مصر تنتصر

الوعي.. وأزمة الثقة

78

عقب الحرب العالمية الأولى.. بدأ العمل على سلاح القوى الناعمة، لكونه أكثر تأثيرا في المواجهات، وكانت الثقة أحد أدوات تلك المعارك، ومع تطور الحروب بأجيالها المختلفة وصولا إلى حروب الجيل الرابع والخامس، التي تعتمد اعتمادا أساسيا على التلاعب بالعقول والتأثير على الوعي، والنفاذ إلى العقل الجمعي لتحريك المجموعات والحشود وقتما شاء صاحب المُخطط، بدأ اللعب على صناعة أزمة الثقة، لإحداث شرخ في العلاقة بين الشعوب وحكوماتها.
بتلك الطريقة أُسقطت دول وحكومات، ودمرت أوطان، وأعلنت حروب.

لذا كان السلاح الأكثر قدرة على المواجهة فى تلك المعارك هو “الوعى والثقة فى القيادة” الأمر الذى فعله الشعب المصرى عام 67 عندما وجد أن الطريق لاستعادة الأرض لا يكون إلا بالثقة فى القيادة، فجدد الثقة فى القيادة يوم 9 يونيو 67 وكانت بداية عملية الاستعداد لحرب أكتوبر. كما كانت الثقة فى القيادة – عندما خرج الملايين من المصريين، فى 26 يوليو 2013 لتفوض القوات المسلحة والشرطة لمواجهة الإرهاب – أحد أسباب نجاح الدولة المصرية فى مواجهة الإرهاب، واعتبارها من الدول التى قدمت نموذجا يدرس فى الأكاديميات العسكرية فى مكافحة الإرهاب.
جدد الشعب تلك الثقة فى قرار القيادة عندما خرج المصريون فى مايو 2014 لانتخاب الرئيس السيسى رئيسا للجمهورية، وكانت الانطلاقة نحو دولة حديثة تبنى وتعمر فى كافة ربوعها وتشهد تنمية فى القطاعات المختلفة.
عقب انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيسا للجمهورية وتسلمه مهام منصبه وفى أغسطس 2014 كان خروج المصريين لشراء شهادات قناة السويس الجديدة بعد أن أعلن الرئيس عن بدء العمل بالمشروع على أن ينتهى خلال عام واحد، وقدم المصريون أكثر من 64 مليار جنيه لحفر القناة الجديدة، ثقة منهم فى رؤية القيادة، وتأكيدا على الوعى الذى يمتلكه الشعب المصرى لبناء الوطن والحفاظ عليه.
وواصل الشعب تأكيده على ثقته فى قيادته، وذلك فى مواجهة حملات تشكيك مسعورة تديرها قوى الشر بهدف هدم الثقة بين الشعب والقائد، من خلال حملات التشكيك والشائعات والأكاذيب التى تديرها أدواتهم الإعلامية.
وأعاد الشعب تجديد وتأكيد ثقته فى قيادة الدولة خلال انتخابات الرئاسة فى مايو 2018 والتعديلات الدستورية فى 2019.
وكلما تقدم الوطن وحقق إنجازًا ونصرًا جديدًا، كانت أذرع قوى الشر تتحرك بهدف النيل من هذه الثقة التى تزداد يوما بعد يوم لما يراه الشعب من إنجازات تتحقق على أرض الواقع.
كان الوطن يواجه تحديات وتهديدات واستطاع أن يحقق إنجازات وانتصارات فيها، فاستعادت مصر مكانتها الدولية والقارية، واستطاعت أن تحول أزماتها إلى تحد نجحت فى مواجهته بل وأصبح أحد أهم ملفات الفخر لها، ففى مجال الصحة تحول ملف علاج فيروس «سى» إلى نموذج تقدمه منظمة الصحة العالمية إلى العالم، دليلا على قدرة الدولة على مواجهة الأزمة.
وفى مجال الكهرباء تحول التحدى من العجز فى الإنتاج إلى الزيادة والوفرة، مما منح الدولة القدرة على التوسع فى عملية التنمية وتصدير الفائض، وكذا فى العديد من الملفات التى نجحت فيها الدولة بفضل ثقة الشعب فى قيادته.
وخلال الأسابيع الماضية ازدادت ضراوة الحملات المسعورة ما بين نشر الأكاذيب أو محاولة الدفع بالمشهد العام فى اتجاهات محددة.. الأمر الذى يتطلب منا أن نكون أكثر إدراكا لخطورة تلك الحملة، فى ظل تطورات الوضع بالمنطقة.
كان أحد تلك المسارات هو استهداف المجموعات الإلكترونية التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية لوزيرة الصحة المصرية د. هالة زايد، خلال الفترة الماضية ومحاولات التشكيك فى قدرة وزارة الصحة على التعامل مع فيروس «كورونا» وتداول صورة الوزيرة الشهيرة للتشكيك فى جودة المنظومة الصحية من خلال تصدير صورة سلبية للمسئولة الأولى عن تلك المنظومة، رغم الشهادات الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية وإشادتها بما تقوم به الدولة المصرية من اجراءات وقائية فى مواجهة هذا الفيروس والشفافية الشديدة وتقديم المعلومات الصحيحة حول تعامل الدولة المصرية مع الأزمة منذ اتخاذها قرارًا بإعادة 300 من المصريين الراغبين فى العودة من الصين على نفقة الدولة المصرية وإقامة الحجر الصحى بمستشفى النجيلة واستمرار المتابعة لهم لمدة 14 يوما هى فترة الحضانة للفيروس ثم انتهاء فترة تواجدهم بالحجر الصحى وعودتهم سالمين إلى ديارهم وذويهم، كل ذلك أزعج المتربصين بالدولة المصرية، فى ظل الإشادة الدولية بما تم من التعامل مع الأزمة العالمية، فأطلقت الشائعات والأكاذيب، لتوجه الدولة المصرية صفعة جديدة لكل قوى الشر بقرار سفر وزيرة الصحة د. هالة زايد إلى الصين، ويضرب مروجو الشائعات أخماسًا فى أسداس بحثا عن السبب ويتفتق ذهنهم لإطلاق مجموعة من الشائعات، ومنها الشائعات التى اعتقد بعض من مؤيدى الدولة أنها ايجابية وتصب فى مصلحة الدولة بأن أطلق شائعة «أن مصر توصلت لعلاج للفيروس ويجرى عرضه على الصين خلال زيارة الوزيرة هالة زايد» ولأن المعلومة من وجهة نظر البعض إيجابية وتدل على قوة الدولة، فتم عمل شير لها وهم لا يدركون أن ما قاموا به هو السم فى العسل.
ونفت الوزارة الخبر جملة وتفصيلا، وبقى سفر الوزيرة فى إطار تعاون الدولة المصرية وتضامنها مع الصين فى مواجهة تلك الأزمة ودليلًا على قوة ومتانة العلاقات بين البلدين.
أما من يدعون أنهم عالمون ببواطن الأمور وما يدور فى الغرف المغلقة، فعليهم ألا يظهروا فى الأزمات لأنهم فى الحقيقة تحولوا دون أن يدركوا إلى أحد أدوات قوى الشر.
إن فيروس «كورونا» ليس مرعبا كما يحاول البعض تقديمه، ولكنها أزمة يجب أن يكون التعاطى معها على قدر الحدث والمسئولية، وبمجموعة من الإجراءات الوقائية الصحية، والالتزام بالإرشادات الصحية التى تقدمها وزارة الصحية والإجراءات، سنجنب أنفسنا ووطننا هذا الخطر، كما أن تدقيق المعلومات قبل تداولها يساهم بشكل كبير فى تلك المواجهة.
الأمر الثانى هو ملف سد النهضة والتطورات الأخيرة التى شهدها بعد توقيع مصر بالأحرف الأولى على الاتفاق الذى جرى فى واشنطن وسط غياب متعمد من إثيوبيا.
وعقب إعلان الخارجية المصرية فى بيان رسمى تفاصيل الموقف المصرى والرد على الموقف الإثيوبى وتفنيد المغالطات التى يطرحها بين الحين والآخر لكسب مزيد من الوقت، كان بيان الخارجية المصرية محددا وواضحا وكاشفا لرؤية الدولة المصرية فى التعامل مع أحد أهم ملفات الأمن القومى المصرى «الأمن المائى».
وللتاريخ علينا أن نرفع القبعة ونقدم تحية تقدير وإعزاز للرئيس عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية لنقل هذا الملف بالكامل من المجهول إلى الواقع بعد توقيع اتفاق المبادئ ذى البنود العشرة، والذى كان بمثابة نقطة البداية لاستعادة الحقوق المصرية التى كادت تضيع بالكامل فى مياه نهر النيل نظرا لما ألم بمصر من أحداث، والذى لولا اتفاق المبادئ لما كانت المباحثات الثلاثية برعاية الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولى. كما نثمن ونقدر الدور الذى قامت به الخارجية المصرية فى المباحثات الدبلوماسية وكذا وزارة الرى وفريق الفنيين وكذا رجال المخابرات العامة، لقد أدير الملف باحترافية للحفاظ على حقوق مصر المائية.
وعقب إعلان إثيوبيا عدم الحضور للاجتماع الأخير فى واشنطن حاولت قوى الشر استغلال التعنت غير المحسوب من جانب إثيوبيا، للدفع بالمشهد فى الشارع باتجاه معين، لكن مصر دولة كبيرة.. والدول الكبرى لا تتخذ قرارا إلا إذا كانت قادرة على تنفيذه، ولا تفرط قط فى حقوقها مهما كلفها ذلك من تضحيات، ولا يستطيع أحد أن يدفعها فى اتجاه لا ترغب فى أن تسلكه. كما أن مصر 30 يونيو عندما بدأت التحرك فى هذا الملف كان وفق مجموعة من الثوابت:
– لا تفريط فى حقوق مصر المائية، فالمياه لمصر حياة.
– لا ضرر ولا ضرار، ومن حق الدول أن تقوم بالتنمية من أجل رفع مستوى معيشة شعوبها ولكن ليس على حساب الشعوب الأخرى.
– جميع الخيارات مفتوحة للدولة المصرية لأن الحفاظ على الأمن القومى المصرى أمر حتمى.
– المسارات السياسية هى أفضل الطرق لحل الأزمات، والدولة المصرية ترفض تماما سياسة فرض الأمر الواقع.
إن الثقة فى رؤية وإدارة القيادة السياسية لملف سد النهضة هو الذى جعل الدولة تستطيع أن تصل إلى مرحلة مهمة فى إدارة الملف، وعلينا أن نقوى تلك الثقة خلال المرحلة المقبلة، نظرا لما ستشهده المنطقة من أحداث، وما تعيشه من تطورات.
إننى أعتقد أن ملف سد النهضة خلال الفترة المقبلة ستعمل قوى الشر على إشعاله، وإطلاق العديد من الشائعات بشأنه من أجل زعزعة الثقة القوية بين الشعب وقيادته السياسية، الأمر الذى يتطلب منا جميعا أن نكون أكثر وعيا وألا ننقاد خلف معلومات وأخبار مكذوبة وغير مدققة، وشائعات يحترف صانعوها تقديمها، وألا يدفع بنا السبق إلى السقوط فى فخ تدمير الدولة من الداخل.
إن قوى الشر تستهدف خلال المرحلة المقبلة زعزعة الثقة بين الشعب والقيادة، وذلك مع استعدادات الدولة المصرية لجنى ثمار ما زرعته على مدار 6 سنوات مضت، وإن أقوى الأسلحة فى مواجهة الشائعات هو تجاهلها، لقتلها فى المهد، وكذا تقديم الأخبار الصحيحة.