مصر تنتصر

الطريق إلى بناء دولة قوية ( 1 )

185

المشهد الذي شهدناه جميعًا وشاهده العالم خلال الأيام القليلة الماضية (عودة المصريين من الصين، عودة 32 بحارًا مصريًا من اليمن) كان أحد ثمار بناء الدولة المصرية الجديدة، لتلبي آمال المصريين وطموحاتهم.

دولة قوية قادرة على حماية ورعاية مصالحها القومية وأمنها القومي، وحماية مواطنيها في أي مكان على وجه المعمورة.

قيام الدولة بكافة مؤسساتها ممثلة في خلية إدارة الأزمة كان غاية في الاحترافية حيث استطاعت أن تدير الملف باقتدار، وتعيد 300 مواطن مصري من الصين خشية إصابتهم بفيروس «كورونا» وتجهز حجرًا صحيًا وفق المقاييس الدولية، وتتكفل بكافة تكاليف السفر والإقامة الفندقية لهم لمدة 14 يومًا، هي المدة المحددة لحضانة الفيروس، وتجعلهم يتواصلون هاتفيًا مع ذويهم خلال تلك الفترة.

تنجح الدولة فى إدارة الملف باقتدار، لتؤكد أن مصر أصبحت دولة مؤسسات، وهو المسلك الصحيح لبناء الدول القوية.

قبل عام 2011 كنا نحن المصريين دائمًا ما نتحدث عن عدم وجود الدولة وغيابها عن الكثير من الأزمات خاصة مع المصريين فى الخارج.

لكن ما حدث يوم الاثنين الماضى (عودة المصريين من الصين) كان نتاج إدارة أزمة بتنسيق احترافى بين مختلف مؤسسات الدولة، (الدفاع، الخارجية، الداخلية، الصحة، الهجرة وشئون المصريين بالخارج،  الطيران المدنى، النقل، السياحة، الأمن القومي، التعبئة العامة والإحصاء، الاتصالات) كل تلك المؤسسات وتحت إشراف كامل من رئيس مجلس الوزراء.

(1)

جاء التكليف من الرئيس بضرورة إعادة المصريين الموجودين فى الصين حرصًا على سلامتهم فى ظل تنامى خطر الإصابة بفيروس «كورونا»، وتشكلت مجموعة إدارة الأزمة، ولم تلتفت إلى الجالسين خلف شاشات الكمبيوتر، وواضعى أصابعهم على الكيبورد، ممن حاولوا تشويه المشهد من خلال صورة وزيرة الصحة والفريق المعاون لها خلال استقبال المصريين العائدين من الصين فى المطار بعد إرسال طائرة خاصة لهم ودون أن يتحمل أى منهم أية تكاليف للسفر أو الإقامة خلال فترة الحجر الصحى.

لم يكن هذا المشهد وتلك الصورة التى تحولت إلى مادة للتهكم والسخرية سوى مادة خصبة للجالسين فى الغرف والقابعين من برد الشتاء تحت أغطيتهم.

أما خلية إدارة الأزمة فقد كانت منشغلة بالأمر الأهم (حياة المصريين العائدين من الصين) فقد تم دراسة كافة التفاصيل الصحية لهم، وتوفير كافة المستلزمات من الأطقم الطبية والتمريض ومتخصصى حاسبات ونظم معلومات، والإداريين وفنيى المعامل ومراقبى نفايات بالإضافة إلى الخدمات المعاونة، وتم إمداد المستشفى بأطباء تخصص نساء وتوليد بعد أن تبين وجود سيدة فى الشهور الأخيرة من الحمل بين العائدين.

تم تجهيز المستشفى والفندق لإقامة المصريين العائدين، كما تم منحهم خط تليفون مجانى وهاتف محمول للتواصل مع ذويهم خلال فترة وجودهم بالحجر الصحى (14 يومًا)، ونجحت إدارة الأزمة بامتياز، حيث سارت وفق خارطة منهجية دقيقة، كان هدفها الاستراتيجى الحفاظ على حياة المصريين وإعادتهم سالمين إلى أرض الوطن.

(2)

عقب عودة المصريين من بكين يوم الاثنين، وبعدها بـ 48 ساعة تقريبًا كانت عودة 32 صيادًا مصريًا من اليمن إلى أرض الوطن، حيث تم نقلهم على نفقة الدولة من صنعاء إلى القاهرة ثم إلى محل إقامتهم.

كان المشهد يدعو للفخر، ففى الوقت الذى كان يُدار فيه ملف عودة المصريين من الصين كانت هناك مجموعة إدارة أزمة أخرى تقودها الدبلوماسية المصرية على مدار أسبوع بعد إبلاغ نقيب الصيادين ومحافظ دمياط لوزارة الخارجية بالحادثة، كانت المجموعة تواصل الليل بالنهار تنفيذًا للتكليف المباشر المتمثل فى ضرورة إعادة الصيادين المصريين إلى أرض الوطن سالمين.

وبفضل الجهود الدبلوماسية والتعاون الذى يرتكز على عمق العلاقات بين مصر وكل من اليمن والمملكة العربية السعودية، عاد الصيادون الذين كانت تنتظرهم محاكمة فى اليمن بتهمة اختراق الحدود.

إنها قوة الدولة التى تتضح جلية فى مثل تلك الأحداث، والتى تضع المواطن وسلامته والحفاظ عليه على رأس أولوياتها.

(3)

لم تكن تلك الحادثة أو مثيلاتها هى الأولى، فقد سبقتها قبل 2011 حوادث مشابهة كثيرة، وكانت الدولة عند فشلها فى إدارة الملف تلقى بالتبعات على الصيادين وأنهم هم من خالفوا القانون فلابد أن يتحملوا العواقب.

ونحن هنا لا نعفى من يخالف القانون من المسئولية، لكن تظل مسئولية الدولة عن مواطنيها أعم وأشمل.

لم يكن ما حدث وما ذكرته فى صدر المقال وليد الصدفة، لكنه منهج حددته القيادة السياسية متمثلة فى «الرئيس عبد الفتاح السيسى» منذ توليه المسئولية.

كما كان الرد على من يعتدى على الدم المصرى أو المواطن المصرى فوريًا وحاسمًا بتطبيق القوة الغاشمة للحفاظ على الدولة وأمنها القومى والثأر لدماء الشهداء من المصريين.

كان الرد فجر يوم 16 فبراير 2015 قويًا عندما ثأرت القوات الجوية والقوات الخاصة لدماء المصريين الذين قتلهم تنظيم داعش الإرهابى فى ليبيا ونشر فيديو العملية الإرهابية يوم 15 فبراير من نفس العام.

كان الثأر لهم قبل تقديم واجب العزاء، بعد أن دك الطيران المصرى معاقل التنظيم الإرهابى فى درنة، وقتل 64 تكفيريًا، بينهم ثلاثة من قيادات التنظيم، يومها شعر المصريون أن لهم قوة تحميهم وتثأر لهم ولن تفرط فى حق من حقوقهم.

(4)

لم يكن هذا المنهج ليجد له سبيلًا لولا وجود استراتيجية واضحة تستند إلى معلومات مدققة حول طموحات شعب عظيم وقدرات وإمكانيات وطن ودراسة كاملة لكافة التحديات والمشكلات التى تواجه هذا الشعب والتهديدات التى تستهدف المنطقة.

لذا كانت قراءة الأحداث دقيقة ومعالجة المشكلات والأزمات (الحالة الأمنية، الوضع الاقتصادى، العلاقات الخارجية، حالة المواطن الصحية، التعليم وخلافه) مبنية على دراسات وتجارب ناجحة ورجال يمتلكون خبرات حقيقية.

عمل متواصل قام به رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما بين مصر 2014 ومصر الآن 6 سنوات فى عمر الزمن، لكنها فى عمر الدولة المصرية تزيد على خمسة أضعاف هذا الرقم.

(5)

انهارت مؤسسات الدولة عقب 2011 وأثرت عليها سلبًا التظاهرات الفئوية، كما وأطلقت قوى الشر كلابها المسعورة (العناصر الإرهابية) تنهش فى أمن واستقرار الوطن وتخلق حالة من الرعب لنشر الفوضى؛ انهار الاقتصاد، واختُطِف الوطن لمدة عام، فاصبح تولى المسئولية بمثابة مهمة انتحارية، خاصة إذا كان الشخص يتمتع بشعبية جارفة فى الشارع.

لكن الشعب كان صاحب القرار، وكان التكليف من خلال صناديق الاقتراع بتولى الرئيس عبد الفتاح السيسى مسئولية بناء الدولة.

جاء التحرك وفق أولويات رؤية مصر 2030.. لكن هل ينتظر الموطن كل تلك الفترة، فكان التخطيط أن يلمس المواطن حصاد ما تمت زراعته وبشائر خيره خلال 2020.

لم يبالغ الرئيس حينما قال: «إحنا مش محتاجين نجرى، إحنا محتاجين نقفز» وتم بالفعل.

لم يكن البدء فى تحديث تسليح القوات المسلحة المصرية من منطلق الرفاهية، لكنها تحديات وتهديدات تواجه المنطقة وإذا لم تكن هناك قوة تحمى الأوطان ومقدراتها فلن يكون للشعوب مكانًا داخل أوطانها، وسيكون مصيرها مخيمات اللاجئين، أو غرقى فى مياه المتوسط، لتنهار الأوطان وتصبح إعادتها دربًا من الخيال.

وحيث التخطيط جاء بناءً على معلومات دقيقة غير مستقاة من مواقع التواصل الاجتماعى أو دفاتر البيانات التى تحتاج إلى ارتداء نظاراتك لتتمكن من مطالعتها، والتى لم يطرأ عليها أى تحديث منذ زمن، كما لم تكن المعلومات مستقاة ممن يسمون أنفسهم بالخبراء الذين سرعان ما ينكشف أمرهم بمجرد توليهم مسئولية ملف من الملفات فيكون مصيرهم الفشل.

وُضعت خطة بناء الوطن بعد تشخيص دقيق لحالة الدولة، وتم وضع الحلول وفق الأولويات كما ذكرت مسبقًا.

فالدول التى تتبع منهج البناء والتنمية لابد لها من جيش قوى يحمى مقدراتها ويحفظ على مكتسباتها وما يتحقق من إنجازات، خاصة إذا كان هذا التحرك الوطنى يؤثر سلبًا على قوى أخرى فى المنطقة استغلت حالة الترهل فى الدولة المصرية خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، فاخترقت العمق الاستراتيجى للدولة المصرية واستطاعت أن تجد لها موطئ قدم فى القارة الذهبية (إفريقيا).

تم تطوير وتحديث كافة أسلحة القوات المسلحة وفق استراتيجية اعتمدت على تنوع مصادر التسليح وتطوير الصناعات العسكرية ونقل الخبرات فى هذا المجال.

كان ذلك بمثابة الدرع الواقى للدولة المصرية فى منطقة تعج بالتوتر والاضطرابات وتواجه دولها الفوضى وتنهار فيها الأوطان.

ارتفع ترتيب الجيش المصرى بين جيوش العالم ليحتل المرتبة التاسعة وفق أحدث التصنيفات العالمية التى أصدرها موقع (جلوبال فاير باور) ليتقدم على كافة جيوش الشرق الأوسط ويتبوأ مكانته بين الكبار، ورغم أن التصنيف الأخير جعل الجيش المصرى متقدمًا ثلاث درجات عن تصنيف العام الماضى؛ إلا أن الترتيب لم يحسب القوة الحقيقية للجيش المصري، وهى المقاتل المصرى الذى قدم للعالم نموذجًا قتاليًا احترافيًا تغيرت به العديد من النظريات العسكرية.

(6)

مع تطوير وتحديث وبناء القوات المسلحة كان المسار نحو بناء الدولة القوية (دولة المؤسسات)، فتم إنشاء المشروع القومى الأول الذى أثبت أن المصريين على قلب رجل واحد فى بناء دولتهم، فخرج المصريون كما خرجوا فى 30 يونيو لإزاحة كابوس الإخوان، خرجوا ليقفوا فى طوابير أمام البنوك للمساهمة فى حفر قناة السويس، وتصبح أول مشروع قومى عقب 2011 يوحد صف المصريين؛ وكان الإقبال بمثابة تأكيد على حرص الشعب على بناء الدولة الجديدة لتصبح دولة قوية.

فى شهر سبتمبر 2014 قدم المصريون 64 مليار جنيه لبناء المشروع، وجاءت عملية استكمال المسيرة عندما تم الانتهاء من الحفر خلال عام واحد، لتنخفض تكاليف المشروع إلى الثلث.

لم يكن مشروع حفر قناة السويس الجديد وإعادة تكريك القناة القديمة وتطويرها من باب الرفاهية، ولكنه كان أحد خطوط استراتيجية بناء الدولة القوية فى ظل تنامى حركة التجارة العالمية، وقيام الصين بأكبر مشروع لديها وهو إعادة إحياء طريق الحرير والذى أصبحت قناة السويس محورًا استراتيجيًا له.

إنه استشراف المستقبل وفق معلومات مدققة بُنيت عليها استراتيجية بناء الدولة القوية.

ارتفع دخل قناة السويس، بعد انخفاض ساعات العبور إلى 11 ساعة بعد أن كان 22 ساعة، كما زادت عائدات القناة بنسبة 20%، وزاد عدد السفن العابرة، وتم سداد مستحقات أصحاب شهادات الاستثمار فى قناة السويس بالكامل.

لتكتمل الملحمة ببناء أكبر مشروعات البنية التحتية فى مصر بإنشاء أكبر شبكة طرق قومية، بالإضافة إلى مشروعات مياه الشرب والصرف الصحى، والطاقة الكهربائية التى تحولت من عجز بنسبة 3000 ميجا وات عام 2014 إلى فائض بلغ 1800 ميجا وات، كما وتضاعف حجم إنتاج الكهرباء وتنوع مصادرها (الطاقة الشمسية – محطة بنبان – طاقة الرياح – مزرعة جبل الزيت) بالإضافة إلى محطات سيمنز العملاقة، وقريبًا تُفتَّتح أربعة محطات للطاقة النووية.

خلال مرحلة البناء كانت هناك خطوات تسير بالتوازى فى القطاعات المختلفة، ولأن القيادة السياسية كانت تستهدف بناء دولة متطورة، تُرضى طموحات المصريين وتحقق أحلامهم وتليق بوطن يمتلك إرثًا تاريخيًا كان لا بد من دقة التخطيط بعيدًا عن صخب السوشيال ميديا فبناء الدول لا يتم من خلال مواقع التواصل ولا هتافات الشوارع، إنما يأتى بالعمل.

نواصل في العدد القادم استكمال عرض مسيرة الدولة القوية ولماذا الآن التوجه نحو الصناعة وعودة المصانع المتعثرة للحياة ؟.