عاجل

مصر تنتصر

الحلوة

41

أعلم جيدا أن الأعمار بيد الله وحده، وأن لكل أجل كتابًا، وأن العمر مهما طال فله نهاية، وأن كلا منا حين تأتي محطته وموعده سيترك قطار الحياة ويرحل عن دنيانا. لكن أيضا هناك أناس حين يتركون الحياة فهم يخلفون وراءهم وحشة وفراغا لا يمكن لغيرهم أن يملأه أو أن الدنيا بغير وجودهم لن تصبح كما كانت، وأنه مهما طال بهم العمر فهو يمر كلمح البصر .
لم تكن حلوة الشاشة الفضية التي تركتنا ورحلت منذ أيام الفنانة الكبيرة نادية لطفي هي تلك النجمة الحسناء التي تجذب الكاميرا وتخطف الأضواء رغم اعتزالها منذ سنوات طويلة ولا هي صاحبة التاريخ الكبير والعلامات المضيئة في تاريخ السينما المصرية فحسب، لكن هذه الحلوة كان لشخصيتها جانب أكبر وأحلى من جمالها ومن فنها، جانب جعلها تحافظ على احترامها لنفسها ولتاريخها وقدرها.. فكانت شيئا هائلا يقترب ويتسلل بهدوء إلى النفس، ولا تجد مفرا من الانجذاب له والاقتراب من فلكه ثم تظل عباراتها التي نحتتها من التجارب والسنين ترن في الآذان ويرددها العقل لتعيش بها في القلوب .
حين تتحدث نادية لطفي عن أدوارها تكتشف أنها لم تندمج مع الشخصية فقط، لكنها تغلغلت في كيانها وشرايين جسدها، حتى أنها تتذكر العبارات والجمل، وتفسر سلوكها فتتحول عيونها بين لويزا وريري ومادي وزوبة وسهير وغيرها من الروائع .
هذه السيدة التي أحسبني سعيدة الحظ أني قد استطعت الاقتراب منها ولو لفترة محدودة، وأني سيئة الحظ لأني لم اقترب قبل ذلك – أعتقد أنني وكل من له حظ الاقترب منها تعلم ما لا يملكه الكثيرون غيرها، من شخصية ذكية ذكاءً حادا، لديها قدرة فائقة على فرز البشر وسبر غورهم، وعلى فهم النفس البشرية وتفسير سلوكها، وتحديد صفاتها ايجابا وسلبا . ناهيك عن تجارب الحياة الهائلة التي لا يشبهها فيها أحد ممن قابلتهم في حياتي !
منذ سن مبكرة حرصت نادية لطفي على أن تكون دائرة أصدقائها ممن هم أكبر منها سنا مثل الفنانة الكبيرة زينب صدقي والفنانة الكبيرة أمينة رزق وفؤاد باشا سراج الدين وغيرهم لكن ظلت علاقتها بزينب صدقي محل ذكرياتها وأحاديثها الحلوة الشيقة وذكرياتها اللا محدودة، فأضاف هذا لعمرها وتجاربها الكثير.
ربما لا يعلم الكثيرون أن السيدة الفاضلة انتصار السيسي قد حرصت لأكثر من مرة على زيارة الفنانة الكبيرة، بل وفاجأتها في عيد ميلادها الأخير منذ أسابيع قليلة بزيارتها في مستشفى المعادي للقوات المسلحة وكانت تورتة عيد الميلاد تزينها عدد من صور لأدوارها في السينما.. كما كانت دائمة السؤال عنها والاطمئنان عليها، وربما هذا يسعد جماهير الفنانة الراحلة أن الدولة لم تهتم بها على المستوى الرسمي فقط ولكن على المستوى الإنساني المتمثل في اهتمام حرم الرئيس، وأن الفنانة الكبيرة قد عاشت لحظات من السعادة والرضا لكل ما لاقته من عناية السيدة الأولى التي لا تعلن عن لمساتها الإنسانية الكثيرة .
نادية لطفي الإنسانة هي نموذج فريد للنجم الذي يسعد جماهيره ويخلق السعادة حوله إينما وجد، وربما لا يكون هو ذاته سعيدا.. وهي نموذج نادر لاحترام النفس والوطنية والذكاء والمحبة التي غمرت بهم كل من عرفها واقترب منها.. رحمها الله .