رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

قرارات المركزي.. تصحح المسار

215

تعزيز المرونة.. والإسهام في استقرار سعر الصرف

استقبل الشارع المصري وفي القلب منه مصرفيون وخبراء اقتصاد بحالة من التفاؤل سلسلة القرارات الصادرة عن البنك المركزي مؤخرًا  والتي تستهدف صياغة الآليات اللازمة لمواجهة ما تفرضه الأزمة الاقتصادية العالمية  الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية من تحديات.

صفاء مصطفى

بدأت هذه القرارات التى وصفها خبراء بالعقلانية والرشيدة والتى تعتمد على الاحترافية والتخطيط الاستباقى بإعلان حسن عبدالله محافظ البنك المركزى خلال فعاليات «المؤتمر الاقتصادى مصر 2022»، أنه جار العمل على إصدار مؤشر للجنيه المصرى مقوما ببعض العملات لأهم الشركاء التجاريين والذهب، ومن ثم فك الارتباط بين العملة المصرية والدولار الأمريكى وتنفيذًا لتوصيات المؤتمر أصدرت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزى فى اجتماع استثنائى عقدته نهاية الأسبوع الماضى فى أعقاب المؤتمر قرارًا برفع سعر الفائدة 2%، على عائدى الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزى بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 13.25% و14.25% و13.75% على الترتيب كما تم رفع سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس إلى 13.75 %، وتتضمن هذه القرارات أيضا  الإلغاء التدريجى للتعليمات الصادرة بتاريخ 13 فبراير 2022 والخاصة باستخدام الاعتمادات المستندية فى عمليات تمويل الاستيراد حتى إتمام الإلغاء الكامل لها فى ديسمبر 2022، وقصر التعامل على مستندات التحصيل ويعد ذلك بمثابة حافز لدعم النشاط الاقتصادى على المدى المتوسط، كما سيعمل البنك المركزى على بناء وتطوير سوق المشتقات المالية بهدف تعميق سوق الصرف الأجنبى ورفع مستويات السيولة بالعملة الأجنبية.

وأكد مختصون أن هذه القرارات تكشف عن توجهات جديدة فى معالجة تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية تعتمد على  نظرة  استباقية تحليلية واعية تستشرف جسامة التحديات المستقبلية وتعمل على الاستعداد لمواجهتها، وتكشف عن رؤية استراتيجية جديدة وعميقة تستند إلى سياسات عقلانية رشيدة قادرة على اتخاذ القرارات الصائبة بالاعتماد على الدراسة الواعية لكافة العوامل والمتغيرات الداخلية والخارجية.

تعزيز الثقة

تعقيبًا على هذه القرارات أكد د. مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، فى تصريحات صحفية أن السياسات النقدية بإصدار هذه القرارات تلبى جزءا من توصيات المؤتمر الاقتصادى «مصر – 2022، كما أنها تعزز من الثقة فى الاقتصاد المصرى.

وفى سياق متصل، أشار إلى أن مصر توصلت إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولى، فى حزمة تهدف إلى دعم اقتصادها لمواجهة التحديات التى نتجت عن الأزمة الروسية الأوكرانية والتضخم.

وقال مدبولى فى مؤتمر صحفى، إن إجمالى قيمة التمويل الذى ستحصل عليه مصر يبلغ 9 مليارات دولار، والذى يشمل 3 مليارات دولار من صندوق النقد، ومليار دولار من صندوق الاستدامة والمرونة التابع لصندوق النقد الدولى، بالإضافة إلى 5 مليارات من دول شريكة ومؤسسات دولية أخرى.

رؤية البنك المركزي

أكد حسن عبدالله محافظ البنك المركزى  خلال فعاليات «المؤتمر الاقتصادى مصر 2022»، الذى نظمته الحكومة المصرية مؤخرًا بالعاصمة الإدارية، أنه جار العمل على عدة محاور لرفع مصداقية البنك المركزى فى السوق بالتنسيق الكامل والحوار المستمر مع كافة الهيئات الاقتصادية فى الدولة والقائمين على النشاط الاقتصادى فى القطاعين العام والخاص، مع الأخذ فى الاعتبار كافة التطورات على الساحة العالمية وتداعياتها الاقتصادية، ومن ثم التحديات الاقتصادية التى تواجه البنك المركزى المصرى انعكاسا للتحديات التى تواجه كافة البنوك المركزية نتيجة للتوترات السياسية والتى تؤكد المؤشرات استمراريتها خلال الفترة المقبلة.

تغيير الثقافة الخاطئة

 وأرجع حسن عبدالله أسباب عمل البنك المركزى على إصدار مؤشر جديد للجنيه المصرى يعتمد على إعادة تقييم العملة المصرية وفقا لعدد من العملات بجانب الذهب إلى العديد من العوامل المتعلقة بتطورات الأوضاع الاقتصادية على الساحة العالمية وانعكاساتها على الاقتصاد المصرى، والعوامل  المتعلقة  بالثقافة، مشيرًا إلى أن من أهم هذه العوامل هو أن مصر ليست دولة نفطية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست شريكًا تجاريًا رئيسيًا للدولة المصرية، مما لا  يستوجب الربط بين الجنيه والدولار، ولذا فإن إعادة تقييم الجنيه وفقا لعملات أخرى بجانب الذهب بناء على عدة قواعد ومعايير تأخذ فى الاعتبار الشركاء التجاريين الرئيسيين والتحديات العالمية التى تواجه البنوك المركزية، يسهم فى تصحيح الثقافة    الخاطئة السائدة فى المجتمع المصرى بربط الجنيه بالدولار.

معركة التضخم

وفى سياق متصل، أكد محافظ البنك المركزى، أن هذه الخطوة تأتى بالتوازى مع مساعى البنك المركزى لخفض معدلات التضخم، وأنه سيتم الإعلان عن مستهدفات التضخم خلال السنوات القادمة قبل نهاية العام الجاري، مؤكدًا أن السيطرة على معدلات التضخم تعد المهمة الأساسية للبنك المركزى.

وأضاف عبد الله أن المركزى يحرص على الاستماع للقطاع الخاص لضمان سرعة حركة الإنتاج، والتعرف عن قرب على معوقات الإنتاج والعمل على مواجهتها بكافة الوسائل الممكنة مع الالتزام باستقلالية قرار السياسة النقدية مع وجود تنسيق كامل مع كافة  السياسات الاقتصادية الأخرى.

إجراءات إصلاحية

ومن منطلق هذه الرؤية أصدر البنك المركزى، بيانًا، فى أعقاب الاجتماع الأخير الاستثنائى الذى عقدته لجنة السياسة النقدية نهاية الأسبوع الماضى أعلن فيه أن هذه القرارات تأتى فى ضوء إجراءات إصلاحية تستهدف ضمان استقرار الاقتصاد الكلى وتحقيق نمو اقتصادى مستدام وشامل.

المردود السلبى

وقال المركزى فى بيانه: «إن الاقتصاد العالمى واجه العديد من الصدمات والتحديات التى لم يشهد مثلها منذ سنوات، حيث تعرضت الأسواق العالمية فى الآونة الأخيرة لانتشار جائحة كورونا وسياسات الإغلاق، ثم استتبعها الصراع الروسى الأوكراني، والذى كان له تداعيات اقتصادية وخيمة، وتسبب ذلك فى الضغط على الاقتصاد المصرى، حيث واجه تخارجًا لرؤوس أموال المستثمرين الأجانب فضلا عن ارتفاع فى أسعار السلع. وفى ضوء ما سبق، تم اتخاذ إجراءات إصلاحية لضمان استقرار الاقتصاد الكلى وتحقيق نمو اقتصادى مستدام وشامل».

وتابع البنك المركزي: «أنه تحقيقًا لذلك سيعكس سعر الصرف قيمة الجنيه المصرى مقابل العملات الأجنبية الأخرى بواسطة قوى العرض والطلب فى إطار نظام سعر صرف مرن، مع إعطاء الأولوية للهدف الأساسى للبنك المركزى والمتمثل فى تحقيق استقرار الأسعار، وبالتالي، سيمكن ذلك البنك المركزى المصرى من العمل على تكوين والحفاظ على مستويات كافية من الاحتياطيات الدولية».

سياسات عقلانية رشيدة

ومن جانبها، أشادت د. يمن الحماقى أستاذ الاقتصاد جامعة عين شمس بقرارات البنك المركزي، مؤكدة أنها تعكس سياسات عقلانية رشيدة تصحح المسارات وتضع الاقتصاد المصرى على الطريق الصحيح للخروج من تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية التى تفرضها التوترات السياسية والحرب الروسية الأوكرانية.

المرونة والتنافسية

شددت د. يمن الحماقى على أن قرار البنك المركزى بإلغاء العمل بالاعتمادات المستندية والعودة إلى سندات التحصيل يتيح المرونة اللازمة فى التعاملات المالية بين المورد الخارجى والمصنع الداخلى، حيث تتيح للمصنع الداخلى «المستورد» الحصول على مدخلات الإنتاج بأسعار تنافسية تمكنه من الاستفادة من فارق العملة الأجنبية فى توفير مستلزمات أخرى لعملية الإنتاج، ويأتى ذلك علاوة على تسهيلات كبيرة فى عملية السداد للمصدرين بالخارج حيث تتيح الفرص للمستورد المصرى للإنتاج والبيع ومن ثم السداد وأيضًا تتيح توفير تصدير السلع التى يتم تصديرها وتعتمد على مدخلات إنتاج مستوردة مما ينعكس إيجابيًا على حركة الصادرات.

مرونة القطاع المصرفي

أكد د. أحمد شوقى الخبير المصرفى أن هذه القرارات مهمة وتؤكد مرونة القطاع  المصرفى وقدرته على مواكبة المتغيرات ولديه القدرة لصياغة آليات جديدة تعزز من قدرات الاقتصاد المصرى.

وأوضح أن استحداث مؤشر جديد يستهدف إعادة تقييم الجنيه المصرى بسلة عملات دولية علاوة على الذهب وعدد من السلع الدولى يسهم فى تعزيز قيمة الجنيه المصرى أمام العملات الدولية وزيادة مستوى المرونة والفاعلية فى التعامل مع المتغيرات العالمية.

وشدد على أن صعود الجنيه المصرى أمام عدد من العملات الدولية منها اليورو والجنيه الإسترلينى والين اليابانى، وذلك رغم الانخفاض أمام الدولار والذى يرجع إلى الضغط على الدولار وتداعيات سياسات الفيدرالى الأمريكى برفع أسعار الفائدة على الأسواق الناشئة، يؤكد أهمية المؤشر الجديد الذى أعلن عنه محافظ البنك المركزى.

وفيما يتعلق برفع أسعار الفائدة أكد أن هذا القرار ضرورى لحماية الاستثمارات  الأجنبية فى السوق المصرية من تداعيات الرفع المقبل لأسعار الفائدة من جانب البنك الفيدرالى الأمريكى خلال الأيام المقبلة.

خفض تكلفة الإنتاج

وفيما يتعلق بقرار المركزى بإلغاء العمل بالمعتمدات المستندية والعودة إلى العمل بمستندات التحصيل أكد أن هذا القرار يتيح مرونة فى عمليات الاستيراد مما يسهم فى سهولة الحصول على مدخلات الإنتاج، مما ينعكس إيجابيا على توجه الدولة نحو زيادة الإنتاج المحلى لمواجهة الارتفاعات المتتالية فى أسعار السلع المستوردة مما يؤدى إلى زيادة الأسعار فى السوق المحلية، ومن هذا المنطلق أكد أن السياسات الجديدة التى أعلن عنها محافظ البنك المركزى تعزز من فرص تخفيض تكلفة الإنتاج وتعزز من قدرة الدولة فى السيطرة على معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة.

توجه إيجابى وتحرك قوى

ومن جانبه، أشاد د. مدحت نافع، أستاذ التمويل والاستثمار بقرارات المركزى برفع سعر الفائدة 2%، وإلغاء الاعتمادات المستندية مؤكدًا أنها تحرك قوى وضرورى لمواجهة تحديات المرحلة الراهنة، كما أنها  داعمة لتوصيات المؤتمر الاقتصادى التى تستهدف تحريك النشاط الاقتصادى والبدء فى خطوات الإصلاح فور انتهاء أعمال المؤتمر.

وفى ذات السياق، أشاد بالرؤية الجديدة  التى أعلن عنها البنك المركزى والتى جاء بمقتضاها  التوجه نحو فك ارتباط العملة المصرية بالدولار، واصفًا جهود البنك المركزى للعمل على استحداث مؤشر جديد للجنيه يعتمد فى تقييماته على عدد من العملات الدولية والذهب،  ويستهدف تحرير الجنيه المصرى من الارتباط بالدولار بالتوجه الإيجابى  لمواجهة التحديات الجسيمة التى يواجهها البنك المركزى المصرى والتى تأتى انعكاسا للتأثيرات السلبية التى تواجهها الأسواق الناشئة والاقتصادات المتقدمة على حد سواء على خلفية تطورات الأحداث العالمية.

حجم الشراكة

ولفت أستاذ التمويل إلى أن ربط العملة المحلية بأخرى أجنبية يستلزم وجود شراكة كبرى بين الدولتين من أجل ربط عملتى الدولتين، مشيرًا من هذا المنطلق  إلى أنه بمقتضى المؤشر الجديد يكون ارتباط الجنيه المصرى بأى عملة محكومًا بالدرجة الأولى وبشكل أساسى بوجود حجم كبير من الشراكة التجارية بين البلدين مما يمكن من ربط العملة المحلية بالأخرى الأجنبية مع الدولة التى بينها وبين مصر شراكات كبيرة.

زيادة معدلات المرونة والواقعية

ومن جانبه، أكد عماد الدين حسين عضو مجلس أمناء الحوار الوطنى وعضو مجلس الشيوخ أن إطلاق البنك المركزى لآلية جديدة لربط الجنيه بسلة عملات بجانب الذهب يلبى الدعوات التى أطلقها العديد من خبراء الاقتصاد إلى ضرورة فك الارتباط بين العملة المصرية والدولار، مشددًا على أن هذه الخطوة تجعل الجنيه أكثر مرونة وواقعية فى السوق وهو ما يسهم فى حل جزء من أزمة الجنيه المصرى فى مواجهة الأزمات الاقتصادية المصاحبة للحرب الروسية الأوكرانية والتوترات السياسية والاقتصادية.