رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

لماذا غُيبت تلك المشروعات لعدة عقود؟! من قناة السويس إلى توشكى

398

مع بداية هذا الشهر ونحن نبحث فى ملف أرشيف الصور الخاصة بإعادة افتتاح قناة السويس، لفت نظري صورتان قام بالتقاطهما الزميل رجاء العادلي، المصور بمجلة أكتوبر، ضمن مجموعة من الصور عام 1977 خلال الاحتفال بمشروع تطوير قناة السويس، كان قد مر على إعادة افتتاح القناة فى 5 يونيو 1975 عامان واختار الرئيس محمد أنور السادات ذلك التاريخ ليكون احتفالاً للمصريين بالصمود والانتصار ومحو آثار الهزيمة.

في تلك اللحظة توقفت عند صورة جمعت الرئيس السادات ونائبه فى ذلك الوقت الفريق طيار حسني مبارك ورئيس الحكومة آنذاك ممدوح سالم، كانت إحدى اللوحات تحمل عنوان مشروع تطوير قناة السويس.

استوقفتني كثيرًا تلك اللوحة والتي حملت مشروع ازدواج القناة ضمن مشروع التطوير لكن لم يتم منه سوى عملية التوسعة فى بعض المناطق، وكانت هناك مراحل أخرى للمشروع بعد عام 1980 تشمل ازدواج القناة فى أكثر من قطاع والتوسعة والتعميق للمجرى الملاحي فى مناطق بحيرة التمساح والبلاح، لكن المشروع لم يكتمل ومرت ثلاثة عقود والمشروع لم يتم منه سوى تفريعة بورسعيد والتي لم تستكمل حتى نهايتها وتم استكمال الجزء الأخير منها (9 كيلو مترات) عام 2015/ 2016 بعد الانتهاء من مشروع حفر التفريعة الجديدة لقناة السويس عام 2014/ 2015 والتي بلغ طولها 72 كيلو مترًا.

الأمر هنا جعلني أتوقف عند مجموعة من المشروعات التي تحركت باتجاهها القيادة المصرية خلال العقد الأخير، هذا الكم الهائل من المشروعات العملاقة فى كل أنحاء الدولة المصرية وقطاعاتها المختلفة.

هذا الكم من المشروعات جعل البعض يتحدث عن فقه الأولويات فى بناء الدول، واستغل البعض الآخر المفردة الأخيرة (فقه الأولويات) وحاول يطنطن بها علّه يطرب بعض سامعيه من أصحاب الهوى زاعمًا أن الدولة كان عليها أن تتخذ مسارات أخرى، وأن تقلل من حجم الإنفاق فى مثل تلك المشروعات العمرانية، والزراعية، والبنية التحتية، لتدفع بها إلى قطاعات أخرى.

ولقي مثل هذا الرأي استحسانًا من آخرين دون أن يراجعوا المشهد كاملاً ويتوقف كل منهم عند تفاصيله بدقة.

(1)

لم ينتبه البعض منهم سواء عمدًا أو عن غير قصد. وهنا علينا أن نكون حسني النية، إن الدول عندما تقرر أن تبني نهضتها ومشروعها الوطني فعليها أن تمتلك بنية تحتية قوية أولاً تستوعب المشروع الوطني الطموح فى كل قطاعاته.

ولأن البنية التحتية فى مصر قبل عقد كانت قد أصابها حالة من العطب، وفقدت القدرة على مواجهة احتياجات قطاعات الدولة المختلفة، كما أن تأخر اتخاذ القرار يعد بمثابة مشكلة كبرى تواجهها الدول، بل يعد تأثيره على مستقبلها كارثيًا.

أعود إلى الصورة التي استوقفتني وخلقت لدي تساؤل مهم، ما الذي جعل الدولة المصرية تتأخر فى إنجاز ما تم تخطيطه كمشروعات قومية مهمة خلال تلك السنوات؟! وما الذي كان سيحدث لو قامت بتنفيذها فى التوقيتات المحددة لذلك؟! وما حجم التكلفة فى ذلك الوقت؟! وهل مثل تلك المشروعات إذا ما كان قد تم إنجازها كانت ستحقق حالة من الوفرة تكون ذات عائد إيجابي على الشعب؟! ألم يكن من الأفضل لنا أن ننجز مثل تلك المشروعات فى حينها؟!

تساؤلات كثيرة ترددت فى ذهني جعلتني أبحث أكثر وأتوقف عند بعض المشروعات، منها تطوير قناة السويس ومشروع توشكى وتنمية سيناء الذي تحدثت عنه كثيرًا من قبل فى تلك المساحة، وكيف أنه مشروع قديم حديث لكنه كان يحتاج إلى إرادة حقيقية لتنمية هذه البقعة المباركة من أرض الوطن بشكل يليق بها.

صورة الرئيس السادات ونائبه فى ذلك الوقت مبارك ورئيس حكومته ممدوح سالم وحوار الرئيس مع رئيس هيئة قناة السويس فى ذلك الوقت المهندس مشهور أحمد مشهور، حول المشروع الذي سيضاعف دخل قناة السويس عامًا بعد عام، فقد بلغ دخل القناة عام 1977 ما يقرب من 500 مليون دولار وارتفع فى عام 1980 إلى مليار دولار.

كان المشروع يستهدف تعميق القناة  وتوسعة المجرى الملاحي  وازدواجه، لكن الأمر لم يتم منه  سوى تعميق المجرى الملاحي وتوسعة أجزاء منه، فى ذلك الوقت  كان سعر صرف الدولار مقابل الجنيه ثلاثة جنيهات و٤٠ قرشًا، فقد كانت تكلفة المشروع 3 مليارات و200 مليون جنيه حال ما تم تنفيذه مثلما حدث عام 2015 من ازدواج القناة بطول 72 كيلو مترًا وإنشاء ثلاث حزم أنفاق، لكن الأمر لم يحدث (لتبلغ التكلفة فى 2015 ما يقرب من 20 ضعفًا – 64 مليار جنيه) وبعد ما يقرب من عقدين، جاء الدكتور كمال الجنزوري، رئيسًا لمجلس الوزراء، وعقب عودته من زيارة سنغافورة فى مايو 1997 أعلن عن المشروع الأكبر لتطوير قناة السويس، والذي سيشمل تطوير منطقة شرق وغرب بورسعيد وتحويلهما إلى أكبر منطقة صناعية فى حوض البحر المتوسط بمساحة 87 مليون متر مربع، وكذا شق تفريعة فى الجانب الشرقي من القناة، وإقامة ميناء محوري وإنشاء أكبر محطة لتداول الحاويات فى حوض البحر المتوسط، لكن الدكتور الجنزوري خرج من الحكومة بعد عامين ولم تستكمل الحكومات التالية (حكومة عاطف عبيد، وحكومة أحمد نظيف) المشروع، والذي لم تعد له الروح مرة أخرى إلا نهاية عام 2011 بقرار صدر من رئيس الحكومة بسحب الأراضي التي تم تسقيعها من قبل عدد من رجال الأعمال، وتم إعادة إحياء المشروع  مرة أخرى لكن التكلفة كانت أكبر بكثير، فالدولار تضاعف سعره أمام الجنيه ليصل إلى 6,50 جنيه بعد أن كان ثلاثة جنيهات و40 قرشًا عام 1997.

إن تأخر إنجاز مثل تلك المشروعات فى التوقيتات المحددة لها وتخبط الحكومات المتتالية ما بين مؤيدة لها أو وضعها فى ذيل قائمة الأولويات جعل التكلفة تتضاعف فى ظل أعباء أخرى طارئة.

فتأخر اتخاذ القرار وتأخر تنفيذه فى الوقت المناسب يزيد من حجم التحديات أمام المشروع فيما بعد.

(2)

أما مشروع “توشكى» والذي كان مقررًا العمل عليه عام 1978 وتم افتتاح المشروع فى مارس 1982 وقال عنه المهندس عبدالعظيم أبو العطا، وزير الري والزراعة، فى ذلك الوقت، الذي قام بإنشاء المشروع قبل أن يستقيل من الحكومة فى ذات العام إنه بمثابة مشروع وادي جديد موازٍ لوادي النيل.

كان الهدف من المشروع فى سنوات الفيضان الزائد عندما يصل منسوب المياه خلف السد إلى 178 مترًا يتم فتح المفيض، ليكون بمثابة خزان إضافى وشريان لتنمية زراعية للصحراء الغربية خاصة الجنوب منها.

حينها بدأت معاول الهدم للمشروع بالاستناد إلى بعض الرؤى التي اعتبرت أن إطلاق المياه الزائدة فى المفيض بمثابة إهدار لمياه النيل فى الصحراء، ولا بد من إطلاق المياه الزائدة فى حالة الفيضان الزائد للنهر من خلال فتحات الزراعة بالسد العالي لإطلاق المزيد من المياه باتجاه البحر تحمل معها الطمي.

لكن وجهة النظر تلك تم الرد عليها بأن زيادة المياه ستزيد من اندفاعها وسيزداد النحر فى جوانب النهر.

افتتح المشروع عام 1982 لكن لم يستكمل وظل فى طي النسيان حتى سبتمبر 1996 وبالتحديد فى 23 سبتمبر احتفل المصريون باستقبال المفيض لـ 2,5 مليار متر مكعب من المياه.

وأعاد الدكتور كمال الجنزوري، رئيس الوزراء، فى ذلك الوقت، إحياء المشروع الذي جاء ضمن مجموعة المشروعات العملاقة التي استهدفتها استراتيجية حكومته، من أجل خلق مجتمع زراعي متكامل فى تلك المنطقة وإحداث تنمية زراعية فيها على مياه مفيض توشكى.

وبدأ الحديث عن أكبر مشروع لتنمية محافظة الوادي الجديد لاستقبال 5 ملايين مواطن.

فى ذلك الوقت قال محافظ الوادي الجديد محمد عزت السيد، إن مصر جديدة تولد فى الجنوب مع إنشاء ترعة الوادي لاستصلاح نصف مليون فدان وإعلان إنشاء خط سكة حديد سفاجا الوادي الجديد عبر قنا.

وقال المهندس محمد الأمير عثمان، نائب رئيس مجلس إدارة السد العالي وخزان أسوان، فى تصريحات له فى احتفالات أكتوبر من ذلك العام (1996) إن ما يحدث هو إعادة الحياة لمشروع ظل منسيًا 18 عامًا.

بدأت عملية تخصيص الأراضي فى المشروع وعملت الدولة على حفر قناة الشيخ زايد وفى يناير 1997 زار الجنزوري يرافقه 17 وزيرًا بحكومته، المشروع، كما قام مبارك بتفقد المشروع واعتبرته «لو فيجارو» الفرنسية فى تقرير لها تطورًا غير مسبوق لزيادة الرقعة الزراعية فى مصر.

لكن بعد خروج الجنزوري من الحكومة توقف المشروع واستهدفته بعض الأقلام متهمة حكومة الجنزوري بأنها دفعت بمشروع ليس له جدوى إلى السطح.

ولم تكمل حكومة عاطف عبيد التي خلفت حكومة الجنزوري المشروع وفق البرنامج الزمني المحدد له بل توقف تمامًا.

وكذا حكومة الدكتور أحمد نظيف ليدخل المشروع طي النسيان مرة أخرى لمدة 11 عامًا، وعندما تولى الدكتور الجنزوري الحكومة نهاية 2011 عاد المشروع العملاق إلى الواجهة وانتبهت الدولة المصرية لأهميته ودوره فى تقليل فاتورة الاستيراد للسلع الاستراتيجية على رأسها القمح.

تم إعادة تقييم الموقف ومناقشة التحديات التي ظلت عائقًا أمام المشروع، ولأن الرئيس السيسي أخذ على عاتقه منذ تكليف الشعب له فى الانتخابات الرئاسية 2014 أن يعيد بناء الدولة والاستفادة من الفرص المتاحة ومواجهة التحديات.

بدأ العمل على تحديث الدراسات الخاصة بالمشروع وبحث المشكلات والتحديات التي حالت دون استكماله، وكان القرار فى 2020 بالبدء فى التنفيذ واستكمال المشروع والذي بات يساهم فى إنتاج أكثر من مليون و200 ألف طن من القمح، هذا العام توفر 696 مليون دولار على الدولة المصرية، بالإضافة إلى المنتجات الزراعية الأخرى (الذرة، البطاطس، العنب، المانجو) وكذا أكبر مزرعة للنخيل فى العالم بها أجود أنواع التمور.

بلغت تكلفة المشروع حاليًا حتى الآن 6,4 مليار جنيه، ورغم الأوضاع الاقتصادية والأوضاع العالمية غير المستقرة إلا أن القيادة السياسية ارتأت أن تؤثر مواصلة استكمال المشروع الذي يعد من أهم المشروعات الزراعية فى مصر، وكان بمثابة صمام أمان لتوفير السلع الاستراتيجية وتقليل الضغط على العملة الأجنبية.

لكن ماذا لو أن المشروع تم الانتهاء منه مع بداية 2002 / 2003؛ ألم تكن التكلفة الخاصة بإنشاء المشروع ستنخفض إلى ما دون 25% من التكلفة الحالية، كما أن الزيادة السكانية التي حدثت خلال
الـ 22 عامًا الأخيرة لم تكن ضاغطة على الإنتاج فى ذلك الوقت فتتحقق الوفرة ويزيد حجم الصادرات.

إن تأخر تنفيذ العديد من المشروعات ضاعف من حجم التحديات التي تواجهها الدولة المصرية حاليًا، لكن الرئيس أخذ على عاتقه أمانة إعادة بناء الدولة بما يليق بالدولة المصرية ذات التاريخ والحضارة.

لم يكن مشروع توشكى أو تطوير محور قناة السويس هما المشروعان الوحيدان فقط اللذان تأخرت فى تنفيذهما الدولة المصرية لعدة عقود، رغم التخطيط لمثل تلك المشروعات ووجود وتوافر الدراسات الخاصة بها والتأكيد على أهميتها، لكن الإرادة السياسية التي جعلتها فى مؤخرة قائمة الأولويات هو ما زاد من حجم الأعباء على الدولة فى الوقت الحالي.