عاجل

“نصر جديد”

68

خلال الاحتفال بافتتاح محور روض الفرج وكوبرى «تحيا مصر» الملجم أعلى النيل في ذكرى نصر العاشر من رمضان، تجمعت في رأسي أحداث عديدة لمعارك غير تقليدية، خاضتها مصر خلال السنوات الثمانية الماضية وانتصرت فيها.

فما تم من إنجاز تحقق على أرض مصر وسط منطقة تموج بالأحداث، وتنتظر أحداث أكثر قسوة، تجد مصر تنتصر في معركتها، فتبنى وتعمر، وتحدث ترسانتها العسكرية، وتعود بقوة إلى قارتها الذهبية، وتسترد مكانتها الدولية التي تليق بها.

إن ما تحقق هو نصر جديد يضاف لانتصارات تحققت خلال السنوات الخمس الماضية، فكيف استطاعت مصر أن تخرج من هذا النفق المظلم الذي كان يعد لها باحترافية شديدة؟ وكيف حققت القيادة في فترة تولى المجلس العسكرى إدارة شئون البلاد الحيلولة دون القذف بمصر في اتون التقسيم والتشرزم؟
لقد استطاع الشعب أن يدرك حجم المؤامرة سريعا، ويستعيد وعيه، وأدرك أهمية الحفاظ على وطنه والالتفاف حول قواته المسلحة، فى وجه أى محاولة للنيل منها، مُطلقًا شعار (الجيش والشعب أيد واحدة).

المعركة لم تكن تقليدية مثل بقية المعارك؛ فمسرح العمليات مختلف؛ والأدوات والأسلحة لها مواصفات غير تقليدية، وخطة التحرك التى رسمت لم تكن واحدة بل كانت لها عدة بدائل.

الهدف المحدد لها كان إسقاط الدول الوطنية، وتقسيمها وخلق حالة من الفوضى من أجل استمرار السيطرة عليها.

(1)

بدأت المعركة فى 20 مارس 2003 أى قبل 16 عامًا، وليس كما يظن البعض عندما بدأت أحداث ما سُمىِّ بالربيع العربى فى 2011.
تم الإعداد للوصول إلى الهدف (تدمير العراق) من خلال تقرير عرضه وزير الخارجية الأمريكى كولن باول عن رصد بلاده من خلال صور الأقمار الصناعية لعدد من شحنات أسلحة الدمار الشامل لدى النظام العراقى.

وعرض الوزير الأمريكى الصور والتقرير الذى أعدته مخابرات بلاده بالتعاون مع نظيرتها البريطانية على مجلس الأمن لاستصدار قرار يسمح لبلاده وعدد من قوى التحالف لضرب العراق.

أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1441 الذى دعى إلى عودة لجان التفتيش عن الأسلحة إلى العراق وفى حالة رفض العراق التعاون مع هذه اللجان فإنها ستتحمل «عواقب وخيمة». لم يذكر كلمة استعمال القوة فى القرار وعندما وافق عليه مجلس الأمن بالإجماع لم يكن فى تصور الدول المصوتة أن العواقب الوخيمة كانت محاولة دبلوماسية من الولايات المتحدة لتشريع الحملة العسكرية.

الصور لم تكن حقيقية واعتذر عنها كولن بول بعد ذلك؛ ولكن لم يحدث (الاعتذار) إلا بعد أن كانت بلاده قد وصلت الى ما تصبو إليه، وبعد ثلاثة أشهر تقريبًا وبالتحديد فى مايو من نفس العام أعلن سقوط بغداد وسقط معها نظام صدام حسين، وسقطت معه العراق فى مستنقع الانقسامات وتغلب فصيل على الآخر.
وباتت العراق ساحة للصراع الطائفى وحرصت ايران على التمدد داخله من خلال أنصارها.

حاولت الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت وحتى 2011 أن تصنع نموذجا جديدا لدول المنطقة، وأن تدفع تلك الدول باتجاه التقسيم الطائفى أو العرقى أو المذهبى، ولكن كافة المحاولات باءت بالفشل فكان السيناريو الجديدة الذى استخدم أسلحة أكثر تأثيرًا وفتكًا فى ظل وجود أرض تم تمهيدها باتقان وحرفية عالية «تزييف الوعى».

(2)

بدأت المرحلة الثانية من المعركة بأسلوب مختلف وأدوات غير تقليدية فى ظل حرب غير نمطية أعدت كوادرها لتستطيع صنع سيناريوهات جديدة للوصول للهدف وفق المتغيرات على الأرض.

على مدى أكثر من عقدين كانت قد تملا فيهما تجريف الوعى والتأثير على الثقافة ونشر ثقافة مختلفة تعتمد فى الأساس على المعارضة من أجل المعارضة، وليست المعارضة التى تستهدف البناء.

عملت منظمات المجتمع المدنى والمؤسسات الثقافية وبعض المراكز البحثية على صياغة مجموعة من المفاهيم والمصطلحات والعبارات التى كانت أشبه بـ«أكلاشية» يتناقل بين الأفراد كمفردات لغوية حتى يمكن استخدامها للوصول للهدف.
تم تدريب البعض من تلك العناصر خارج البلاد لصناعة معارضة معلبة تنفذ ما يملى عليها وفق متطلبات المرحلة.

فى الوقت ذاته كانت الولايات المتحدة تحرص على أن تقدم للأنظمة رسالة مفادها، نحن معكم دائمًا ولن نتخلى عنكم، ولن نقبل المساس بكم، فى الوقت الذى أصابت الأنظمة حالة من الترهل، وتوقف بناء الدول واقتصر الأمر على توفير الاحتياجات الضرورية.
وانهكت الديون الخارجية بعض الدول، فى الوقت ذاته أسرفت دول أخرى مما تمتلك وفرة فى الموارد فى الإنفاق بعيدا عن طريق بناء الدول.
تم اختبار السلاح الجديد (المعلومات) مع عناصر المعارضة المعدة خصيصًا للمعركة الجديدة (معركة تغيير شكل وخريطة المنطقة)، وتم تحديد الوجهة الجديدة (مصر، سوريا، ليبيا، تونس) ثم بعد ذلك كانت اليمن التى سرعان ما أخرجت من المخطط لبعض الوقت، خاصة فى ظل تقديم على عبد الله صالح لفروض الولاء والطاعة وإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية ببلاده – ثم عادت اليمن لتدخل معركة تدمير الدول الوطنية.
أعدت عناصر تنظيم الإخوان الإرهابى فى مصر وعناصر ما سمى فى ذلك الوقت بحركة «كفاية» و«6 أبريل» لكيفية التأثير على الرأى العام.
واحتاجت التجربة إلى مزيد من التحرك لأن الهدف ثمين، ويحتاج الى مجهود أكبر؛ فإسقاط الدولة المصرية هو بمثابة سقوط الوطن العربى بالكامل.
فى نهاية تلك المرحلة تم تنفيذ تجربتين أثرت فيهما السوشيال ميديا بشكل احترافى، بعد إعداد الكوادر لذلك، وكانت المرحلة الأولى فى انتخابات البرلمان عام 2005 التى حصد فيها التنظيم الإرهابى 88 مقعدًا.
وبدأ الإعداد لمرحلة جديدة وتحت مسمى حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدنى وتم تجربة أسلوب المعركة الجديد عندما أُعلن عن تنظيم إضراب عام فى المحلة الكبرى 2008، ثم سرعان ما تم تجهيز مسرح عمليات المعركة الجديدة التى استهدفت الوعى والتضليل وتزييف العقول.
وفى 2010 أطلق الناشط المصرى الأمريكى «وائل غنيم» صفحة تحت اسم (كلنا خالد سعيد) لتكون بمثابة الإشارة لبدء تغيير معالم المنطقة وبالتزامن مع تلك الصفحة أطلقت كوادر الكتائب الالكترونية فى كل من سوريا وتونس مجموعة من التقارير الخاصة بالمنظمة الأمريكية هيومن رايتس ووتش التى كتبت تقريرا بعنوان «العقد الضائع» حول الوضع فى سوريا عام 2010.

(3)

انطلقت المرحلة الثالثة بثورة تونس التى أشعلها مشهد احتراق الشاب (محمد البوعزيزى) الذى تلقفته مواقع التواصل الاجتماعى كما تلقفت قضية خالد سعيد والتى مازالت فيها حقائق كثيرة لم تنشر، والتى كانت بمثابة القضية النموذج لتضليل الرأى العام وتزييف الوعى، سرعان ما انتقلت الشرارة إلى مصر التى كانت الهدف الأساسى للمشروع (تقسيم المنطقة).
شهدت مصر حراكا شعبيا فى 25 يناير 2011 وكان الهدف من اختيار اليوم طمس المناسبات الوطنية، ولم يشارك فى ذلك الحراك التنظيم الإرهابى خلال أيامه الأولى بل ظل يراقب عن بعد.
وفى اليوم الثالث قفزت الجماعة الإرهابية للمشهد بحثا عن المكاسب وبترتيب مسبق مع الإدارة الأمريكية، هنا دخلت مصر المعركة الجديدة، التى غفلت عن عمليات التمهيد النيرانى والتخطيط المُسبق من قبل قوى الشر لهذا الأمر.

فى الوقت ذاته تسارعت الأحداث فى مصر وسال لعاب الجماعة الإرهابية وكبر لديهم الحلم وظنوا أنهم قابضون لا محالة على زمام الأمر فى الدولة المصرية مثلما حدث فى تونس (بعد هروب الرئيس التونسى الأسبق زين العابدين بن على وأسرته، فى الوقت ذاته تصدرت الجماعة الإرهابية وحزبها «حركة النهضة التونسية» المشهد بعد اعتراف حكومة محمد الغنوشى بها)، فدفعوا بعناصرهم كأحد أدوات المعركة لإحداث أزمات فى مواجهة المجلس العسكرى الذى كان يدير شئون البلاد فى ذلك الوقت، وحاولت الولايات المتحدة الأمريكية استغلال الأوضاع الداخلية من أزمات كان التنظيم الإرهابى أحد أدواتها الأساسية؛ من أجل الدفع بمصر ناحية السماح لواشنطن بأن يكون لها موطئ قدم.

فكان الرد حاسمًا: الدولة المصرية لن تسقط طالما أن لها جيش أقسم على أن يحمى أمنها القومى وترابها الوطنى.
وجاءت رسالة البحرية المصرية والقوات الجوية واضحة (المياه الإقليمية المصرية خط أحمر) من يقترب يحترق.. وفشل مخطط تركيع الدولة، ونجح المجلس العسكرى فى العبور بمصر إلى بر الأمان رغم الأزمات التى كانت تحاك من أجل إضعافه.

(4)

قفزت الجماعة الإرهابية إلى السلطة ولكنه كان قفز إلى الهاوية، فسرعان ما كُشِفَ زيف وكذب التنظيم الإرهابي، فخرج الشعب فى 30 يونيو معلنا رفضه للتنظيم الإرهابى، لتبدأ مصر مواجهة معركة جديدة أشد ضراوة، خاصة أن المنطقة من حولها خلال السنوات الثلاث (2011 وحتى 2013) قد شهدت متغيرات كثيرة فسقطت الدولة الوطنية فى ليبيا لتتجه نحو المجهول بعد أن ترك فيها حلف الناتو أكبر ترسانة أسلحة حصلت عليها التنظيمات الإرهابية ودمُرت سوريا، وكذا اليمن دخلت فى حرب لم تنته وبات المشهد أكثر تعقيدًا، ولكن الوضع فى مصر كان مختلفًا.. فالقيادة السياسية استطاعت استشراف المستقبل وقرأت الواقع قراءة صحيحة، وراقبت بدقة كل ما حدث، وكشفت كافة تفاصيل المخطط الذى يستهدف الدولة والمنطقة.
تم وضع خطة جديدة خاصة فى ظل حدوث متغيرات فى المشهد، واستخدام قوى الشر للعناصر الإرهابية للنيل من استقرار الدولة.

وبدأ التحرك عقب ثورة يونيو 2013 بتفويض الشعب للجيش فى التصدى للإرهاب، وهنا عوت كلاب التنظيم الإرهابى وكتائبة وأدواته الإعلامية محاولة التشكيك فى نوايا القيادة المصرية، ولكن قراءة المشهد مبكرا جنبت مصر الكثير من المخاطر؛ منها التصدى بقوة لإرهاب تنظيم الإخوان ومعاونيه من التنظيمات الإرهابية الأخرى، وحرص الرئيس السيسى على تحديث كافة أسلحة القوات المسلحة (البحرية، الجوية، الدفاع الجوى، البرية) فارتفع تصنيف الجيش المصرى إلى المرتبة العاشرة، وبالتزامن مع ذلك بدأت حركة البناء والتعمير على كافة المحاور والقطاعات المختلفة فحققت فى 5 سنوات ما لم يتحقق فى 50 عاما، وانتصرت مصر من جديد ففى الوقت الذى تشهد المنطقة حالة من التوتر تشهد مصر حالة من الاستقرار، ونجحت المشروعات الكبرى بل ودخلت موسوعة الأرقام القياسية، فكان كوبرى النيل (تحيا مصر) أعرض كوبرى ملجم فى العالم على مجرى مائى.. لتبنى مصر وتتقدم وسط منطقة تسقط فيها دول وتنهار، وتنتصر مصر وتعبر من جديد إلى سيناء بمجموعة أنفاق قناة السويس، كما عبرت فى 73 لتعبر فى 2019 إلى آفاق جديدة من البناء والاستقرار والتنمية.