رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تشويه الرموز وتزييف الوعي

219

إذا أردت أن تهدم وطننًا أو تزيف وعي شعب فعليك بتشويه رموزه وتدمير ما فعلوا من أجل أوطانهم.. الأمر ليس صعبًا، فما عليك إلا أن تروِّج تلك الأحاديث التي يتحدث بها البعض لطمس التاريخ الوطني لتلك الشخصيات، ليصبح المجتمع مفتقرًا إلى القدوة، يهيم شبابه بعيدًا عن الوطن، وتتحول الأوطان إلى مجرد جنسيات فى بطاقات الهوية وجوازات السفر.
المشهد ليس بجديد، ولن يكون الحديث فيه هو الأخير إنما يظهر بين الحين والآخر إما بحثًا عن الشهرة وإحداث الضجة حول المتحدث، وهذا هو ظاهر الأمر؛ أما حقيقته فهي غير ذلك تمامًا، إذ تستهدف ما هو أعمق، ألا وهو تشويه صورة الرموز الوطنية ليتحول التاريخ الوطني إلى لا شيء، ويصبح لفظ الخيانة أمر مستساغ على المسامع، وتبحث الشعوب عن نماذج من الخارج تتخذها قدوة، وهنا تسهل السيطرة عليها.
إنها معركة تستهدف التشكيك فى تاريخ الأمم، خاصة فى فترات النضال، والنماذج الوطنية التي كان لها دورًا فى صناعة التاريخ.

خلال الأسابيع الماضية تحدثت دكتورة لميس جابر عن الزعيم أحمد عرابى متهمة إياه بأنه كان السبب فى احتلال مصر عام 1882، ولم يكن عرابى فقط هو من نالت منه، بل نالت من التاريخ الوطنى للرئيس جمال عبد الناصر، ولم تكن هى فقط من نال من الرموز الوطنية فهناك الدكتور يوسف زيدان، الذى لا يتوقف عن تشويه التاريخ الوطنى لتلك الرموز، والكاتبة الصحفية سناء البيسى فى كتابها «سيرة الحبايب» الصادر عام 2009 والتى أفردت فصلًا كاملًا تحت عنوان «المفترى والمفترى عليه: أحمد عرابي» ولكنها فى مقدمة كتابها ذكرت أنه ليس تأريخًا، كما يحاول الآخرين أن يتحدثوا كمؤرخين وهم يفتقرون إلى المنهج العلمى للتأريخ.
بدايةً لابد أن أؤكد أن الشخصيات والرموز الوطنية ليست منزَّهة، فهم بشر يصيبون ويخطئون، ولكنهم قدموا لوطنهم الكثير وكان هدفهم الأول والأخير هو الخير لوطنهم، ما يجعلهم «قدوة» ورموزًا مضيئة فى تاريخ الوطن ننظر إليهم دائمًا بشموخ، وهم المثل الذى نعلمه أبنائنا، وتاريخنا الذى نفخر به.
أما من نالوا من هذه الرموز الوطنية أو حاولوا تشويه صورهم فلا أظن أن التاريخ سيتوقف عند ما قالوه أو يحاولون تقديمه على أنه حقائق تاريخية على حد زعمهم.
أعود إلى القضية الأساسية وهى محاولات تشويه الرموز وتقديم التاريخ الوطنى للدول على أنه مجموعة من الأكاذيب، وهو ما ليس بجديد فى الحروب الثقافية.
إنها إحدى أدوات تزييف الوعى والتأثير فى العقل الجمعى للشعوب الذى يبدأ بمرحلة التشكيك فى التاريخ حتى يصبح الشعب غير قادر على تحديد ملامح تاريخه الوطنى والوثوق فى رموزه.

إنها حرب خفية قد يسقط فى براثنها البعض دون أن يدري، وينغمس فيها البعض الآخر بحثًا عن الشهرة عندما يتحدث عن الشموس المضيئة فى تاريخ الوطن ويهيل عليها التراب، أو يسير فى تلك الحرب وفق منظومة محددة لهدم تاريخ الدول.
فدولة بلا تاريخ هى دولة بلا هوية.
ودائمًا ما تُستَّهدف الرموز الوطنية ويتم تشويه صورهم حتى يضل الشباب طريقهم فى أن يصبح لديهم المثل والقدوة.
لم يكن الأمر صدفةًّ ولكنه منهجًا استهدف الحركة الوطنية ورموزها، وحاولت أذناب بريطانيا بدءًا من 1883 أن تهيل التراب على ثورة كانت نقطة فارقة فى تاريخ مصر الحديث.
فما كانت «الثورة العرابية» حركة عسكرية فحسب كما يحلو لكثير من المؤرخين أن يصوروها عن عمد، أو عن غفلة، وإن من يفعل ذلك منهم إنما يسلك دربًا من دروب الجهل، بل كانت الثورة العرابية، إذا أردنا وصفها فى جملة، هى التقاء الحركتين الوطنية والعسكرية واندماجهما، فلما ذهب عرابى إلى الخديوى توفيق على رأس جنده فى اليوم التاسع من سبتمبر عام ١٨٨١ ذهب يحمل إليه مطالب الجيش ومطالب الأمة معًا.

لقد كانت بمثابة نقطة البداية ليحصل الشعب المصرى على حريته، بعد استعباد من الترك والشراكسة.
لم تكن الحركة الوطنية التى قادها أحمد عرابى ورفاقه من ضباط الجيش المصرى تستهدف مجدًا شخصيًا، بل كانت تستهدف إنقاذ وطن سلبت مجموعة من المقربين من الخديوى كل مقدراته لأنفسهم.

لم يطلب عرابى ورفاقه لأنفسهم مجدًا أو تولى أية وزارة، إنما طلبوا لوطنهم دستورًا ومجلسًا نيابيًا وتطويرًا للجيش وزيادة عدده لحماية الوطن بعد أن نال الفرمان السلطانى الصادر عن السلطان العثمانى عقب معاهدة لندن 1841 من عدد الجند.
يقول د. محمود الخفيف فى كتابه «أحمد عرابى الزعيم المفترى عليه»: «إن تجريد الثورة العرابية من صفتها القومية الدستورية هو من صنع كُتَّاب الاحتلال، ومن ذهب مذهبهم من المخدوعين ومن المبطلين، وماذا كان يصنع الاحتلال غير هذا ليبرر وجوده؟! لقد شوَّه القضية وحصرها فى فتنة عسكرية حمقاء هوجاء، وبذل غاية جهده واستعان بجاهه ليصرف الأذهان عن أى معنى من المعانى السامِيَة فى ثورة عرابى الذى ألقى به وبالأبطال من زملائه فى منفى بعيد بدعوى أنهم من العصاة المفسدين فى الأرض، ثم دأب كُتَّاب الاحتلال وصنائعه على تضليل أبناء الجيل الذى أعقب الثورة، وجاراهم فى ذلك عدد من الكتّاب المصريين فلم يستطيعوا تشويه «الثورة العرابية» إلا بعد أن نقل عرابى ورفاقه إلى المنفى».
أعود إلى إثبات أحداث الثورة التى يزعمون أنها لم تحدث.

فى التاسع من سبتمبر عام ١٨٨١، أعظم يوم فى تاريخ القومية المصرية، أخذ عرابى للأمر عدته على خير ما يستعد الرجل اليقظ إلى عواقب الأمور، فكتب إلى وزير الحربية يطلب إليه أن يُبلغ الخديوى بأن آليات الجيش جميعًا ستحضر إلى ساحة عابدين فى الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الجمعة ٩ سبتمبر لعرض مطالب تتعلق بإصلاح البلاد وضمان مستقبلها.
أرسل عرابى إلى قناصل الدول يقطع عليهم سبل الدَّسّ والتقوُّل، فأنبأهم أن لا خوف على أحد من الأجانب فإنها سوف تكون مظاهرة سلمية تقتصر على أحوال البلد الداخلية.
يذكر “بلنت” (مؤرخ إنجليزي) إن كتاب عرابى إلى الخديوى ينبئه بما اعتزم هو وزملاؤه من خطة يدلل على أنهم لا يبغون بذلك عداءً لشخصه، إذ أنهم لم يذهبوا إليه فى قصره بحيِّ الإسماعيلية بل قصدوا مقره الرسمى فى عابدين.
ذعر الخديوى وذعر رياض باشا، وقد دعاه إليه كما دعا ستون باشا رئيس أركان حرب الجيش وأحمد خيرى باشا رئيس ديوانه ليشاورهم فى الأمر.
فى عصر ذلك اليوم تحرك الجيش يقصد عابدين، وتلاقى عرابى فى ميدان عابدين بالآليات الأخرى بقيادة أحمد بك عبد الغفار وعبد العال بك حلمى وإبراهيم بك فوزى وفودة أفندى حسن وغيرهم من أنصاره؛ كان عدد الجند المحتشدين نحو أربعة آلاف بالمدفعية، وأرسل عرابى يستدعى على بك فهمى من داخل القصر فعاتبه، فرد بقوله: «إن السياسة خداع» ثم ذهب فعاد بفرقته وانضم إلى الجيش فأصبح القصر خاليًا من كل عناصر المقاومة؛ وكان فيما صنع على بك فهمى كثير من الخير لأنه الجهة الوحيدة التى كان يُخشى منها خطر الحرب الأهلية.
تجمع وراء صفوف الجيش آلاف من أهل القاهرة الذين أخذتهم الدهشة لهذا المنظر، ووصل الخديوى إلى عابدين ودخل السراى من الباب الخلفى – باب باريز -؛ ويذكر «كلفن» إنه قفز من العربة وأشار على الخديوى أن يسير من فوره إلى الميدان ففعل الخديوى توفيق ذلك.
وصل الخديوى توفيق إلى الميدان وطلب من عرابى أن يغمد سيفه ففعل.
قال الخديوى لعرابى: ما أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟
رد عرابي: جئنا يا مولاى لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة وهى طلبات عادلة..
«هى إسقاط الوزارة المستبدة، وتشكيل مجلس نواب على النسق الأوروبي، وإبلاغ الجيش إلى العدد المعين فى الفرمانات السلطانية والتصديق على القوانين العسكرية التى أمرتم بوضعها».
فرد الخديوي: «كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائى وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا».
فرد عرابي: «لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا، فوالله الذى لا إله إلا هو لن نورّث ولن نستعبد بعد اليوم».
تلك الأحداث ذكرها «ويلفريد بلنت» المستشرق الإنجليزى فى كتابه التاريخ السرى لاحتلال إنجلترا مصر (الصادر عام 1907م، وقد نقله عبد القادر حمزة إلى العربية).
استجاب الخديوى لمطالب الجيش والشعب التى قدمها عرابى بعد أن وجد نفسه لا خلاص له من ذلك.
أقال الوزارة وعين شريف باشا استجابة لمطالب الجيش، كما طلب عرابى بالدستور ونجحت الثورة فى تنفيذ مطالبها، ولم يحصل عرابى على مجد شخصى بل إنه عندما رفض شريف باشا الوزارة ذهب إليه عرابى وطلب منه الموافقة فاشترط شريف باشا ألا يتدخل الجند فى الحكم فوافق عرابى على الفور وشكل شريف باشا الوزارة.
عقب تشكيل الوزارة دعا وزير الحربية عرابي، فأفهمه رغبة الحكومة فى أن يسافر بفرقته إلى رأس الوادي، وأن يسافر عبد العال حلمى إلى دمياط، فقبل عرابى ذلك، ولكنه اشترط أن يصدر أمر الخديوى بانتخاب مجلس شورى النواب قبل السفر.

كانت هذه أحداث الثورة العرابية التى يزعمون عدم حدوثها ويسطحون ما حدث تحت اسم “هوجة عرابي” وهى فى الحقيقة كانت بداية عهد جديد للدولة المصرية لكن بريطانيا والخديوى توفيق والآستانة ومجموعات الخونة أبت أن تنتصر الحركة الوطنية المصرية.
واتضحت المؤامرة جلية، فلقد كان توفيق يسلك تجاه الثورة العرابية مسلك لويس تجاه الثورة الفرنسية مع فارق واحد، وهو أن الخديوى كان من ورائه الإنجليز، فلما لجأ إليهم كما هرب لويس لم يقضِ هذا العمل عليه، وإنما قضى على مصر.

وفى يناير 1882 استدعت وزارة الحربية عرابى من رأس الوادى لتولى منصب وكيل وزارة الحربية، ثم اختير عرابى وزيرًا للجهادية فى وزارة البارودي.

فى العدد القادم نعرض تفاصيل المؤامرة التي حيكت بتحالف من الخونة والخديوي والسلطان وبريطانيا وفرنسا لهدم المشروع الوطني المصري وكيف تمت إدارة عملية تشويه تاريخ الزعيم أحمد عرابي.