رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

“العقارب”حيـاة واستثمار

2736

روضة فؤاد

تصوير – خالد بسيونى

العقرب.. اسم رتبة من الحيوانات اللافقارية، تنتمي إلى طائفة العنكبوتيات، ارتبطت فى أذهاننا بكلمات «الخطر» و«الموت»، لما تسببه لدغتها من خطورة على الحياة، أو ربما نتذكرها كأكلة غريبة يقبل عليها شعوب جنوب شرق آسيا، ولكن يبدو أن الفترة القادمة سيرتبط اسم «العقرب» لدينا بصناعة كبرى، سيكون لمصر الريادة فيها، حيث ستشهد الأيام القادمة افتتاح أول مشروع لإنتاج «سم العقارب» في محافظة الوادى الجديد، سيكون الأول من نوعه في مصر والشرق الأوسط.
وقبل الافتتاح الرسمى للمشروع، الذى من المقرر أن يحضره عدد من الوزراء بينهم وزير الزراعة، ومحافظ الوادى الجديد، زارت «أكتوبر» تلك المزرعة الفريدة من نوعها وتحدثت مع أصحاب المشروع، للتعرف بشكل تفصيلى على فكرتهم، وكيفية تنفيذها.
«أحمد أبو السعود» مهندس عمل فى مجال البترول لمدة 17 عامًا، قبل أن يقرر ترك عمله والتفرغ لهذا المشروع، قال «تنتشر العقارب بشكل كبير فى محافظة الوادى الجديد، وتمثل خطورة على حياة المواطنين، وعلى الرغم من توفر الأمصال التى ساعدت على نجاة الآلاف من المواطنين، إلا أن انتشار العقارب لايزال يمثل أزمة كبرى يعانى منها الأهالى، ومن هنا فكرت فى مشروع لإنتاج سم العقارب، خاصة أننى قرأت كثيرًا فى هذا الموضوع، ووجدت أن هذا النوع من السموم هو الأغلى فى العالم، لذا فكرت في إقامة هذه المزرعة المتخصصة فى اصطياد العقارب، وجمعها، واستخلاص السم منها، والاستفادة منها سواء محليًا أو من خلال التصدير».
و على الرغم من أهمية هذا المشروع، إلا أن تنفيذه لم يكن أمرًا سهلاً، خاصة أنه يحتاج لتكلفة عالية، كما أنه يُعد الأول من نوعه ليس فى مصر فقط، بل فى الشرق الأوسط بأكمله، إذ لا يوجد دول معينة توجد لديها مثل هذا النوع من المزارع.
التحدي الأول
وعن هذا الأمر قال المهندس أحمد : «تعد دولتا المغرب والسودان من الدول التى يقوم فيها الأهالى بجمع العقارب، واستخلاص السم، ثم تصديرها لأوروبا، ولكن دون وجود مزارع متخصصة فى هذا الأمر، ومن هنا قررت البدء فى المشروع، وأن يكون لمصر السبق فى هذا المجال، وتواصلت مع المهندس محمد عبد الوهاب، وهو مهندس زراعى من الوادى الجديد أيضًا، وتحمس جدًا للفكرة، وقررنا سويًا تنفيذ المشروع».
كان التحدي الأولى الذي واجه المهندسان «أحمد أبو السعود»، و»محمد عبد الوهاب تتعلق بالأرض التى سيتم عليها تنفيذ المشروع، خاصة بعد أن قررا ألا يقتصر على إنتاج سم العقارب فقط، وجعله مشروعًا متكاملًا، عبارة عن مجمع زراعى وصناعى يقوم على إنتاج سم العقرب، و سم النحل، والنباتات العطرية والطبية، بالإضافة إلى جزء خاص بالإنتاج الحيوانى والداجنى، كل هذه المشروعات تحتاج إلى توافر مساحة هائلة من الأرض.
وعن هذا التحدي قال المهندس أحمد «توجهنا إلى محافظ الوادى الجديد اللواء محمد الزملوط الذى تحمس للمشروع بشكل لم نكن نتوقعه، وقرر تبنى الفكرة ودعمها بكل قوة، وتذليل أى عقبات فد تواجهنا أثناء تنفيذ المشروع، وبالفعل وافق على منحنا 200 فدان فى مدينة موط بمركز الداخلة، وتتميز هذه الأراضى بأنها بعيدة عن التجمعات العمرانية، وبدأنا العمل فعليًا فى مارس الماضى، حيث تم حفر البئر، وإنشاء الصوب الزراعية، وبالإضافة إلى الخطوة الأهم فى المشروع وهى إنشاء مبنى متكامل خاص بالعقارب، وقد تكلف هذا المبنى نحو 500 ألف جنيه، حيث يضم أماكن لجمع العقارب وتخزينها، ومعمل خاص لاستخلاص السم، ويتميز هذا المبنى بأنه آمن تمامًا.
جمع العقارب
داخل المزرعة، كان العمل يسير على قدم وساق وبشكل متواز، حيث يتم تجهيز الأرض للزراعة، وفى نفس الوقت كان العمال يسابقون الزمن للانتهاء من المبنى الذى يتم فيه وضع العقارب.
وتابع المهندس «محمد عبد الوهاب» الشريك الثاني في المشروع الحديث قائلا: «كما ذكر صديقى المهندس أحمد، فهدفنا الأساسى هو أن نغطى 200 فدان بمختلف الزراعات، سواء كانت نباتات عطرية وطبية، وأيضًا المحاصيل القومية التى يتميز بها الوادى مثل البلح، كما نسعى لأن يكون لدينا إنتاج حيوانى وداجنى، لذا سنقوم بزراعة محاصيل الأعلاف، بالإضافة إلى جزء خاص بالصوب الزراعية، نهدف به لتوفير الخضراوات لأهالى المحافظة.
وواصل عبد الوهاب حديثه قائلا: «كما ترون، فإن جميع المشروعات مرتبطة ببعض، وقد تضمنت المرحلة الأولى للمشروع تجهيز الأرض، بمعنى إعدادها وزراعتها، وإنشاء صوب زراعية، تركيب الطاقة الشمسية، تنفيذ شبكات رى متطور، إلى جانب عمل منحل صغير، لكى يتم الاستفادة من هالك النحل فى تغذية العقارب».
استخلاص السم
عودة إلى الحديث عن العقارب مرة أخرى، وهو المشروع الأساسى فى المزرعة، تحدث المهندس أحمد عن مراحل جمع العقارب، وتخزينها، حتى استحلابها، أو استخلاص السم منها، وبيعها وتصديرها للخارج، فقال: «يتم جمع العقارب من المزارع والقرى والتى تنتشر فيها مئات بل آلاف العقارب، حيث نخرج فى رحلات صيد ليلية بالاتفاق مع أصحاب البيوت والأراضى، والأمر لا يوجد فيه أى نوع من الخطورة، خاصة إننا نتبع جميع إجراءات السلامة التى لا تجعل هناك خطورة عند اصطياد العقارب، وتتضمن هذه الإجراءات ارتداء أحذية معينة «سيفتى»، قفازات، كما نقوم بالإمساك بالحيوان بما يطلق عليه «مساكات»، ويكون معنا كشافات فوق بنفسجية يتم استيرادها خصيصًا ، وتساعد هذه الكشافات على إظهار العقرب، حتى إذا كان متواجدًا داخل الجحر الخاص به، وقد يصل عدد العقارب التى يتم اصطيادها فى المرة الواحدة لـ300 أو 400 عقرب، وأذكر أنه فى إحدى المرات التى ذهبت فيها لإحدى المزارع، فوجىء صاحب الأرض بأن مزرعته يوجد بها هذا العدد الهائل من العقارب، ومع نجاح المشروع، بدأ كثير من المزارعين مساعدتنا فى جمع العقارب، حيث نقوم بإعطائهم الكشافات، والأدوات، والملابس المناسبة لهذا العمل».
الفائدة المزدوجة
«فائدة مزدوجة يجنيها المزارع من جمع العقارب من مزرعته» هكذا أكد المهندس أحمد الأمر قائلا: «تتمثل الفائدة الأولى من التخلص من خطورتها على الأشخاص، أما الفائدة الأخرى فهى إننا نقوم بشراء العقارب التى يقوم باصطيادها، فيحقق بذلك مكسبًا ماديًا».
وعن أسعار شراء العقارب، قال «يتراوح سعر العقرب الواحد من جنيه إلى 4 جنيهات على حسب النوع والحجم».
موسم الجمع
«يستمر جمع العقارب طوال موسم الصيف، وفى فصل الشتاء يكون هناك صعوبة فى الصيد، لأن العقارب تكون فى حالة بيات شتوى، حيث تختبىء فى أماكن تحددها للدفء، وحتى الآن تم جمع حوالى 6 الآف عقرب»، هذا ما أكده المهندس أحمد وأضاف: «نستهدف فى المرحلة الأولى جمع نحو 50 ألف عقرب، حيث يستوعب المبنى الذى انتهينا من إنشائه هذا العدد من العقارب، بعد ذلك نضع العقارب فى صناديق أو برطمانات بلاستيكية بها فتحات تهوية».
وشرح المهندس أحمد أنه «فى المرحلة التالية، تتم عملية الاستحلاب أو استخلاص السم من العقرب، ويقوم بها أطباء بيطريين متخصصين ومدربين على هذا الأمر، ويتم ذلك باستخدام أجهزة معينة، حيث تتم العملية بشكل دقيق، حيث نحافظ على العقرب سليم، فلا يتعرض بأى خبطة أو كدمة أثناء عملية الاستحلاب، بعدها يتم تغذيته جيدًا، لكى تتم الاستفادة منه مرة أخرى، وتتم عملية الاستحلاب كل 20 يومًا، ولكى يتم إنتاج جرام واحد من سم العقرب، يتم استحلاب نحو 2000 عقرب»، وأوضح المهندس أحمد «أن تغذية العقارب مهمة جدًا، لكى يعيش أطول فترة ممكنة، إذ تتغذى العقارب على الحشرات، أو الهالك من النحل، الذى قضى عمره الافتراضى، وهذا من أسباب اهتمامنا بعمل مناحل النحل، فالنحل سيخرج منه العسل، والهالك من النحل تأكله العقارب، كما يمكن تتغذى العقارب أيضًا على الدود الذى نستخدمه أيضًا كسماد حيوى للأرض، فكما قلت سابقًا جميع الأشياء مرتبطة ببعض».
مرحلة الاستفادة
كيف يمكن الاستفادة من سم العقارب، هذا هو السؤال الأهم الذى أجاب عليه المهندس محمد عبد الوهاب قائلا: «يتم الاستفادة من العقارب فى إنتاج أمصال، بالإضافة إلى تصدير السم للخارج، وخاصة دول بريطانيا، استراليا والهند، حيث تستخدمه هذه الدول فى علاج كثير من الأمراض، خاصة أمراض القلب، الأورام والأمراض السرطانية، وتفضل هذه الدول نوع العقارب التى يطلق عليه «لورياس» الذى ينتشر فى الوادى الجديد، حيث تتعدى نسبة البروتين فى هذا النوع 80%».
تنفيذ مشروع بهذه الضخامة يحتاج لعمالة كبيرة للعمل فى المشروعات المرتبطة بمزرعة العقارب، وهو ما أوضحه المهندس أحمد قائلا: «يوفر المشروع فرص عمل عديدة لأبناء المحافظة، سواء المتعلقة بصيد العقارب وجمعها، أو مزارعين للعمل فى زراعة الأرض، فالمشروع يحقق فائدة كبيرة لأبناء المحافظة».