مصر تنتصر

مخطط تفكيك الدول (5) التجهيز للفوضى في المنطقة العربية

40

خلال الحلقات الماضية استعرضنا في تلك المساحة الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية لتغيير استراتيجيتها الكبرى للاستحواذ والسيطرة لتنفيذ سياسة القطب الواحد، وكيف استخدمت أدواتها من الثقافة والإعلام للسيطرة على العالم وفرض أجندتها الثقافية، ودور قسم الأنشطة الخاصة في وكالة المخابرات الأمريكية في اختيار العناصر المسئولة عن تنفيذ الرؤية الأمريكية للمنطقة.
كما استعرضنا دور منظمات المجتمع المدني في تدريب العناصر والكوادر، لنقل المعركة إلى منطقة الشرق الأوسط، هنا قد يتساءل البعض: لماذا منطقة الشرق الأوسط بالتحديد وما أهميتها لكي توجه لها الإدارة الأمريكية وأجهزة مخابرات عدد من حلفائها وعلى رأسها إسرائيل، كل تلك المخططات؟

للإجابة عن هذا التساؤل لا بد أن نعرف أولًا أن استهداف المنطقة العربية لم يحدث خلال السنوات العشر الأخيرة ولكنه بدء عقب حرب أكتوبر 1973 والتى غيرت من استراتيجيات الدول الكبرى فى تعاملها مع المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، لذا كان مخطط التقسيم أحد الحلول الفاعلة لتنفيذ عملية تفتيت القوى العربية التى ظهرت خلال حرب أكتوبر وباتت تشكل تهديدًا فى مواجهة اسرائيل.
بحسب الاتفاقية التى أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل فى التعاون الأمنى والعسكرى كان لابد من تفكيك دول المنطقة لصالح إسرائيل، من هنا جاءت عملية استهداف منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية بشكل خاص، وامتدت مراحل العمل كما استعرضناها فى الحلقات السابقة إلى أن وصلت لما بعد سقوط العراق والذى كان تجربة لأول عملية إسقاط دولة من دول المنطقة على يد الإعلام.

 

عملت أكاديمية التغيير على تدريب العناصر بداية من عام 2006 فى عواصم مختلفة (لندن، فينا، الدوحة)، كما عمل بيت الحرية والمعهدان الديمقراطى والجمهورى على استقطاب العناصر، وعقب الوثيقة التى تم إطلاقها عام 2006 (مشروع مستقبل التغيير فى العالم العربى) تم تحديد طريق التحرك والاستهداف وفق خارطة طريق تسير على محورين: أولهما اختيار العناصر من خلال الأكاديمية (أكاديمية التغيير) ومنظمات المجتمع المدنى والمراكز البحثية، فتم اختيار (إعلاميين وصحفيين وباحثين، وأساتذة جامعيين وخريجين، وشباب من الدارسين فى المرحلة الجامعية) وفق ضوابط وشروط وضعها قسم الأنشطة الخاصة فى المخابرات الأمريكية من خلال متابعة الشخصيات وحجم تأثيرهم فى الشباب بشكل خاص).

على الجانب الآخر تم التواصل مع الجماعات الدينية حسب توصية تقدمت بها المخابرات البريطانية عام 2005 تؤكد فيها أن الجماعات الدينية سيكون لها بالغ الأثر فى عملية تفكيك الدول فى ظل حالة المظلومية التى اكتسبتها فى بعض الدول ونجاح تنظيم الإخوان الإرهابى فى تسويق تلك الحالة داخليًا وخارجيًا، وهو ما جعله أكثر قدرة على جذب عناصر جديدة؛ وبعد إطلاق كونداليزا رايس مصطلح الفوضى الخلاقة قبل ترك منصبها فى وزارة الخارجية الأمريكية بدأت العناصر التى تم تدريبها خلال أعوام (2007 – 2009) ترويج المصطلح ولكن بشكل مختلف تحت مسمى الديمقراطية (خضع حوالى 47 ألف مصرى لبرامج تدريبية عن الديمقراطية بمفهومها الأمريكى، وفى عام 2008 وصل العدد إلى 150 ألف مصرى – دراسة للباحثة من مركز «بيترسبورغ» «ناتاليا تسفيتكوفا») – وفق بعض الوثائق المسربة التى نشرها موقع ويكيليكس، كشفت وثيقة تحمل رقم 432 بتاريخ 1 يوليو 2009 عن اللقاء الذى استغرق 50 دقيقة بين الشيخ حمد بن جاسم وقناة «الجزيرة»، والذى أسهب فيه بن جاسم عن السياسة الخارجية القطرية، وذكرت الوثيقة إن «وزير الخارجية القطرى الشيخ جاسم وعدد من المسئولين الإسرائيليين والأمريكيين أكدوا أنه بمجرد خروج المصريين إلى الشارع فإنه سيكلف قناة الجزيرة ببث كل ما يساعد فى استذكاء نار الفتنة فى الشارع، ليس فقط بين المصريين والنظام ولكن بين المصريين بعضهم البعض.

«كما كشفت وثائق أخرى سربها موقع ويكيليكس أن حمد بن جاسم بن جبر آل ثانى أبلغ إسرائيل أن الدوحة تتبنى خطة لضرب استقرار مصر بعنف وأن قناة «الجزيرة» ستلعب الدور المحورى لتنفيذ هذه الخطة وذكرت الوثائق أن لقاءً سريًا جمع بين بن جاسم ومسئول «إسرائيلى» كبير أبلغه فيه نيته تلك ووصف مصر بـ «الطبيب الذى لديه مريض واحد» ويجب أن يستمر مرضه، وأكد أن المريض الذى لدى مصر هو القضية الفلسطينية.
كما كشفت برقية سرية أخرى نشرها موقع ويكيليكس أن مندوب وزارة الخارجية «الإسرائيلية» لشئون الشرق الأوسط ياكوف حاداس علل العلاقات السرية التى تقوم بها قطر مع «إسرائيل» لاعتقاد الدوحة بأن تل أبيب لها تأثير على واشنطن، ومع بداية عام 2010 وخلال محاضرات ما عرف بحرب اللاعنف التى كانت تعدها أكاديمية التغيير أحد أدوات المؤامرة لتدمير المنطقة بدأت ورش العمل لتحديد موعد إطلاق موجة التوترات فى المنطقة العربية وما أطلقت عليه قناة الجزيرة (الربيع العربي) أو رياح التغيير.
تم تحديد العناصر التى تدربت على استخدام السلاح لتكون فى المقدمة لمواجهة عناصر الأمن واستفزازهم لتقودهم إلى حالة من الصدام مع المتظاهرين، فى الوقت ذاته تقوم عناصر الإعلام من قناة الجزيرة التى كانت قد حجزت تردد جديد على النيل سات لإطلاق قناة فضائية جديدة لم تعلن عن اسمها ولكنها انتظرت نتائج الأحداث على الأرض؛ تم التخطيط لانطلاق شرارة رياح التغيير مع تزايد حالات الضغط فى الشارع عقب الانتخابات البرلمانية فى مصر 2010، وكانت شرارة البدء من تونس حيث تم اختيار حالة إنسانية تم تسويقها بقوة شديدة لخلق حالة من التعاطف الشعبى عقب قيام محمد البوعزيزى بإحراق نفسه فى 17 ديسمبر 2010 ليكون بمثابة أيقونة للثورة التونسية، تحركت كتائب جمع العناصر عقب الحادث مباشرة لاستهداف الأجهزة الأمنية وتشويه صورتها.
خلال اجتماع بالدوحة فى إبريل عام 2010 تم تحديد خطوات التحرك والاتفاق على الإعداد بإحكام لاختيار عناصر الانطلاق، ليكون الهدف رقم واحد هو الأجهزة الأمنية وكان الشعار المرفوع فى ذلك الوقت وتردده فى مصر عناصر حركة 6 إبريل وجماعة الإخوان وبعض العناصر الموالية (الداخلية بلطجية).

تمثلت الخطوة الثانية فى أن تكون أيقونة الثورة أو رمزها شخصية يسهل نسيانها أو تحطيمها بسهولة مثل «خالد سعيد» (هناك ملف كامل لدى جهات التحقيق يثبت أن خالد سعيد كان مدمن مخدرات وتم إنهاء خدمته العسكرية بسبب تعاطيه المخدرات)، وجاءت الخطوة الثالثة تركز على استهداف مؤسسات الدولة فى كافة البلدان فى العملية التى كانت الجيوش الخفية صاحبة اليد الطولى فيها حيث لم يكن الأمر عشوائيًا ولكنه الطريق المتبع لنشر الفوضى والباب الرئيسى لاستهداف المؤسسات الوطنية.

تمثلت الخطوة الرابعة فى اختيار التوقيت المناسب لطمس معالم الاحداث الوطنية التى تعد بمثابة نقاط القوة فى تاريخ الدول فتم اختيار يوم 25 يناير، وكانت عناصر تلك الكتائب تتبادل جملة فيما بينها قبل الثورة لم يفطن إليها البعض ولكنها كانت بمثابة كلمة السر للتحرك فكانت الشفرة (يوم عيد أم الشرطة) كانت عناصر جماعة الإخوان قد تدربت على كيفية مواجهة حجب المواقع واكتسبت من تلك العملية التى تقوم بها الأجهزة الأمنية أن تحصل على مزيد من المؤيدين، فى الوقت ذاته كانت هناك فى مصر نيران قد تم إضرامها بالتعاون بين المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية، فقد بدأ قسم الأنشطة الخاصة (شعبة العمل السياسى) فى تحريك عناصره فى مصر فى منتصف عام 2010، فأطلق وائل غنيم صفحة «كلنا خالد سعيد» والتى عملت الكتائب الإلكترونية للجماعة الإرهابية على ترويجها.

بدأت عملية نشر الفيديوهات والصور التى تم عمل مونتاج لها بحرفية شديدة، كما كانت صور وفيديوهات المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين بعد عمل المونتاج لها سواء فى الجامعات أو المحلة هى الأكثر انتشارًا. استغلت العناصر حالة التوتر التى أصابت العلاقة بين الشرطة والشعب، وكان الخارجين عن القانون أحد نقاط الاستهداف من جانب واضعى خطة التحرك لإشعال الفوضى وانهيار الدول من الداخل، حيث تقوم تلك العناصر بعد التأثير عليها بإحراق المؤسسات الوطنية وتدميرها لتصبح للفوضى الكلمة العليا لتخلق حالة من اللادولة.

بنهاية عام 2010 وبداية عام 2011 كانت العناصر قد اكتسبت أرضًا، وتحركت الكتائب واستطاعت اصطياد فرائسها من المؤيدين، الذين غُيبت عقولهم بإحكام الحبكة المعلوماتية للدفع بهم ليكونوا وقودًا لبداية الفوضى (أو ما يسمى بالثورات)؛ كما تم الدفع بعناصر القسم الخاص فى المخابرات الأمريكية وكذا الموساد الإسرائيلى والمخابرات البريطانية تحت ستار الإعلام.

نواصل العدد القادم كشف عدد العناصر المخابراتية التى دخلت كلًا من مصر وتونس وليبيا وسوريا خلال أشهر ديسمبر 2010 ويناير وفبراير 2011.