رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

قوة الدولة

298

فجر يوم الثلاثاء الماضى استيقظ المصريون على مشهد مهيب.. وصول أبناء الجالية المصرية والبعثة الأزهرية ومسؤولى السفارة المصرية فى أفغانستان إلى أرض الوطن على متن الطائرة العسكرية C-300.

عكس المشهد قوة الدولة المصرية وقدرتها ونجاح مؤسساتها فى العمل على حماية أبناء الوطن.

فما إن وطأت أقدام أبناء الجالية المصرية أرض مطار شرق القاهرة حتى سجدوا يقبلون تراب الوطن العزيز وقد غمرتهم مشاعر الفخر والعزة رافعين أعلام مصر مطمئنين فى وطن مستقر آمن.

لم يكن المشهد فى مطار شرق القاهرة جديدًا بالنسبة إليٍّ خاصة بعد 2014؛ فالجمهورية الجديدة تمتلك رؤية وقدرة، وقد استهدف قائدها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ اللحظة الأولى من توليه المسؤولية، حماية الأمن القومى المصرى وحماية المواطن، إبرارًا بالقسم.

ومنذ ذلك التاريخ والمساس بالمواطن المصرى خط أحمر، ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة، ولكنه كان نتاج قوة الدولة التى استعادت مؤسساتها قدرتها ومكانتها، فباتت قادرة على الاضطلاع بدورها فى حماية ورعاية المصريين فى أى مكان على هذا الكوكب.

أعاد المشهد إلى ذهنى كيف قامت الدولة المصرية فى بداية جائحة كورونا بإجلاء المصريين المقيمين فى ووهان فى يناير 2020، وبعدها مع انتشار الجائحة فى كافة دول العالم كانت مصر حريصة على حماية أبنائها فى الداخل والخارج من ذلك الوباء اللعين.

فأجلت رعاياها من الراغبين فى العودة إلى أرض الوطن وتحملت كافة التكاليف وحرصت على تقديم كافة أوجه الرعاية الصحية لهم، لم يكن ذلك ليتحقق لولا قوة الدولة.. فثمة دول عدة بل ودول كبرى رفضت عودة أو إجلاء رعاياها من الدول التى تفشى فيها فيروس كورونا.

بل إن وزير الطيران المدنى الطيار محمد منار قد أقلع بطائرة إضافية تابعة لشركة مصر للطيران من مطار القاهرة إلى لندن ضمن الرحلات التى قامت بها الشركة لإعادة مواطنين مصريين من هناك، وذلك قبل تفعيل قرار تعليق الرحلات فى مارس 2020.. إنها مصر القوية والقادرة على حماية أبنائها، كما عملت وزارة الهجرة على إعادة العالقين المصريين من كافة الدول التى أصابتها كورونا.

وسبق تعامل الدولة ومؤسساتها لحماية المصريين فى الخارج من جائحة كورونا أيضًا ما قامت به عندما أعادت المصريين المختطفين فى ليبيا، وسبق ذلك الثأر للمصريين الذين قتلتهم عناصر تنظيم داعش الإرهابى فى درنة، فكان الرد قويًا بتدمير أهداف لتنظيم داعش، الذى أعلن مسؤوليته عن قتل المصريين، فى رد حاسم قبل طلوع فجر اليوم التالي.

فوجهت القوات المسلحة المصرية ضربة جوية مركزة فجر يوم الإثنين 16 فبراير 2015 ضد معسكرات تنظيم داعش الإرهابى بالأراضى الليبية، وذلك تنفيذًا للقرارات الصادرة عن مجلس الدفاع الوطنى بحق مصر فى الدفاع عن أمن واستقرار شعبها العظيم، والقصاص والرد على الأعمال الإجرامية للعناصر والتنظيمات الإرهابية داخل وخارج البلاد، وقد حققت الضربة أهدافها بدقة.

لم يكن ذلك ليتحقق لو لم تكن مؤسسات الدولة مكتملة، بل وقادرة على القيام بدورها.

كل ما سبق وأحداث أخرى دارت فى ذهنى وأنا أشاهد وصول أبناء الجالية المصرية وأعضاء البعثة الأزهرية وأعضاء السفارة المصرية فى أفغانستان وأسرهم إلى أرض الوطن.. تكسو وجوههم فرحة لا أظننى أستطيع وصفها، إلا إذا استطاع أحدنا أن يصف شعور من يعود إلى الحياة مرة أخرى!

ولست مبالغًا فى ذلك لأن ما حدث يوم الأحد قبل الماضى الخامس عشر من أغسطس لا يمكن أن يُوصف، فالمشهد المرعب الذى شاهدناه جميعًا فى مطار كابول وقد التصقت أجساد الفارين بمعدن الطائرات الأمريكية بحثًا عن مكان بها، بل إن صور الأجساد المكدَّسة داخل طائرات النقل العسكرية الأمريكية سيظل محفورًا فى الأذهان يصعب نسيانه.

هذا ليس فيلمًا سينمائيًا يحوى مشاهد دراماتيكية، وليس دراما هندية ولكنها مشاهد واقعية كانت فيها أقدام البعض ممن كانوا على أرض المطار تسابق عجلات طائرات النقل العسكرية ظنًا أنهم بذلك يستطيعون إيجاد مكان لهم على الطائرة.

أعود إلى المشهد فى مطار شرق القاهرة لأتوقف عند عدة نقاط به.

(1)

منذ اللحظة الأولى لتطورات الأحداث فى أفغانستان وإعلان سقوط العاصمة كابول فى أيدى «طالبان» ومغادرة الرئيس الأفغانى «أشرف غني» بلاده ومعه أسرته إلى الإمارات.. ومصر تتابع الموقف بدقة من أجل حماية أبناء الجالية المصرية هناك، والعمل على إجلائهم تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو ما أكده أحد مسؤولى السفارة المصرية العائدين على متن الطائرة العسكرية C-300.

(2)

عمل رجال المخابرات العامة المصرية وبالتعاون مع مؤسسات الدولة المختلفة باحترافية شديدة وبدقة متناهية على التواصل مع كافة المصريين من أبناء الجالية المصرية فى أفغانستان وعدد من المواطنين المقيمين هناك وأبدوا رغبتهم فى العودة إلى مصر، وكذلك أعضاء البعثة الأزهرية لتأمين وصولهم إلى السفارة المصرية فى كابول ثم إلى مطار حامد كرزاى الدولى لتقلهم طائرة عسكرية مجهزة لنقل أبناء الجالية المصرية إلى أرض الوطن، وذلك وسط معاناة كثيرين من صعوبة الوصول إلى مطار العاصمة، وتلميحات من جانب طالبان بوقف الجسور الجوية.

ووفق تنسيق أمنى جرى على أعلى مستوى بحسب السكرتير الأول حسن عبد السلام النجار، القائم بأعمال السفارة المصرية فى أفغانستان بالإنابة، بدأت من اختيار التوقيت المناسب لتحرك البعثة الدبلوماسية المصرية إلى مطار حامد كرزاى الدولى دون التعرض لأى مخاطر أمنية، فضلًا عن تأمين التحركات كاملة حتى عادت البعثة بسلام.

وسبق وصول الجالية المصرية استعدادات مكثفة، فى استقبال العائدين بمطار شرق القاهرة، وعمل فحوصات طبيبة لهم وإتمام إجراءات وصولهم.

(3)

لولا قوة الدولة المصرية وما تمتلكه من قدرات وإرادة سياسية قوية ومكانة دولية لما استطاعت أن تنجز تلك المهمة فى ذلك التوقيت.. فقد عجزت دول كبرى عن فعل ذلك مع رعاياها ولم تستطع إجلاء رعاياها من أفغانستان.

حرصت القيادة السياسية على تثبيت أركان الدولة وتطوير وتحديث مؤسساتها والاستفادة من قوى الدولة الشاملة مما جعل الدولة قادرة على حماية مقدراتها والحفاظ على أمن وسلامة أبنائها فى أى مكان.. داخل وخارج حدود الدولة المصرية، ما خلق حالة من الثقة بين المواطن والدولة.

 (4)

مشهد الأطفال من أبناء الجالية المصرية فى أفغانستان وقد كست وجوههم السعادة وهم يلهون على أرض مطار شرق القاهرة عقب عودتهم إلى أرض الوطن.. عبر عن أن استقرار الوطن وقوته دائمًا ما ينعكس على أمن واستقرار وسلامة مواطنيه.

إن عملية إجلاء مصر لرعايها وعودتهم إلى أرض الوطن بسلام فى ظل عدم استقرار الأوضاع فى الدولة التى كانوا يقيمون بها (أفغانستان) تبرهن على قوة الدولة المصرية.

تذكرت ما التقطته عدسة مصور وكالة «رويترز» فى التاسع عشر من أغسطس الجارى من صور فى مطار حامد كرزاى الدولى بالعاصمة الأفغانية كابول، لرجل أفغانى قام بتسليم طفله الرضيع للقوات الأمريكية بعد فشله فى أن يغادر أفغانستان، وفى اليوم التالى نشرت الوكالة صورًا للرضيع يحمله أحد جنود المارينز بعد أن فارق والده الذى فقد الأمن والاستقرار لطفله فى وطنه فدفع به إلى المجهول.