رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

المنتدى العربي الاستخباري.. لماذا الآن؟

267

إن أردت السلم فاستعد للحرب، مقولة شائعة فى عالم السلاح.. دون القوة لن يتحقق السلام، فالحق لابد له من قوة تحميه وتلك حقيقة لا جدال فيها.
عقب أحداث 2011 التي ضربت المنطقة العربية، وسقطت خلالها دولًا فى الفوضى وأصابتها حالة من السيولة، لتتحول إلى أشباه دول.. حالة من الخراب والدمار قذفت بشعوبها فى البحر، أو فى معسكرات اللاجئين؛ فقد كانت هناك تحركات خارجية تستهدف مواصلة ذلك المنهج (الفوضى) من أجل الانقضاض على ما تبقي من موارد ومقدرات تلك الدول، وصولًا إلى تنفيذ المخطط المعلوم للجميع (إعادة تقسيم المنطقة من جديد) أو ما عُرِف بـ “سايكس بيكو الجديدة”.

تطورات جيوبوليتيكية شهدتها المنطقة العربية خلال السنوات التسع الماضية وما زالت تعيش أحداثها، تحركات جديدة فى ظل محاولات مستمرة من جانب بعض القوى الدولية والإقليمية وبالتعاون مع عدد من الدول لمعاودة الانقضاض على المنطقة العربية، وخلق حالة من الفوضى وصولًا إلى حالة اللادولة.
تهديدات وتحديات ومخاطر قد تواجهها المنطقة العربية وترتفع حدتها خلال الفترة القادمة، فى ظل ظهور بعض من مقدمات تلك التهديدات، ومع رؤية جديدة تنتهجها القوى الدولية بشأن الشرق الأوسط والمنطقة العربية.

جاء استشراف القيادة المصرية منذ فترة لتلك التهديدات والمخاطر التى قد تضرب بالمنطقة، وهو ما جعلها تتحرك مبكرًا لصد أى محاولة للمساس أو العبث بالأمن القومى المصرى والعربي.
فلم تكن كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسى (مسافة السكة، الأمن القومى العربى خط أحمر، أمن الخليج العربى خط أحمر) كلمات عادية؛ لكنها رسائل قوية مبنية على رؤية استشرافية تستهدف بناء الدولة والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

(1)

بدأت مصر قراءة المشهد مبكرًا فكان التحرك نحو بناء الدولة المصرية بالتوازى مع التحرك باتجاه إعادة ترتيب أوراق المنطقة العربية لمواجهة المخاطر والتهديدات والعمل الاستباقى لمواجهة التحديات.
ومع حرص مصر على أن تحل كافة القضايا العربية داخل بيت العرب من خلال التوصل إلى حلول سياسية.. قامت الخارجية المصرية بالتحرك فى هذا الاتجاه بالتعاون مع جهاز المخابرات العامة المصرية لتقريب الرؤى بين أبناء الوطن الواحد وقطع الطريق على التدخلال الخارجية فى ظل محاولات قوية لشق الصف العربى وخلق حالة من الفتنة وعدم الاستقرار فى عدد من دول المنطقة وهناك أمثلة على ذلك (ليبيا، سوريا، اليمن، لبنان، العراق، الصومال، السودان، جنوب السودان، تونس).. إنها محاولات تستهدف تدمير مقدرات الدول وهدم مؤسساتها من أجل إضعافها.
جاء التحرك المصرى مبكرًا فى مواجهة الإرهاب فاستطاعت الدولة المصرية بما قدمه أبناؤها من أبطال القوات المسلحة والشرطة من تضحيات أن تنتصر عليه وأن تجنب الدولة حالة الفوضى التى خُطِّط لإسقاط مصر فيها.

ومع تثبيت دعائم الدولة وبناء قوة عسكرية قادرة على حماية الأمن القومى المصرى والعربي، جاءت الرؤية بضرورة توحيد الجهود العربية بعد أن حاولت الدول الداعمة للإرهاب استغلال حالة عدم تنسيق الجهود بين الأشقاء، لذرع الفتنة وضرب استقرار الدول.
فى نهاية شهر فبراير الماضى وتحديدًا فى 22-23 فبراير كان إطلاق «المنتدى العربى الاستخبارى» ليكون بمثابة نقطة تحول نوعية فى التعاون العربى من أجل مواجهة الإرهاب وتحقيق الاستقرار والأمن فى دول المنطقة.

فلماذا تأسس المنتدى؟ وما الدور الذى سيقوم به خلال الفترة القادمة.. وما رسالته فى ظل عدم تأثير منظمات عربية مثل الجامعة العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية، ومجلس التعاون الخليجى على المشهد العربى؟ خاصة أن أى من تلك المؤسسات لم تستطع أن توقف سقوط عدد من الدول العربية فى الفوضى.
تأسس «المنتدى العربى الاستخبارى» بدعوة من المخابرات العامة المصرية فى فبراير 2020 وهو ما يعد الأول فى المنطقة فى إطار سعيها الدائم لإعادة الاستقرار إلى الدول التى ضربتها الفوضى.
جاء الاجتماع الأول بحضور رؤساء أجهزة الاستخبارات العربية وقد التقى الرئيس السيسى بالوفود المشاركة بقصر الاتحادية وأكد خلال اللقاء على أهمية التعاون بين الدول العربية لمواجهة التهديدات والمخاطر التى تستهدف المنطقة.

شملت أهداف تأسيس المنتدى ما يلي:
– تبادل الرؤى ووجهات النظر للتعامل مع التحديات المتسارعة التى تواجه المنطقة العربية؛
– توحيد الجهود العربية فى إطار مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف والجريمة المنظمة وتبادل الرؤى الاستخباراتية؛
– التعاون بين أجهزة الاستخبارات العربية من أجل استقرار المنطقة وحل المشكلات التى تواجه دولها؛
– تحديد أفضل الممارسات والسبل للمواجهة الفعالة لأية تهديدات على نحو شامل يراعى الأبعاد والخصوصيات التنموية والاجتماعية والثقافية للدول العربية، ويحقق لها الأمن والاستقرار.

(2)

كان الاجتماع الأول بمثابة خطوة نوعية مهمة فى ظل تعاون أجهزة المعلومات فى الدول العربية، مما يحقق نقلة كبيرة نحو الانتصار فى مواجهة الإرهاب.
كما تناول الاجتماع المخاطر والتهديدات التى تواجه الأمن القومى العربي، وأبرزها مخططات التفكيك والتقسيم على أسس عرقية وطائفية، وإضعاف الدولة الوطنية، وتزايد التدخلات الخارجية فى أزمات المنطقة، بجانب الدور الخارجى الهدام فى الأزمات على نحو يهدد وحدة وسلامة أراضى الدول العربية.
كما تناولت الاجتماعات أيضًا تنسيق جهود الأجهزة العربية الاستخباراتية المشاركة فى اجتماعات القاهرة وتكامل الخبرات فيما بينها، وتوحيد الرؤى وتطوير آليات مكافحة الإرهاب والحد من ممارسات الدول التى توفر الأغطية الشرعية لتمويل ودعم الإرهاب.

خلال لقائه بالوفود أكد الرئيس السيسى على دعم مصر كافة المبادرات التى من شأنها أن تعزز التعاون بين الدول العربية فى مختلف المجالات فى ظل تزايد حدة الأزمات المتعددة والتحديات المتلاحقة التى تشهدها المنطقة وكذا الساحتين الدولية والإقليمية، والتى تنعكس تداعياتها على أمن واستقرار الدول العربية ومستقبل شعوبها.

عقب انتهاء أعمال المنتدى فى دورته الأولى بدأت التحركات باتجاه تحقيق ما تم الاتفاق عليه بالقاهرة.. من خلال تبادل الاتصالات والرؤى والمعلومات واللقاءات خلال العام الماضى لبحث العديد من الملفات لتحقيق التعاون العربى فى مواجهة المخاطر والتحديات والتهديدات، فى ظل حالة عدم الاستقرار التى تضرب عدد من الدول مما يجعلها مهيئة لاستقبال محاولات هدم مؤسساتها.
وفى إطار حرص مصر على تفعيل دور المنتدى المحورى فى تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة العربية، تم إنشاء مقر له بالقاهرة، وتم افتتاحه خلال الأيام الماضية مع افتتاح الدورة الثانية للمنتدى وبحضور رؤساء أجهزة الاستخبارات العربية والسفير أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية.

جاءت الدورة الثانية للمنتدى 2021 تحمل معها العديد من الملفات لاستكمال وترسيخ دور المنتدى المهم والمحوري، وهو ما أعدته اللجان النوعية المختصة بالمنتدى وما يجعلنا نقف أمام كيان عربى سيكون له دورًا فاعلًا خلال الفترة القادمة فى العديد من الملفات، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ونقل الأموال للتنظيمات الإرهابية وكذلك نقل العناصر الإرهابية والمرتزقة، وهو ما يحدث فى كل من ليبيا واليمن وسوريا، الأمر الذى يتطلب تعاونًا استخباريًا عربيًا، ومكافحة غسيل الأموال والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات.
يستهدف ذلك كله تحقيق الأمن والاستقرار والحفاظ على الدولة الوطنية فى ظل محاولات هدم الدول، سيكون للمنتدى دورًا مهما خلال الفترة القادمة فى ظل حرص مصر على التعاون والتوافق العربى لإيجاد حل لكافة القضايا العربية.

جاء ذلك على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسى فى افتتاح المنتدى مؤكدًا على أهمية تفعيل المنتدى العربى الاستخباراتى كآلية قوية وداعمة للتعاون الاستخباراتى الوثيق بين الدول العربية الشقيقة، فضلًا عن العمل على وضع منظومة متكاملة ومحكمة لمكافحة الإرهاب، تعتمد على تقاسم الأدوار وتبادل الخبرات والتحديث والتطوير المستمر لآليات المواجهة فى هذا الشأن.
كما شدد الرئيس السيسي، على أهمية العمل الجماعى فى إطار الأخوة العربية على استعادة الاستقرار فى كل دول المنطقة، لا سيما التى تشهد حالة من الفوضى، وتعصف بها الأزمات، وتسعى التنظيمات الإرهابية للاستقرار والتمدد فيها، مدعومة بقوى خارجية إقليمية ودولية، مستهدفة صناعة الفوضى من أجل السيطرة على مقدرات أوطاننا العزيزة، مناشدًا المشاركين جميعًا بالتعاون والوقوف صَفًّا واحدًا لنبذ الفرقة وتجاوز أى خلافات من أجل إعلاء مصالح الأوطان والشعوب العربية.

إن ما سيقوم به «المنتدى العربي الاستخبارى» سيسطر لمرحلة جديدة فى التعاون العربي من أجل استقرار المنطقة ومواجهة التحديات وتحقيق آمال وطموحات الشعوب العربية وإعادة بناء الدول التي ضربتها الفوضى والإرهاب.