رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

مستقبل الثانوية الرقمية

339

الثلاثاء الماضي وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني والدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي والبحث العلمي لإعلان نتيجة الثانوية العامة لهذا العام، الدفعة الملقبة بدفعة (التابلت)، استعرض الدكتور طارق شوقي تحليلاً كاملًا للبيانات الخاصة بمجموع درجات الطلاب خلال السنوات الأخيرة، فى الثانوية العامة.

جاء حضور الدكتور خالد عبد الغفار لأول مرة فى تاريخ الثانوية العامة ليحضر المؤتمر الصحفي لإعلان النتائج، ليستعرض مؤشرات التنسيق لهذا العام ويقدم رسالة مهمة تعبر عن كيفية تعامل الدولة مع مخرجات التعليم ما قبل الجامعي.

عقب إعلان النتيجة تفاوتت ردود أفعال أولياء الأمور ما بين مؤيد للتجربة وهم أولياء أمور الطلاب الذين تحققت أحلامهم ووصلوا إلى ما كانوا يطمحون إليه، وآخرين معارضين لبرنامج تطوير التعليم حتى الآن وهؤلاء أيضًا انقسموا إلى قسمين الأول يرى أن التجربة لم تؤتِ ثمارها نظرًا لعدم توفيق أبنائهم فى الحصول على المجموع المرغوب فيه، والثاني يرى أن المشروع حاد عن الطريق الصحيح نظرًا لعدم توفيق أبنائهم.

دعوني هنا أتوقف عند عدة نقاط لنتحدث بموضوعية شديدة حول هذا البرنامج (البرنامج القومي لتطوير التعليم) كما أنني ولي أمر لطالب تم تطبيق هذا النموذج عليه، حتى لا يظن البعض أنني أتحدث بعيدًا عن الواقع الحقيقي الذي تعيشه الأسرة المصرية.

(1)

فى عام 2019 وخلال المؤتمر السادس للشباب أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي المشروع القومي لتطوير التعليم وتم إعلان عام 2019 عام التعليم.
وكعادة الرئيس دائمًا، وكاستراتيجية لدولة 30 يونيو وضعها منذ توليه المسؤولية أن يتم دراسة المشروع دراسة متعمقة مِهنِيًّا وَعِلْمِيًّا والبدء فى التنفيذ ولا يتم الإعلان إلا بعد تنفيذ خطوات على الأرض وقياس مدى نجاح المشروع.

وقد بدأ العمل على تطوير التعليم ودراسة مشروع التطوير قبل هذا الإعلان بثلاث سنوات عندما تم تدشين أولى لبنات مشروع تطوير التعليم بإطلاق منصة بنك المعرفة المصري عام 2016، والذي كان بمثابة حجر أساس لبناء جيل جديد أكثر فهمًا وقدرة على البحث العلمي؛ يستطيع أن ينتقل بمخرجات التعليم المصري إلى مرحلة مهمة – وهي التوافق مع احتياجات سوق العمل والقدرة على تطوير أدواته.

بدأ العمل فى مشروع تطوير التعليم بشكل متكامل مع تولي الدكتور طارق شوقي وزير التعليم مسؤولية وزارة التربية والتعليم.. وبطبيعة الحال، منذ توليه المسؤولية بدأ فى تنفيذ الاستراتيجية التي تم عرضها على الرئيس والتي اصطدمت بالتأكيد، فى بعض محاورها، مع أصحاب مصالح وبؤر فساد كانت تضرب بجذورها فى المنظومة، ووقوع البعض منا كأسر مصرية أسرى رفض التغيير حتى وإن كان الهدف هو مصلحة أبنائنا الطلاب.. فى ظل متغيرات كبيرة يشهدها العالم وخلال مرحلة يفقد فيها العالم العديد من الوظائف التقليدية مع التطور الرقمي وتظهر وظائف جديدة تحتاج مخرجات تعليمية مختلفة.

الأمر الذي استوجب مع تطوير التعليم ما قبل الجامعي العمل على تطوير التعليم الجامعي واستحداث تخصصات جديدة تتفق مع احتياجات سوق العمل لتشمل التكنولوجيا والفضاء والتنمية.

بدأت عملية تطوير البنية التحتية للمدارس لتتوافق مع المنظومة الجديدة، وكذلك تطوير المناهج التعليمية وتدريب المعلمين، ولكن كانت ثمة تحديات ما زالت تواجهها الدولة وما زالت تمثل عقبة أمام اكتمال المنظومة.

أولًا: اهتراء البنية التحتية التكنولوجية بالمدارس خاصة فى الأقاليم وبعض المناطق العشوائية، ومع إصرار الدولة على ضرورة الانتهاء من المنظومة استهدف العمل وضع أولويات (المدارس الثانوية والابتدائية) لأن الأولى كانت بداية تطبيق التجربة الجديدة، وهو المزج بين النظامين القديم والحديث بعد تسليم الطلاب (التابلت) للتواصل مع كافة القنوات المعرفية، والثانية لأن النظام الخاص بالتطوير شمل المرحلة ما قبل الابتدائي KG1 و KG2 والصف الأول والثاني والثالث الابتدائي.

واستطاعت الحكومة أن تنجح فى مواجهة التحدي.

ثانيًا: الكثافة الطلابية فى المدارس رغم قيام الحكومة بالتوسع فى إنشاء المدارس بمراحلها التعليمية المختلفة، فقد التهمت الزيادة السكانية هذا التوسع وظلت كثافة الفصول أحد أهم التحديات فتم التوسع فى المدارس (المصرية اليابانية، ومدارس المتفوقين).

ورغم إعلان الحكومة ممثلة فى وزارة التربية والتعليم عن استراتيجية تطوير التعليم وحديث الوزير المتكرر حول خطوات العمل بها، إلا أن البعض منا آثر أن يظل أسير التجارب السابقة رغم أننا كنا نصرخ – ليل نهار- من أكبر طاعون ضرب العملية التعليمية فى مصر (الدروس الخصوصية)، والذي كان يسلبنا سنويًا أكثر من 23 مليار جنيه تدخل جيوب بعض أباطرة هذا النشاط الذي يبتعد تمامًا عن القنوات الشرعية، ولم تفلح فى مقاومته مجموعات التقوية التي كانت فى المدارس.

(2)

بدأ إطلاق مشروع التابلت فى العام الدراسي 2018/2019 وتسلم 450 ألف طالب أجهزة التابلت، وكان الهدف، الانتقال بالعملية التعليمية فى ظل التطور التكنولوجي إلى تنمية المهارات البحثية لدى الطالب واستخدام التكنولوجيا فى تطوير التعليم.

وفجأة حاول أصحاب المصالح (مافيا الدروس الخصوصية وغيرهم من المستفيدين من المشروع القديم) وبدأت محاولات التأثير بالسلب على المشروع الجديد وتشويه الصورة، والبحث عن نقاط الضعف وتضخيمها، والحديث عن أن المشروع لا بد أن يبدأ من المرحلة ما قبل الابتدائية وليست المرحلة الثانوية.. لننتظر مخرجاته بعد 14 عامًا أو على أقل تقدير بعد 12 عامًا.

فى الوقت الذي وجدت الحكومة ضرورة مواجهة المشكلة والقضاء على كابوس الثانوية العامة الذي كان يدمر البيوت المصرية، بدأ العمل بالمشروع لتأتي أولى مخرجاته هذا العام، لتثبت بشكل عملي أننا أمام مشروع يحتاج منا جميعًا المساندة وتغيير فلسفة تعاملنا مع العملية التعليمية والتأكيد على ضرورة أن نخلق لدى أبنائنا روحًا جديدة تعتمد فى الأساس على الفهم والابتكار والإبداع، وليس الحفظ والتلقين.

جاءت نتيجة النجاح بنسبة 74% وتم التصحيح إليكترونيًا بعيدًا عن تدخل العامل البشري، مع توفير الوسائل التعليمية والقنوات المختلفة لتسهيل حصول الطالب على المواد العلمية.

كما عُقد أكثر من اختبار تجريبي ما بين اختبار لتجربة قدرة المنظومة على التحمل واختبارات نماذج الامتحانات ومدى قدرة الطلاب على استيعاب النماذج الجديدة.
إلا أن البعض منا ظل أسير الدروس الخصوصية بعيدًا عما قامت به الحكومة من تقديمه من خدمات تعليمية.
كما نجح بعض المدرسين فى الاستمرار فى سلبنا مزيدًا من الأموال تحت ضغط عدم وجود عملية تعليمية داخل المدارس خاصة لطلاب الثانوية العامة.

بل إن بعض المدارس كان المسؤولون بها هم من يقومون بمنع الطلاب من الحضور نظرًا لأن معظم المدرسين كانوا مشغولين فى مراكز الدروس الخصوصية “السناتر”.

أعتقد أن الأرقام التي عرضها الدكتور طارق شوقي وزير التعليم كانت دليلًا قاطعًا على أن المشروع القومي لتطوير التعليم يسير وفق خطوات علمية، ويتم العمل فيه باحترافية شديدة وتكامل تام مع منظومة التعليم الجامعي، وهو ما عرضه الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي.
لقد انخفض التنسيق عن العام الماضي بنسبة تقترب من 10%، لكن بمخرجات مختلفة وجيل أكثر قدرة على البحث، فمع تلك الدفعة لن نجد تعثر طلاب كليات القمة فى السنة الأولى، كما كان يحدث فى السابق.
بل إن معايير تقييم الطلاب كانت أكثر شفافية بعد أن انخفض عدد المصححين من 100 ألف إلى 400 مصحح ومدقق.

لم يحصل أي من طلاب الشعبة الأدبية على مجموع ٩٥% فأعلى، وبالنسبة للشعبة العلمية علوم ورياضيات حصل حوالي ٢٠ ألف و١٩٠ طالبًا على نسب تتراوح بين ٩٠% إلى ٩٥%، أما بالنسبة للعام الماضي فقد بلغ عدد الطلاب الحاصلين على ٩٥% حوالي ٩٠ ألف طالب، وفوق٩٠% حوالي ٩٠ ألف طالب، وفوق ٨٥% حوالي ٢٥٠ ألف طالب، أما هذا العام فقد حدثت طفرة فى المجاميع حيث حصل حوالي ٧٠ ألف طالب على نسبة ٨٥%.

والتقييم الصحيح يحدد بدقة الفرق فى مستوى الأداء بين الحاصلين على ٨٠% فأكثر، لذلك فإن ٦٥% و٧٠% يعد مجموعًا جيدًا.
جاءت نتائج التجربة صارمة لمن فضَّل أن يظل على النموذج البائد ولم يتفاعل مع النموذج الحديث، وكانت النتائج أفضل لمن حاول أن يجمع بين النموذجين.

إلا أن من تعامل مع التجربة الجديدة من الأسر والطلاب وفق خطواتها التي رسمتها الاستراتيجية وعرضتها وزارة التعليم كان التوفيق حليفه واستطاع أن يصل لما كان يطمح فى الوصول إلية.

إن تجربة الثانوية العامة هذا العام تحتاج منا جميعًا أن نتكاتف من أجل إنجاح برنامج تطوير التعليم، ونتحمل معًا بعض التحديات التي تواجهه للوصول إلى ما نستهدفه من عملية بناء إنسان أكثر وعيًا وقدرة على بناء وطن قوي.

ربما أسعدت التجربة البعض وآلمت آخرين، ولكن فى النهاية قد أنتجت جيلًا أكثر وعيًا.
إن القضاء على طاعون الدروس الخصوصية يحتاج إلى تكاتف الجميع، الحكومة، المواطن، السلطة التشريعية من أجل إنجاح العملية التعليمية.

على الحكومة ضبط أداء المدرسين فى المدارس ليقوموا بواجبهم التعليمي وفق منظومة رقابة حقيقية، وعلى أولياء الأمور أن يكونوا أكثر ثقة فى مشروع تطوير التعليم وحرص الدولة على بناء جيل أكثر إبداعًا.

وعلى السلطة التشريعية أن تكون أكثر إيجابية فى إقرار مشـــروعات القوانين التي تستهدف تطوير التعليم.

إننا أمام مشروع قومي يحتاج من الجميع أن يكون إيجابيًا وأن يثق أن ما تقوم به الدولة من أجل تطوير التعليم يستهدف بناء إنسان قادر على بناء حضارة كما فعل أسلافه من قبل.