رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تحرير الأمم المتحدة من قبضة الدول الكبرى

796

سوسن أبو حسين

مواقف دولية عدة أدت إلى طلب العديد من الدول بتغيير بعض البنود في لوائح المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وما يتبعها من هيئات مثل مجلس الأمن خاصة بعد التحيز الواضح من الدول الكبرى التي تستغل هذه المنظمات لتحقيق مصالحها وأهدافها كما حدث من الولايات المتحدة الأمريكية التي توظف حق النقض «الفيتو» لدعم إسرائيل رغم مجازرها ضد الفلسطينيين خاصة في أزمة غزة الحالية.

الدعوة لإصلاح الأمم المتحدة تعود إلى بداية وجود المنظمة الدولية، وهناك لجان تعمل بالفعل من أجل الإصلاح والتطوير منذ الستينيات والسبعينيات وإلى اليوم الذى شهد سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على قراراتها من خلال حق النقض «الفيتو»، وطالبت دراسات وأبحاث عديدة بتحرير هذا الجهاز من قبضة المسيطرين عليه فى وثيقة الإعلان منذ عام 1945 وحتى قبل هذا التاريخ بدأت محاولات الهيمنة والسيطرة الأمريكية مع فكرة إنشاء المنظمة منذ عام 1943 عندما اقترح الرئيس الأمريكي (فرانكلين ديلانو روزفلت) تسمية الأمم المتحدة وكان أول استخدام لهذا التعبير فى بداية يناير عام 1942 حيث أعلنت الدول الخمس الدائمة العضوية فى مجلس الأمن تحالفها على وضع ترتيبات للمحافظة على السلم والأمن العالميين وفقا لتصوراتها.

تحرير الأمم المتحدة

ومن هنا كان عنوان كتاب (تحرير الأمم المتحدة)، لكاتبة هذه السطور، الذي أخذ فى الاعتبار السجل الحافل لهذه المنظمة الدولية ومطابقة ما أنتجته من إنجازات وإخفاقات على أرض الواقع، واتفق الكتاب مع ما انتهى إليه الباحثون من ربط بين مصير الأمم المتحدة والنظام العالمي الذي فشل فى تلبية الطموحات التي تتطلبها العدالة الدولية، ورصد الكتاب منطق القوة الذي تم تطبيقه بمفاهيم جديدة وأساليب أكثر قوة ومع ذلك لم تتمكن هذه المفاهيم من إخضاع الكثير من الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة لتوجهات القوى الكبرى المهيمنة عليها.
وكان الدافع للبحث فى هذا الموضوع ما انتهى إليه حال الدول المهمشة حيث تم رصد قصور أداء الأمم المتحدة وتسجيل عجزها عن القيام بدورها فى حل المنازعات وحفظ السلام على نحو يحقق مصالح أعضائها بصورة متوازنة خاصة فى إفريقيا والوطن العربى حيث إن أغلب القضايا المطروحة فى الأمم المتحدة، عربية وإفريقية والقرارات المتصلة بها تنقصها العدالة والموضوعية
ولا تقدم حلولا للمشكلات والمواقف التي تتعرض لها.

عجز عن الحلول

وتبين أن الأمم المتحدة عاجزة تماما عن تقديم حلول للنزاعات المزمنة والمعقدة التي كان وقودها تدخلات الدول الكبرى ومن هنا فإن الموقف يستدعى تشكيل هيئة أمم متحدة متعدد الأقطاب تمثل فيها جميع القارات كي يتحقق التوازن والديمقراطية فى كل أجنحة هذه المنظمة الدولية وحتى تكون أممًًا متحدة بحق عليها أن تبدأ بالممكن وهي توسيع عضوية مجلس الأمن وأن تحصل إفريقيا على مقعد دائم أسوة ببقية القارات وأن يتم تقليص حق استخدام الفيتو وتطوير الأنظمة والبرامج والمهام والهيئات التابعة للأمم المتحدة مع اتساع رقعة الصراعات.

واليوم باتت المنظمة الدولية على حافة الانحدار بعد أن فقدت دورها فى حفظ السلم والأمن العالميين وبعد أن أصبحت أداة للسياسة الأمريكية ولذا فإن الحقبة القادمة ستضعها أمام أحد مصيرين، إما أن تتحول إلى منظمة تخدم مصالح دولة مهيمنة وإما أن تعزز تعددية قطبية تستطيع إعادة الحيادية والفاعلية. ويجب أن تدعو الأمم المتحدة لإنهاء الحروب والنزاعات وتؤسس لديمقراطية شاملة وليس الخضوع لتعليمات من الكبار والأقوياء والضعفاء والمهمشين.

وقدم الفصل الأخير لكتاب (تحرير الأمم المتحدة) توجهات المنظمات الإقليمية بشأن الإصلاح والمقدمة من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، منها أحقية الدول العربية فى مقعد دائم بالأمم المتحدة، كما أن عملية الإصلاح تهدف إلى استعادة وتعزيز دور الجمعية العامة للأمم المتحدة فى حفظ الأمن والسلم الدوليين باعتبارها الجهاز التشريعى الدولي الرئيسي الذي يضم العضوية العامة للمنظمات الدولية، وتأكيد دور الجمعية العامة فى حل النزاعات وإحلال وبناء السلام وذلك من خلال إشرافها على لجنة بناء السلام ووضع آليات كفيلة باحترام وإنفاذ قرارات الجمعية.

توسيع عضوية المجلس

وفيما يتعلق بمجلس الأمن تم طرح توسيع عضوية المجلس بما يحقق تمثيلا أكبر للعضوية العامة وإصلاح الخلل الحالي والتأكيد على ضرورة الحد من استخدام حق النقض فى مجلس الأمن وجعله فى أضيق الحدود ووضع الضوابط اللازمة لذلك ومنها اقتصاره على القرارات التي تتخذ تحت الفصل السابع وبشروط واضحة، والتأكيد على أهمية وضع وإقرار معايير دقيقة ومبادئ واضحة يتم على أساسها اختيار المرشحين للعضوية الدائمة فى مجلس الأمن.

وخلال اجتماع جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري فى دورته العادية عام 2005 بشأن إصلاح الأمم المتحدة تم دعم مساعي مصر للحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن فى حال توسيع العضوية الدائمة ومقترحات كثيرة حول التوازن بين القارات فى المقاعد الدائمة والمتناوبة.

ومن بين المقترحات العربية أيضا فى ديسمبر 2004، قدمت اللجنة رفيعة المستوى تقريرها إلى الأمين العام للأمم المتحدة والذي تحدث عن أربعة مبادئ أساسية لإصلاح مجلس الأمن هي أن يشارك فى اتخاذ القرار من يقدمون أكبر المساهمات للأمم المتحدة ماليا وعسكريا ودبلوماسيا ومشاركة العالم النامي فى اتخاذ القرار وألا يؤدي الإصلاح إلى إضعاف فعالية مجلس الأمن وزيادة الطابع الديمقراطي للمجلس وأن يجعله أكثر خضوعا للمساءلة واقترحت اللجنة رفيعة المستوى معالجة أسلوب توسيع العضوية فى مجلس الأمن على أساس المناطق الجغرافية وقد رفضت اللجنة توسيع حق النقض الفيتو ورأت أن يبقى على الدول الخمس دائمة العضوية.

واستمر النقاش دون توصل إلى وضع نهائي على الرغم من المبادئ المعلنة عن الهدف من توسيع مجلس الأمن وهو جعله أكثر ديمقراطية وأوسع تمثيلا وفاعلية إلا أن الواقع يتحدث عن المصالح الذاتية للدول التي تحكم الحوار وتحدد المواقف، ومن المهم اتخاذ قرار عربي يبلور موقفا موحدا حيث إن موقف الدول العربية فى الحصول على مقعد دائم لا يزال ضعيفا بسبب عدة عوامل أهمها انقسامها إلى مجموعتين جغرافيتين ( إفريقيا – آسيا ) مما يضعف ثقلها إضافة إلى وجود قوى كبيرة فى آسيا يصعب منافستها مثل الهند واليابان.

إصلاح الأمم المتحدة

أما بالنسبة إلى إفريقيا فقد اتخذ الاتحاد الإفريقى قرارا ووافق على توصيات لجنة الخمسة عشر التي شكلها بشأن إصلاح الأمم المتحدة ومنها مسألة توسيع العضوية على أن يكون لإفريقيا على الأقل مقعدان دائمان مع جميع الصلاحيات والامتيازات المقرونة بالعضوية الدائمة بما فى ذلك حق النقض وخمسة مقاعد غير دائمة.

ومن بين المقترحات كان من المفترض استمرار التحرك العربي فى إطار المجموعتين الإفريقية والآسيوية لتعزيز حصول الدول العربية على تمثيل فى مجلس الأمن يتناسب مع حجمهما.

وبالفعل تزايد الاهتمام خلال العقود الماضية وخلال الماضي القريب بموضوع إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن مع ظهور التحديات العديدة والجديدة التي بدأت تواجهها الأمم المتحدة ومع اهتزاز مصداقيتها كإطار فاعل للعلاقات المتعددة الأطراف وللأمن الجماعي إلا أن الأحداث المتجددة التي شهدها العالم مؤخرا ساهمت وبشكل كبير فى سطوة وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على القرار العالمي والدولي خدمة لمواقع نفوذها ومصالحها على المستويات الثلاثة العربي والأفريقي والدولي والأكثر من ذلك طالت ذراع واشنطن كل المؤسسات التي من الممكن أن تساهم فى نشر السلام ومنع الحروب.

وعن عدد المرات التي استخدمت خلالها الفيتو لصالح تل أبيب فحدث ولا حرج حتى القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والخاصة بالقضية الفلسطينية وإسرائيل فلا تجد طريقها إلى النور حتى اليوم بسبب الأذرع الأمريكية التي تستخدمها لخدمة حليفها الوحيد فى الشرق الأوسط، إسرائيل، التي ارتكبت كل جرائم الإبادة والحروب بدعم وبتمويل ومساعدة ومساندة واشنطن وصمت دولي قوي زاد من إشعال المنطقة بالحروب.