مقال رئيس التحرير كاملاً “سيناء.. خمسة عقود من الحديث عن التنمية”

130

13523 يومًا مضت منذ رفع العلم المصري على مدينتى رفح وشرم الشيخ، تنفيذا للاتفاقية التي وقعت في البيت الأبيض 18 سبتمبر 1978 ومعاهدة السلام الموقعة في 26 مارس 1979، ووفقاً لقراري مجلس الأمن 242 و238 اللذين قضيا بسحب إسرائيل لقواتها المسلحة والمدنيين من سيناء وأن تستأنف مصر ممارسة سيادتها الكاملة على سيناء، وتم تحديد جدول زمني للانسحاب.

 

فى 26 مايو 1979 تم رفع العلم المصري على مدينة العريش، وانسحبت إسرائيل من خط العريش – رأس محمد، وفي 26 يوليو 1979 كان الانسحاب من أبو زنيمة حتى أبو خربة، وفي 19 نوفمبر 1979 من سانت كاترين ووادي الطور، وفي ‏25إبريل ‏1982‏ تم رفع العلم المصري على مدينة رفح وشرم الشيخ، ثم عادت طابا في 30 سبتمبر 1988، وصار يوم 25 إبريل عيداً قومياً.
ورغم طول الفترة الزمنية التى عاد كامل التراب الوطنى فيها، إلا أن التنمية فى سيناء شهدت محطات عدة لم يكن أولها عقب رفع العلم المصرى على رفح وشرم الشيخ عام 1982 وإنما سبق ذلك بكثير.

(1)

عقب العدوان الثلاثى على مصر وقيام إسرائيل باجتياح سيناء، أدرك الرئيس جمال عبد الناصر فى ذلك الوقت خطورة عدم وجود تنمية حقيقية لبوابة مصر الشرقية، بالإضافة إلى انخفاض الكثافة السكانية.
هنا قرر الرئيس عبد الناصر عقب انتهاء العدوان الثلاثى.. البدء فى تنمية سيناء، وجاء التوجيه بوضع استراتيجية لتنميتها؛ إلا أن الحلم لم يتحقق منه سوى القرار وبضع أوراق بحثية بشأنه حبست فى أدراج مسئولى وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى.

وتسارعت الأحداث لتستغل إسرائيل الأوضاع المصرية ووجود جزء من قواتها المسلحة فى اليمن واستمرار خلو وسط سيناء من السكان، ليأتى الاجتياح الإسرائيلى الثانى فى يونيو 1967 من خط الحدود الدولية باتجاه قناة السويس، وخلال ساعات كانت إسرائيل قد اجتاحت معظم سيناء عدا المناطق المأهولة بالسكان والتى استعصت عليهم وظلت الحرب دائرة بها فلم تسقط العريش فى يد الاحتلال سوى يوم 14 يونيو 67 وظلت ثمانية أيام صامدة، فى مواجهة المحتل الذى حاصرها واستخدم جميع أنواع الأسلحة لديه.

كما ظلت منطقة «بور فؤاد» المنطقة الوحيدة شرق القناة التى لم تحتل، وبالقرب منها كانت أولى معارك الاستنزاف وبداية الطريق نحو تحرير الأرض؛ كانت معركة رأس العش.

(2)

عقب انتصار الجيش المصرى فى 6 أكتوبر 73 وبعد قبول قرار وقف إطلاق النار وبدء مباحثات الكيلو 101 أدرك الرئيس السادات أهمية الاستعداد لتنمية سيناء بالكامل كى تزرع بالبشر ويكون ذلك خطوة نحو تأمين بوابة مصر الشرقية.

وفى عام 1974 وضع الرئيس السادات مع مجموعة من علماء مصر، استراتيجية لتنمية سيناء، أطلق عليها فى ذلك الوقت «ورقة سيناء» وخلال شهر إبريل من نفس العام أعلن الرئيس السادات إنشاء الجهاز القومى لتنمية وتعمير سيناء.

وبدأت مفاوضات السلام تتجه نحو توقيع اتفاق بشأن تسليم إسرائيل للأراضى المصرية، واستهدف الرئيس السادات عقب تسلم سيناء تنميتها زراعيًا وصناعيًا.
إلا أن «ورقة أكتوبر» لم يتحقق منها على أرض الواقع شىء سوى إنشاء الجهاز الخاص بتنمية وتعمير سيناء.

كان الرئيس السادات قد أعطى توجيهًا فى 1979 بالبدء فى تنمية شمال ووسط سيناء، فكان حريصًا على أن يقضى بعض أيام إجازته فى منطقة وادى الراحة بسانت كاترين.
استشهد الرئيس السادات فى أكتوبر 1981 وتوقف المشروع بالكامل.

( 3)

لم تنتبه مصر إلى تنمية سيناء حتى عام 1994 أى بعد 20 عامًا من «ورقة أكتوبر» التى وضعها السادات وعدد من علماء مصر.
فى 13 أكتوبر 1994 أقر مجلس الوزراء استراتيجية التنمية لسيناء ضمن خطة وزارة الرى والموارد المائية، وأصبحت إحدى مشروعات خطة التنمية الشاملة.

وفى سبتمبر 2000 تم إعادة رسم استراتيجية التنمية لتضم محافظات القناة، حيث بلغت التكلفة الاستثمارية الجديدة 110.6 مليار جنيه منها 64 مليار جنيه لشمال سيناء، 46.6 مليار جنيه لجنوب سيناء.
ورغم المبلغ الضخم الذى تم رصده، إلا أن واقع سيناء لم يرَ ما كان مستهدفًا من تلك الاستراتيجية، سوى بعض المشروعات التى كان من بينها مشروع ترعة السلام التى لم تحدث التنمية الزراعية المحددة لها، ولم تصنع تجمعات سكانية على جانبيها.

وتعثر المشروع أكثر من مرة ولم يحظ شمال سيناء بالتنمية سوى إنشاء كوبرى السلام، فى الوقت نفسه لم يكتمل خط السكك الحديدية الإسماعيلية العريش رفح، وافتتحت المرحلة الأولى منه حتى بئر العبد، إلا أنه توقف دون إبداء أسباب.

وكما هو الحال فى مشروع السكك الحديدية، بسيناء كان الوضع بالنسبة للتنمية بشكل عام.
وتحولت تنمية سيناء إلى مجرد مشروع يتم الحديث عنه ولا يجد له مكانا على أرض الواقع.

(4)

عقب ثورة يناير 2011 عاد الحديث عن أهمية تنمية سيناء بشكل حقيقى بعد أن غابت عنها التنمية، وفى 19 يناير 2012 أصدر المجلس العسكرى المرسوم بقانون رقم 14 لسنة 2012، بشأن التنمية المتكاملة فى شبه جزيرة سيناء – وفى 13 سبتمبر 2012 صدر القرار رقم 959 لسنة 2012 بشأن إصدار اللائحة التنفيذية له، وتنفيذًا لحكم المادة السابعة من قانون رقم 14 لسنة 2012، صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 600 لسنة 2012، بشأن تشكيل مجلس إدارة الجهاز الوطنى لتنمية شبه جزيرة سيناء، برئاسة اللواء محمد شوقى رشوان، وظل القرار شكليًا، ولم تتم أى مشروعات فعلية على أرض الواقع.
فى الأول من فبراير 2015 قرر الرئيس عبد الفتاح السيسى تخصيص ميزانية قدرها 10 مليارات جنيه للتنمية.

(5)

وخلال السنوات الأربع الأخيرة تحول حلم تنمية سيناء إلى واقع.. وكانت البداية منذ تم الإعداد لمشروع محور قناة السويس وإنشاء مدينة «سلام مصر» التى ستصبح عاصمة اقتصادية لمصر.
بدء العمل فى تنمية سيناء من خلال إطلاق أكبر مشروع للبنية التحتية ( طرق – مياه – كهرباء – غاز طبيعى)، بالإضافة إلى مشروعات الإسكان والتنمية الزراعية والصناعية والثروة السمكية وإنشاء أكبر ثلاث حزم للأنفاق تربط سيناء بالوادى.

فقد تم إنشاء 4 أنفاق ببورسعيد والإسماعيلية ويجرى العمل فى أنفاق السويس شمال نفق الشهيد أحمد حمدى، بالإضافة إلى مشروعات الرى التى شملت سحارة سرابيوم ومصرف المحسمة وتستهدف الأولى رى 100 ألف فدان فى وسط سيناء، تروى المرحلة الأولى منها 70 ألف فدان، وتهدف إلى توطين السكان وزيادة المساحة الزراعية.

وكذلك نقل مياه مصرف المحسمة بعد معالجتها معالجة ثلاثية، وفق المعايير العالمية لتوفير مليون متر مكعب تنقل إلى شرق القناة لرى 50 ألف فدان فى وسط سيناء.

كما تم إنشاء 2000 كيلو متر طرقًا ضمن تنمية سيناء، ويتم إنفاق ما بين 20 إلى 30 مليار جنيه على تنمية سيناء.

وفى عام 2016 إعلان تأسيس «الشركة الوطنية لاستثمار سيناء»، والتى تعد أحد أهم الأدوات لتنمية سيناء وتحويلها إلى مجتمع تنموى متكامل متطور.

وأصبح مقر الشركة الرئيسى مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، طبقًا لأحكام القانون رقم 159 لسنة 1981، برأس مال مرخص بمبلغ 10 مليارات جنيه، ورأس مال مصدر 1.4 مليار جنيه، وهى تضم مجموعة من الكيانات القوية المتمثلة فى بنك الاستثمار القومى بنسبة 47.1%، جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بنسبة 42.9%، الجهاز الوطنى لتنمية سيناء بنسبة 7.1%، ومحافظة شمال سيناء بنسبة 2.9%.

كما تم تأسيس الشركة الوطنية المصرية للرخام والجرانيت وشركة مصر سيناء للتنمية الصناعية والاستثمار، وتهدف الشركة إلى إقامة مجمعات صناعية لإنتاج الرخام والجرانيت فى أماكن وجود خام الرخام فى محافظات الجمهورية، بحيث تكون البداية من وسط سيناء، لتكون بذلك الشركة الرائدة فى مجال صناعة الرخام والجرانيت فى شبه جزيرة سيناء كمرحلة أولى.

وقد بدأت بالفعل عمليات إقامة المجمع الصناعى الأول لإنتاج الرخام والجرانيت بوسط سيناء.

كما تم إنشاء عدد من المدن الجديدة منها الإسماعيلية الجديدة وهى مقسمة إلى 5 أحياء سكنية، وتحتوى على 3310 عمارات و1220 فيلا، ويصل إجمالى عدد الوحدات السكنية بها إلى 58 ألف وحدة سكنية، ومخطط لها أن تستوعب 314 ألف نسمة.

السويس الجديدة 45 ألف وحدة سكنية كأسبقية أولى.
شرق بورسعيد الجديدة مساحة تبلغ 164400 فدان، وقد تم تخطيط المدينة على أسس التنمية المستدامة، والطاقة النظيفة، لاستيعاب حوالى مليون نسمة. رفح الجديدة على مساحة 535.61 فدانًا تشمل إنشاء 626 عمارة سكنية، بإجمالى 10 آلاف وحدة سكنية بمساحة 120 م2/ الوحدة، إلى جانب 400 منزل بدوى، بالإضافة إلى خدمات مركزية / فرعية تتضمن (محلات تجارية/ حضانات/ مدارس)، وسيتم إنشاء منطقة للحرفيين فى جنوب المدينة.
تم التخطيط لتنفيذ المدينة على مرحلتين، الأولى تشمل 216 عمارة سكنية بإجمالى 3456 وحدة و200 منزل بدوى، والمرحلة الثانية تشمل 410 عمارات سكنية بإجمالى 6560 وحدة سكنية و200 منزل بدوى كما يجرى إنشاء عدد من الجامعات منها جامعة الملك سلمان وجامعة الطور وتطوير جامعة العريش.

 

نظرة يا حكومة

إشارة الإذاعة المفقودة

لا يستطيع أحد أن ينكر حجم ما تحقق وما زال على أرض سيناء من تنمية خلال السنوات الأربع الماضية، إلا أننا لاحظنا خلال جولتنا فى وسط وشرق سيناء ضعفًا شديدًا فى البث، قد يصل إلى حد عدم قدرة أبناء سيناء على التواصل مع الإذاعة المصرية، نظرًا لضعف إشارة البث، فلا تستطيع الاستماع إلى إذاعة وطنك إلا من خلال الستالايت.

فهل يواكب هذا العمل الجبار «تنمية سيناء» النظر فى تقوية إشارة البث الإذاعى، خاصة أن الإذاعة لها دور كبير فى تنمية الوعى لدى المواطنين، وتعد أكثر وسائل الإعلام وصولًا إلى أبناء البادية.