رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

“وداعا طبرية”.. استعادة الوطن عبر العائلة

209

محمود عبد الشكور

أجمل ما فى الفيلم التسجيلى “وداعا طبرية” للمخرجة لينا سوالم، أنه يحكى عن العام من خلال الخاص والعائلى جدا، يحدث ذلك بذكاء، وبصنعة فن، وبطريقة مقصودة، أو غير مقصودة، ولكنها قوية ومؤثرة، ذلك أن عودة الممثلة الفلسطينية الكبيرة هيام عباس إلى وطنها، مع ابنتها المخرجة لينا، واستدعاء هيام لذكرياتها مع أمها نعمات، ومع جدتها أم علي، وحضور الصور والفيديوهات، وبحيرة طبرية والقدس وقرية دير حنا، ورؤيتنا للأعراس والمناسبات ولطقوس إعداد الطعام، كل ذلك يؤدى إلى حضور الوطن بأكمله، وعبر عدة أجيال، من عام النكبة (1948) الى أيامنا الحاضرة.

هى إذن استعادة للزمن الباقي، الذى لن يزول، وبينما يحمل الفيلم اسم “وداعا طبرية”، فإن ما نراه هو بقاء طبرية، البحيرة التى يبدأ وينتهى بها الفيلم، وهو بقاء عابر للأجيال، تحفظه الذاكرة قبل الصور.

تحتضن هيام عباس طفلتها لينا فى أحد الفيديوهات لتعلمها السباحة فى بحيرة طبرية، فتلخص ببلاغة فكرة تواصل الذاكرة: يتغير الماء، ويتغير الزمن، ولكن الأم العائدة من فرنسا تصنع فيلما مع ابنتها عن الوطن، وعن الأجداد، وهاهما تسبحان بكل أمان فى الوطن، رغم أنهما تقيمان فى فرنسا.

صنعت فكرة الفيلم أيضا شيئا جيدا لافتا، حيث سيؤدى الحديث عن أربعة أجيال من نساء عائلة واحدة هن أم على ونعمات وهيام، ثم المخرجة لينا التى اختبأت وراء الكاميرا معظم الوقت، وكان من الأفضل أن تتحدث أيضا عن نفسها وحياتها، سيؤدى ذلك إلى اختبار تطور مسيرة المرأة الفلسطينية، وهى سر البقاء والصمود، وعنوان المقاومة، وعمود الخيمة، وإلى اكتشاف الفروق فى مفهوم الحرية وتحقيق الذات بين الأجيال، فبينما كان الإنجاب مشروع جيل الجدة الكبرى أم علي، والجدة التالية نعمات، فإن هيام بحثت عن تحقيق ذاتها كممثلة فى فرنسا، وتزوجت بجرأة ممن تحب، وهاهى لينا تتحقق من خلال صنع الأفلام، وتصالح العائلة على ماضيها، تتحدث الفرنسية، ولكنها لا تنسى أنها فلسطينية الأصل.

اعتمد بناء الفيلم على تضفير ممتاز لمواد مصورة بالفيديو لهيام وابنتها لينا الطفلة فى عامى 1992، و1993، ومواد مصورة لهيام فى العام 2018، ومعها ابنتها المخرجة، ولكن الفكرة بدأت من لينا التى قررت أن تكتب انطباعاتها ورؤيتها عن الجدة الكبرى أم علي، وعن الجدة الأصغر نعمات، وأن تسأل أمها هيام عن ذكرياتها، وتأخذها إلى أماكن قديمة، مثل المدرسة التى تعلمت فيها، ومثل مسرح الحكواتى فى القدس، والذى بدأت منه هيام عباس أولى خطواتها، ومن خلال تدفق الذكريات، وتوظيف فى مكانه لموسيقى أمين بوحافة الشجية، ومد الخطوط بين الماضى والحاضر، بحيث يصبحان لوحة واحدة، يتشكل الوطن عبر العائلة، ويحضر الإنسان الفلسطيني، وتحضر المرأة الفلسطينية بكل قوة ووضوح، وتصبح محنة العائلة جزءا من محنة فلسطين، فنرى مشاهد وثائقية للاجئين، بينما نسمع صوت لينا وهى تحكى عن تهجير أجدادها مشيا على الأقدام، من بحيرة طبرية حيث المكان الأصلي، وكان التهجير بطلب من حكومة الانتداب البريطاني، بدعوى تحذيرهم من العصابات الصهيونية.

عندما تأتى سيرة نعمات، والتحاقها بالمدرسة لتتخرج معلّمة، يظهر الاحتلال الإسرائيلي، الذى سيتكرر حضوره سواء فى شرائط هيام وطفلتها لينا فى شوارع دير حنا فى العام 1992، أو فى شرائط تجوال هيام فى الشوارع فى العام 2018.

هذا الحضور الذى يملأ الصور بليغ حقا، لا هتاف ولا صوت صاخب، ولا ابتعاد عن موضوع العائلة، ولكن العائلة هنا صارت وطنا، صارت مثل شجرة لها جذور تمثلها أم على الجدة الكبرى، ولها فروع تعود إلى الأصل، تمثلها الأم نعمات، والابنة هيام، والحفيدة لينا، والجدار يحتضن كل هؤلاء.

 تتداعى الذكريات حاملة تفاصيل إنسانية عذبة، وحوارات تلقائية ظريفة بين هيام وأمها نعمات، وبين هيام وشقيقاتها وأشقائها، الذى يكوّنون  معا قطارا مثل قطارات الأطفال وسط الضحكات البريئة، كما تستعيد هيام وتمثل بعض مشاهد قديمة عاشتها، وعندما تتحدث عن خالتها حسنية التى لجأت الى مخيم اليرموك فى سوريا، وعن لقائهما بعد سنوات، فإنها فى الواقع تستدعى الوطن عبر أقاربها، وتنقل إلينا بشكل غير مباشر مأساة الاحتلال، الذى قام بتشتيت العائلة، التى تعود  فى كل مرة لتتجمع من جديد.

هيام تمثل جيلا أكثر جرأة فى الحصول على حريتها، أحبت مايكل الأستاذ فى جامعة بيزيت، وأصرت على الزواج به، واجهت والدها أكثر من مرة، وتركت لأسرتها خطابا قبل رحيلها إلى فرنسا، قالت  فيه إنها ستحاول أن تجد نفسها فى مكان آخر، صارت ممثلة، أنجبت طفلة من زوجها الثاني، ولكنها عادت إلى دير حنا، واستقبلتها العائلة بدون عتاب، وبدون فتح جراح الماضي، ظلت دوما تحتاج العائلة، فحملت لينا الصغيرة إلى بيت الأسرة فى فلسطين.

يتدفق السرد بتدفق الذكريات العفوية، تنطلق الضحكات صاخبة وصافية، ويتكاثر الفلسطينيون، يرقصون فى الأعراس، يلعبون ويصنعون المخبوزات، يغنون فى فرح بثينة ، شقيقة هيام، نشيد “بلادى .. بلادي”، وتبقى فى خلفية الصور مشاهد اللاجئين بعد النكبة، وأشباح الجنود العابرين خلف هيام وهى تتجول فى الشوارع.

يتكرر ظهور بحيرة طبرية فى البداية والنهاية، تركت العائلة طبرية عاصمة منطقة الجليل، ولكنها ظلت فى فلسطين، نرى شقيقات هيام وهن تتذكرن ضاحكات حكايات الطفولة والمراهقة، ونشاهد عمليات تنظيف البيت لاستقبال الأسرة، تلتقط الكاميرا المشاعر والأحاسيس، وتسجل حضور العائلة كشجرة لا يمكن اقتلاعها، حتى لو ذهبت الخالة حسنية إلى سوريا، وحتى لو أقامت هيام وابنتها فى فرنسا.

يمتلئ الحائط بالصور الفوتوغرافية لكل الشخصيات، تثبتها هيام وابنتها بقوة وإصرار، وتبقى خطابات هيام وأشعارها محفوظة فى صناديق خشبية، يستعاد الزمن صوت وصورة، وترد لهجة هيام الفلسطينية على لغة لينا الفرنسية.

 يصل إلينا المعنى العام من قلب تفاصيل عائلة عادية مثل آلاف العائلات، هنا سر البقاء: الإنسان الفلسطيني، والمرأة الفلسطينية، والذاكرة التى يتوارثها الأحفاد عن الأجداد، يذهبون ويعودون إلى بحيرة طبرية، مهما طال الغياب، ومهما كانت المصاعب والتحديات.