل العسكرى المباشر من جانب إيران وشبكتها من وكلائها الإقليميين، ويفكر خصوم إيران، بما فى ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل فى تعميق روابطهم الأمنية من أجل مواجهة إيران، كما أن الاقتصاد يغرق ويمكن أن يتضرر أكثر من خلال تشديد العقوبات الأمريكية، بالإضافة إلى أن وفاة رئيسى من شأنها أن تؤدى إلى الفوضى التى تلوح فى الأفق فى صراع إيران الداخلي، من خلال إزالة أحد المرشحين الرئيسيين لمنصب خامنئي.

فى السياق ذاته، ذكر الكاتب «أندرو إنجلاند» فى مقال نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية بعنوان «وفاة رئيسى ضربة للنظام السياسى الإيراني» أن مقتل رئيسى يعتبر ضربة للنظام الإيرانى ومرشده على خامنئي، مضيفا أن هذا لا يعنى أن رئيسى كان رئيسا ينفذ سياسات راديكالية ستعيد تشكيل مستقبل إيران، وسيظهر التاريخ أن فترته القصيرة فى الحكم لن تترك إلا أثرا قليلا مقارنة مع أسلافه مثل محمد خاتمي، الذى تبنى خطا إصلاحيًا أو حسن روحاني، السياسى الذى تبنى سياسات وسطية وكان مهندسًا رئيسيًا لاتفاق عام 2015 النووى مع الولايات المتحدة وحلفائها فى الغرب، وأشار الكاتب إلى أن رئيسى كان ومن الوهلة الأولى التى انتخب بها لخلافة روحاني، جزءا من خطة خامنئى لتقوية النظام والتأكد من خلافة سلسة له.

وقال الكاتب إن فوز رئيسى فى الانتخابات الرئاسية كان مرتبًا بعناية، وجرى استبعاد المرشحين المحافظين والإصلاحيين، ونُظر إليه باعتباره أحد تلاميذ خامنئى والمرشح المحتمل لخلافته، وبنفس الطريقة جرى ترتيب انتخابات البرلمان هذا العام خدمة لهذا الغرض، ومُنع روحانى من الترشح للبرلمان، مما فتح المجال أمام جيل من النواب المتشددين للتقدم والسيطرة على المؤسسة التشريعية، وأضاف أن خامنئى بدا وكأنه يعيد ترتيب بيته، ولكن ليس مؤكدا أن رئيسى الذى شهدت فترته الرئاسية اضطرابات وزيادة فى التضخم وآلاما اقتصادية وتراجعا فى قيمة الريال الإيرانى، كان سيصبح خليفة لخامنئى لو لم يمت، فهناك نجل المرشد، «مجتبى خامنئي» الذى ينتظر فى الجناح، إلا أن ولاء رئيسى للمرشد ساعد على تقديم صورة عن كتلة محافظة موحدة حول أهداف ورؤية المرشد وتجنب الخلافات.

أما صحيفة «الجارديان» البريطانية فذكرت أن وفاة الرئيس الإيرانى جاءت فى وقت كانت فيه البلاد، التى تواجه تحديات خارجية غير مسبوقة، تستعد بالفعل لتغيير النظام مع الوفاة المتوقعة فى السنوات القليلة المقبلة لمرشدها الأعلى البالغ من العمر 85 عاما، على خامنئي.

وأوضحت الصحيفة، أنه فى ظل القيادة متعددة الرؤوس للبلاد، حيث تتشارك السلطة بطرق مبهمة فى كثير من الأحيان بين رجال الدين والسياسيين والجيش، فإن المرشد الأعلى، وليس الرئيس، هو الذى يتخذ القرار فى نهاية المطاف، مشيرة إلى أنه مهما كانت الرئاسة موالية للمرشد الأعلى، وكان رئيسى يعتبر مخلصا للغاية لخامنئي، فغالبا ما يتم تصويرها على أنها كبش فداء مفيد لمساعدة المرشد الأعلى على تجنب الانتقادات، ومن المؤكد أن هذا أصبح مصير سلف رئيسي، حسن روحانى الذى أصبح بمثابة أداة للقرارات المتخذة فى أماكن أخرى.

وذكرت «الجارديان» أنه فى الأشهر الأخيرة، تم ذكر رئيسى الذى تم انتخابه رئيسًا فى سنة 2021 ولكن من الناحية العملية اختاره المرشد الأعلى، كخليفة محتمل وبدلًا من ذلك، فإن وفاته تمهد الطريق الشائك أمام نجل خامنئي، مجتبى خامنئي.

وقالت الصحيفة إن الاختيار يتم من قبل «مجلس خبراء» مؤلف من 88 عضوا، ومن المؤكد أن رحيل رئيسى يزيد من فرص الخلافة الوراثية فى إيران، وهو أمر يعارضه العديد من رجال الدين باعتباره غريبا على المبادئ الثورية فى إيران.

واعتبرت الصحيفة أن وفاة رئيسى من شأنها أن تزيد من الشعور بأن البلد يمر بالفعل بمرحلة انتقالية سياسية، ولم يتم انتخاب برلمان متشدد جديد إلا فى الأول من مارس الماضي، حيث انخفضت نسبة المشاركة فى بعض المناطق إلى أقل من 10%، وتم تقديمه بشكل عام على أنه وصل إلى نسبة مشاركة على مستوى البلاد بلغت 41% فقط، وهو مستوى قياسى منخفض، وأضافت أنه تم استبعاد الساسة الإصلاحيين أو المعتدلين أو تعرضوا لضرب مبرح، الأمر الذى أدى إلى انقسام جديد فى البرلمان.

على جانب آخر، ذكر مقال رأى كتبه «ماركو جيانانجيلى» محرر الشئون الدفاعية والدبلوماسية فى صحيفة «ذا ديلى إكسبريس» البريطانية، أن النظام الإيرانى قد يستغل وفاة رئيسى لمنحه شريان حياة، حيث يرى العديد من الخبراء أن وفاة الرئيس الإيرانى يمكن أن توفر شريان حياة لا يقدر بثمن للنظام الذى تراجعت شعبيته فى الداخل والخارج.

وأشار الكاتب إلى أن رئيسى الملقب بـ «جزار طهران» لدوره فى إعدام 30 ألفا من نشطاء المعارضة عام 1988، عندما كان رئيسا للقضاة فى طهران، لقى مصرعه مع وزير خارجيته ومرافقيه فى حادث تحطم مروحية تعرضت لهبوط صعب عائدا من أذربيجان، حيث افتتح هو والرئيس الأذرى إلهام علييف مشروع سد تعاوني، كما نجت مروحيتان أخريان كانتا ترافقان مروحية رئيسى على الرغم من سوء الأحوال الجوية.