رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

في معركة الوعي الصين والوباء.. وأزمة الثقة

255

تلقيت الأسبوع الماضي رسالة من د.جيهان يسري عميد كلية الإعلام جامعة القاهرة سابقا، تعليقا على مقالي الأسبوع الماضي الذي حمل عنوان «الوعي.. وأزمة الثقة» قائلة : «رحم الله شهداءنا، وأدخلهم فسيح جناته، أما عن قلة الوعي بل وانعدامه وفقدان الثقة.. فهذا موضوع مهم ويستحق سلسلة حلقات مطولة على كافة الأصعدة.. وإن كنت أرى أن هناك علاقة مهمة بين كل من الوعي والثقة والولاء والانتماء والذي نستشعر بفقدانه بين الغالبية للأسف.. لك الله يامصرنا الحبيبة».

 رسالة د. جيهان يسرى دعتنى لمواصلة الكتابة هذا الأسبوع فى نفس الموضوع، نظرا لحجم المخاطر التى تحيط بنا والتحديات التى نواجهها خلال الفترة الحالية.
ولنا فى الصين نموذج فى تأثير الوعى الشعبى على الأزمة، ودور المواطن فى مواجهتها بالتعاون مع الحكومة.
فقبل أربعة أشهر تقريبًا ظهر فيروس «كورفيد 19» والملقب بفيروس كورونا، فى مدينة ووهان عاصمة مقاطعة «هوباى» الصينية.
حمل الفيروس رقم 19 نسبة إلى العام الذى ظهر فيه ديسمبر 2019، وكان الفيروس قد ظهر من قبل عام 2015 وكان مسببًا لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وهو أحد الفيروسات التاجية، بحسب منظمة الصحة العالمية.
ومنذ تاريخ ظهوره فى أحد أسواق المأكولات البحرية بمدينة ووهان الصينية وتزايد حالات الإصابة، اتخذت الصين مجموعة من الإجراءات منها عزل مناطق الإصابة وشملت 13 مدينة، منها المدينة التى ظهر بها والتى يبلغ تعداد سكانها 11.8 مليون نسمة، ثم توسعت منطقة العزل لتشمل المقاطعة بالكامل البالغ عدد سكانها 58.9 مليون نسمة أى أكثر من ضعف سكان القاهرة الكبرى (القاهرة، الجيزة، القليوبية).
لم يفزع الشعب الصينى كما فزعت شعوب كثيرة بما فيها شعوب العالم الأول، لكن الشعب الصينى كان أكثر حكمة وثقة فى الدولة وفى تعاملها مع المرض وكان الأمر الوحيد من المواطنين هو الالتزام بقرارات الحجر الصحى، والتعليمات الوقائية.

(1)

تحركت الحكومة الصينية سريعًا بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية لمواجهة الفيروس الجديد، وتم إنشاء 14 مستشفى ميدانيًا بعد أن تزايدت الأعداد بشكل كبير لتصل إلى أكثر من 80 ألف و900 حالة حتى كتابة هذه السطور، تعافى منها 62880 حالة وتوفيت 3172 حالة، بحسب أرقام منظمة الصحة العالمية والتى أكدت أن نسب الشفاء تجاوزت 73% من حالات الإصابة، وأصبحت هناك ثلاث مناطق أخرى أكثر إصابة بالفيروس بعد الصين، وهى إيطاليا وإيران، وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى عدد من الدول من بينها فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، إسبانيا، اليابان وعدد من الدول العربية.
ثقة الشعب الصينى وعدم تداول الشائعات والالتزام بالإجراءات الوقائية وإجراءات الحجر الصحى كان لها دور كبير فى السيطرة على الموقف وانحسار الفيروس وانخفاض أعداد الإصابة مما جعل الحكومة الصينية تشرع فى إغلاق المستشفيات الميدانية التى تم إنشاؤها لمواجهة الأزمة.
لم ترتفع الأسعار نظرًا للإجراءات العزل، ولم يتكالب المواطنون على الأسواق لإحداث أزمة تضاف إلى الأزمة الموجودة (انتشار المرض)، ولم يبالغ المواطنون فى استغلال الأزمة، كما لم يستغل التجار من معدومى الضمير الحالة التى تعيشها الدولة لرفع الأسعار لجنى مزيد من الأرباح، كما يحدث فى دول العالم الثالث، من استغلال البعض للأزمات للتربح منها.
واصلت الحكومة الصينية عملية إدارة الأزمة باحترافية شديدة وتعاون شعبى ووعى كان أحد أدواتها القوية للمواجهة، فرغم عدد السكان الضخم، الذى يبلغ مليار و400 مليون نسمة، إلا أن السيطرة على الفيروس وخفض نسب الإصابة كان الرقم المهم فيها يعود إلى ثقة الشعب الصينى فى إدارة الدولة للأزمة.
لم تخرج صور تشوه أو تسىء للدولة الصينية، بل كانت كل الصور والفيديوهات تدلل على قوة تماسك الشعب الصينى فى مواجهة الأزمة، وهو ما جعل الرئيس الصينى يخرج بعد أسبوع من بداية انتشار المرض معلنًا أن الصين أقوى من كورونا.
صحيح الاقتصاد الصينى تأثر سلبًا بشكل كبير بسبب وقف حركة الطيران بين الصين ومعظم دول العالم، وكذا حركة التجارة خوفًا من انتشار المرض وبلغت خسائر الصين خلال الربع الأول من العام الحالى 143 مليار دولار.
إلا أن الأمر لم يؤثر على قدرات الصين وقال الرئيس «شى جين بينج» إننا قادرون على أن نهزم «كورونا» وقام بزيارة المدينة التى كانت بؤرة انتشار الفيروس.
ليؤكد للعالم تحسن الأوضاع الصحية بها، وذلك وفق إجراءات صحية وأمنية مشددة.

(2)

النموذج الصينى هو ما نحتاجه نحن خلال المرحلة الحالية، علينا أن ندرك جميعًا أن مواجهة الفيروس تبدأ بالوقاية والإجراءات الصحية الوقائية، والالتزام بالإرشادات التى قدمتها وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية بهذا الشأن، لا أن نحول الأمر إلى حالة من الفزع والرعب.
فبعض الدول العربية ونحن منهم منذ بدء ظهور حالات مصابة بالفيروس، قامت مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعى وجروبات «الماميز»، بإعلان حالة النفير العام وحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى منابر لإطلاق الشائعات والأخبار المكذوبة.
هؤلاء لم يدركوا أن ما يقومون به هو جزء من صناعة الأزمة بل ويزيدها تعقيدًا، ويضعف القدرة على المواجهة، الأمر الذى دعا مجلس الوزراء لإصدار قرار، باتخاذ كافة الإجراءات القانونية، حيال مروجى الشائعات ومن ينشرون أخبارا كاذبة بشأن عدد الحالات المصابة بفيروس كورونا فى مصر، أو كيفية تعامل أجهزة الدولة المختلفة مع الأزمة أو القرارات المتخذة بهذا الشأن.
كما واصل مجلس الوزراء ووزارة الإعلام والوزارات المعنية تفنيد الشائعات والرد عليها، فى الوقت الذى اتخذت فيه المحافظات والهيئات والوزارات المختلفة إجراءات التعقيم لمبانيها.
وقامت وزارة الصحة أيضًا بعمل موقع على شبكة الإنترنت (www.care.gov.eg) يتابع لحظة بلحظة أعداد المصابين على مستوى الجمهورية والإجراءات الوقائية، وإرشادات للمواطنين، وكذا الموقف العالمى بالنسبة للمرض، والرد على أسئلة المواطنين وذلك فى إطار الشفافية التى تتعامل بها الدولة فى مواجهة الأزمة.

(3)

إن ما يحدث فى تلك الأزمة فى ظل إغلاق دول كبرى لمدن كاملة وتحويلها إلى مناطق عزل، نظرًا لتفشى الإصابة بالفيروس، مثلما حدث فى إيطاليا، وكوريا الجنوبية، وإيران، كان وعى المواطنين وثقتهم فى إدارة حكوماتهم للأزمة له دور مهم فى خطة المواجهة.
فالفيروس الجديد الذى حمل اسم «كورفيد 19» ليس انتقام السماء من البشر كما يحاول البعض تصويره.. وإلا لماذا ظهر الطاعون فى عهد الفاروق عمر بن الخطاب.
ألم يتوف أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبى سفيان وسهيل بن عمرو وضرار بن الأزور وأبو جندل بن سهيل وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم بالطاعون.
دعونا نتعامل مع الموقف بوعى وندعو الله أن يرفع البلاء ونتخذ الإجراءات الوقائية والصحية، ونلتزم بالإرشادات، ونقف إلى جوار الوطن، فمصر من أوائل الدول التى اتخذت التدابير الاحترازية، والإجراءات الصحية.
إن محترفى الاستفادة من الأزمات يحاولون استغلال حالة الرعب التى يصدرونها للمواطنين، لزيادة مبيعاتهم وجنى الأرباح تارة؛ وتصدير أزمة للحكومة تارة أخرى.
ولا يمكن قطع الطريق على هؤلاء إلا بالوعى والثقة فى إدارة الحكومة لهذا الملف باحترافية لاقت إعجاب العالم.
فقد كانت زيارة وزيرة الصحة إلى الصين تأكيدًا على أن مسئولى إدارة الملف منذ عملية إجلاء المصريين وحتى الآن يتمتعون بقدرة عالية على مواجهة أى تطور فى الأزمة.
فهل نوقف سيل الشائعات التى يطلقها البعض ويحاولون بها الضغط على متخذ القرار لاتخاذ قرارات تحت ضغط؟
أظن أن هذا لن يصب فى مصلحة المواطن ولا الوطن.
فمنظمة الصحة العالمية لم تطالب أى دولة بوقف الدراسة إلا فى المدارس التى بها نسب إصابة عالية، فى حين تطالب  جروبات «الماميز» المباركة بضرورة اتخاذ الدولة قرارًا بتعليق الدراسة، أو قيام الأمهات بمنع ذهاب أبنائهم إلى المدارس.
أظن أن الإجراءات التى أعلنتها وزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة ورئاسة الحكومة كفيلة بالحفاظ على أبنائنا، فلمصلحة من يصدر هذا الرعب المزيف.
إننا أمام تحدى يستوجب اصطفافنا جميعًا فى مواجهته، بالوعى والثقة، وإدراك أن الأوطان لا تبنيها الشائعات، ولا تتقدم عبر السوشيال ميديا، ولكنها تبنى وتتقدم من خلال وعى الشعوب بأهمية العمل.
إن المتابع لخريطة انتشار الفيروس ونسب الإصابة يدرك أن الفيروس لم يصل إلى المناطق الشمالية أو الجنوبية من العالم، كما أنه أصاب دول العالم الأول، والأكثر تقدمًا، كما أصاب بعض دول العالم النامى، فهو لا ينتشر إلا بمخالطة أشخاص مصابين بالمرض. كما أن الفيروس لم يثبت بعد أن ارتفاع درجة الحرارة تقتله.