رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

بطليموس العرب

192

حسين خيرى

الغواص فى بحرها عاشق متيم، باحث عن صدفاته، وكلما غاص فى أعماق مياه بحورها أضاءت من جنباتها لآلِؤها، وفى أبحر الحضارة الإسلامية كنوز كسرى و أباطرة الروم وذخائر علمائها، ويبحر غواصنا مع لؤلؤ من صدفاته، وهو بطليموس العرب، واسمه محمد بن جابر بن سنان البتاني، ويكشف الغواص عن وصف المؤرخين لعلماء الإسلام بنوابغ العلم، ويفصح البتاني عن نبوغه، ويعد من العلماء المسلمين الأوائل الذين وضعوا الرموز فى تبسيط العمليات الحسابية، واعتكف البتاني بمرصد مدينة الرقة بالعراق يرصد مسار الأجرام السماوية، حتى اشتهر بين أهل البلاد بمرصد البتاني.

 وبفضل براعته فى الدراسات الفلكية لقبه العلماء ببطليموس العرب، وهذا على غرار عالم الفلك الإسكندري “كلوديوس بطليموس، ومن رصده حقق بالتسجيل عددا كبيرا من النجوم، وأنصفه المستشرق “جورج سارتون”، ومدحه قائلا: إنه أعظم علماء عصره وأنبغ علماء العرب فى الفلك، ووهب حياته لمدة نصف قرن فى البحث والدراسة عن الفلك والرياضيات، وكذلك نبغ فى الجغرافيا.

 واشتهرت قياساته الفلكية لظاهرتي الكسوف والخسوف بالدقة، وبعد عدة قرون اعتمد أكثر علماء الغرب على قياساته الدقيقة فى سرعة حركة القمر حول الأرض، ويعتبر من مؤسسي علم المثلثات، وينسب إليه أنه أول من أدخل مصطلح الجيب، مما ساعد على فهم علم المثلثات، وحرصت العالمة الألمانية “زيجرد هونكة” فى كتابها “شمس العرب تسطع على الغرب” على الإشادة بالبتاني، قالت: إن مصطلح الجيب دخل إلى كل رياضيات شعوب العالم بعد ترجمة البتاني.

 ومن أهم مؤلفاته “زيج الصابي”، وكلمة زيج مصطلح فارسي، يعني الجداول الفلكية، وقام فيه بتصنيف 489 نجمات، وكتب مؤلفا بعنوان “تعديل الكواكب”، وشرح بالتفصيل حركة كل كوكب حول مداره الفضائي، أسدل كثير من العلماء الثناء على مؤلفاته الأخرى بسبب ذات أهميتها المحورية فى توضيح المسائل الفلكية، على سبيل المثال “معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك”، كذلك مؤلفه “مقالات بطليموس”، الذي حمل رؤية نقدية لنظريات الفلكي الشهير كلوديوس.

 وأشار المؤرخون إلى بعض النقاط فى إسهامات البتاني الخاصة بمجال العلوم الفلكية واعتبروها القاعدة الأساسية، التي انطلق منها الفلكيون فيما بعد، من أبرزها تصحيحه قيمة الاعتدالين الصيفى والشتوي، كما نجح فى حساب قيمة ميل فلك البروج على فلك معدل النهار فوجدها 23 درجة و35 دقيقة (23° 35)، وهو الحساب، الذي أكدت الدراسات الفلكية صحته فيما بعد ولم يُختلف عليه، ولم يعتمد البتاني فى دراسته على النهل من السابقين كناقل ومحلل، إنما اعتمد على الفحص والنقد.

 وأضاف إليها، وهو ما صرح به “كارلو بروما”، المستشرق الإيطالي المختص بتاريخ علم الفلك عند العرب، كتب كارلو ثلاث مجلدات وتناول من بينها دراسات البتاني.

وقال: إنه أحدث أثرا كبيرا لدى الغرب فى علمى الفلك والمثلثات.