30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

مصر بين ثورتين

131

جاء قرار نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 930 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا بحبس المتهمين من أعضاء ما يسمى بتحالف الأمل، بمثابة قرار كاشف لحجم المعركة التي تدور رحاها في مواجهة الدولة المصرية.
التحالف الذي تعاون مع الجماعة الإرهابية ضم عددا من الشخصيات السياسية والاقتصادية من بينهم زياد العليمي، وحسام مؤنس ومصطفى عبد المعز عبدالستار أحمد، وأسامة عبد العال محمد العقباوي، وعمر محمد شريف أحمد الشنيطي، وهشام فؤاد محمد عبد الحليم، وحسن محمد حسن بربري وأحمد تمام وخالد أبو شادى.

وقام التحالف بالتنسيق مع القيادات اليسارية الموالين للجماعة الإرهابية تحت مسمى «خطة الأمل» التي تقوم على توحيد صفوفهم، وتوفير الدعم المالي من عوائد وأرباح بعض الكيانات الاقتصادية التي يديرها قيادات الجماعة والعناصر اليسارية، لاستهداف الدولة ومؤسساتها، وصولا لإسقاطها تزامنا مع احتفالات 30 يونيو.

 

وكشفت معلومات الأمن الوطنى، أبعاد هذا المخطط، والذى يرتكز على إنشاء مسارات للتدفقات النقدية الواردة من الخارج بطرق غير شرعية، بالتعاون بين جماعة الإخوان الإرهابية، وتم ضبط 19 كيانا اقتصاديا كانت تمر من خلاله تلك الأموال.
القضية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، إنما هى الحرب التى تواجهها مصر ومن المفترض الانتباه إليها جيدًا، فتقاطعات الأحداث وتفاصيل التحركات لمن يستهدفون الوطن خلال الـ 67 عاما الأخيرة تتشابه، مع اختلاف الفترة الزمنية وتغيرات مشاهِدها، ولكن فى النهاية الهدف واحد؛ وهو محاولة إسقاط الدولة المصرية، الأمر الذى عصى عليهم حتى عندما تعثرت وعانت كبوة هزيمة 67، كما عانت حالة ترهل خلال النصف الثانى من التسعينيات وحتى 2011 وما تبعها من أحداث حتى ثورة الشعب واستعادة الوطن فى يونيو 2013.

مشاهد كثيرة وأحداث تتشابه أحيانًا وتختلف أحيانًا أخرى، ولكن فى النهاية تكون الغلبة للشعب المصرى الذى يرفض اختطاف دولته ويؤمن بمؤسساتها الضاربة فى عمق التاريخ، ولم لا وهى أقدم دولة أنشئت فيها المؤسسات والدواوين.

(1)

فى الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 خرجت مجموعة من ضباط الجيش، تحمل أرواح أفرادها على أكفهم، باحثين عن استعادة وطنهم ومقدراته من أيدى الاستعمار وأعوانه (رجال السلطة الفاسدين) لينعم الشعب المصرى بمقدرات وطنه، تحرك الضباط الأحرار من أجل أن تتخلص مصر من فساد رجال الملك وحاشيته الفاسدة الذين امتلكوا مفاصل الدولة وباتت خزائنها فى أيديهم فى الوقت الذى لم يحصل الشعب سوى على ما يسد به رمقه ليبقى حيا يعمل فى السخرة.

وما إن خرج الضباط الأحرار لتخليص وطنهم من الفساد، مساء يوم 22 يوليو، حتى جاء البيان الأول للثورة فى الساعة السابعة والنصف صباح يوم 23 يوليو 52، وجاء نص البيان على لسان الرائد محمد أنور السادات قائلًا: «اجتازت مصر فترة عصيبة فى تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش وتسبب المرتشون والمغرضون فى هزيمتنا فى حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها. وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا فى داخل الجيش رجال نثق فى قدرتهم وفى خلقهم وفى وطنيتهم ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب، أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم فى الوقت المناسب».
وخرجت جموع الشعب المصرى تحمى الجيش الذى استعاد للوطن حريته، فى ذلك الوقت كانت الجماعة الإرهابية (الإخوان) تقف إلى جانب الملك وقد أصدرت إحدى أعداد مجلتها يتصدر غلافها صورة الملك فاروق وذلك فى أغسطس 1942 وقام حسن البنا بطلب مقابلة الملك فى قصر عابدين وتقديم العدد هدية له، إلا أن الجماعة التى جاءت سفاحا من رحم الاستعمار، حاولت أن تلتصق برجال الثورة، وعندما فشلت فى ذلك كانت إحدى أدوات الاحتلال فخططت لحادث المنشية فى 26 أكتوبر عام 54 لاغتيال الرئيس عبد الناصر عقب توقيعه اتفاقية الجلاء فى 19 أكتوبر من نفس العام.

(2)

فى الأول من مايو 2013 أعلن مجموعة من الشباب المصرى عن تكوين حركة شبابية تحت اسم حركة تمرد، بدأت فى جمع التوقيعات على استمارات لسحب الثقة من الرئيس المعزول محمد مرسى، وبدأت الحركة بجمع 200 ألف توقيع خلال الأسبوع الأول وسرعان ما تلقف الشعب بصيص الأمل فى ذلك النفق المظلم بعد حصار الأزمات للمواطنين وعدم قدرة حكومة الإخوان على تقديم ما يدل على تنفيذها لما وعدت خاصة بعد فشل خطة المائة يوم.
تحولت الحركة إلى أيقونة للخلاص من حكم المرشد فى الوقت ذاته كانت غطرسة الجماعة الإرهابية وظنها أن بصعودها إلى رأس السلطة فى مصر لن ينزلها عن تلك المكانة أحد قبل 500 عام.

وتزايدت التوقيعات وفى 12 مايو وخلال مؤتمر صحفى أعلنت الحركة أنها استطاعت جمع 2 مليون و29 ألفاً و592 استمارة توقيع لسحب الثقة، واكتسبت الحركة ثقة الشارع وتزايدت الأعداد حتى بلغت التوقيعات 22 مليونا وبدأت الحركة (تمرد) فى دعوة الموقعين للتظاهر يوم 30 يونيو ضد حكم الإخوان الذى حول الدولة المصرية إلى شبه دولة. فقد هربت الاستثمارات خلال عام حكم الإخوان وحاولت الجماعة تعويضها بقروض من تركيا وقطر، وطرحت الجماعة مشروع تأجير قناة السويس، كما طرحت ما سمى بالصكوك الإسلامية، وتردت الحالة الاقتصادية.

وفى 30 يونيو نزل الشعب إلى الشارع فى مشهد أصاب الجماعة الإرهابية بالارتباك، ووقف الجيش ليحمى ثورة الشعب المصرى الذى أراد استعادة الوطن وما هى إلا 3 أيام حتى سقط حكم الإخوان، فخرج أكثر من 35 مليون مصرى للتظاهر ضد الجماعة الإرهابية؛ وحاولت الجماعة تحريك عناصرها المسلحة التى كانت قد أعدتها من قبل للضغط على الدولة مهددة بإحراق الوطن، وكان بيان 3 يوليو 2013 بمثابة بيان الخلاص من حكم المرشد واستعادة الوطن، والذى ألقاه الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع فى ذلك الوقت بحضور شيخ الأزهر والبابا تواضروس الثانى واثنين من شباب حركة تمرد.
وتم إعلان تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، واحتفل المصريون بإسقاط دولة المرشد واستعادة دولتهم وكانت بداية المعركة الجديدة من قبل التنظيم الإرهابى ضد الدولة المصرية.

(3)

عقب ثورة يوليو 52 حرص الرئيس عبد الناصر عقب توليه المسئولية أن يقود سفينة الوطن نحو مستقبل أفضل، فبدأت الثورة الصناعية، وتم إنشاء أكبر قلعة لصناعة النسيج فى المحلة الكبرى، ولكن أعداء الدولة المصرية ومعاونيهم أبوا أن تنهض مصر لأن بنهضتها ستنهض الأمة العربية، فكانت حرب 56 عقب تأمين ناصر لقناة السويس من أجل بناء السد العالى، وما إن بدأت مصر حركة نهضتها الصناعية حتى تم إنشاء مجمع الحديد والصلب بحلوان وشركة المراجل البخارية والنصر لصناعة السيارات وفى 1960 بدأت مصر مشروع الطائرة النفاثة القاهرة 300 وتم تصنيع محرك خاص للطائرة لتصبح أسرع من الصوت فى ورش مصنع المحركات بحلوان، وبدأت تجربة المحرك فى عام 63 وانطلقت الطائرة فى أول طلعة جوية لها بعد تصنيع 3 نماذج منها فى مارس 1964 وبلغت تكلفة المشروع فى ذلك الوقت 153 مليون جنيه وهو ما يوازى 14 مليار جنيه حاليًا، وتوقف المشروع عقب هزيمة يونيو 67 نظرًا لتحول اقتصاد الدولة إلى اقتصاد حرب.

(4)

عقب ثورة يونيو 2013 بدأت الدولة المصرية فى التحرك لتحقيق مطالب الثورة والتى تمثلت فى «عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية» وبدأت عملية ترميم مؤسسات الدولة التى دمرتها الإرهابية من خلال «أخونة المؤسسات» فى الوقت ذاته عملت الإرهابية على إعاقة الدولة من خلال الدعم القطرى والتركى لها، بالإضافة إلى علاقة الجماعة بالإدارة الأمريكية فى عهد الرئيس باراك أوباما، واستغلت الجماعة أذرعها الإعلامية المختلفة مثل الجزيرة وأخواتها وبدأت أكبر معركة لتزييف الوعى بهدف الانقضاض مرة أخرى على الدولة ولكن كافة محاولاتها باءت بالفشل.

وظنت الجماعة أنها قادرة على تنفيذ المخطط مستهدفة فصل أجزاء من الوطن، وعندما فشلت فى ذلك وأجهضت القوات المسلحة ذلك، أعطت إشارة البدء لعناصرها الإرهابية لاستهداف الدولة فقامت باستهداف مديرية أمن القاهرة والدقهلية ومبنى المخابرات الحربية بالإسماعيلية وعدد من المؤسسات. إلا أن هذا جعل الشعب أكثر تماسكا فى وجه جماعة الدم والتف الشعب حول الجيش، فعقب كلمة الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع فى ذلك الوقت فى 24 يوليو 2013 طالبًا من الشعب تفويضًا لمواجهة الإرهاب، تدفقت جموع المصريين فى كافة الميادين، لتفويض الجيش والشرطة.
ولم يكن الكثير منا يعتقد أن الحرب بهذا الحجم، ولكن الرؤية الدقيقة لدى القيادة كانت ترى المشهد وتقاطعاته بالكامل واستطاعت القوات المسلحة والشرطة أن تنجح فى مواجهة خطر الإرهاب وحماية الدولة.

وفى يونيو 2014 تم انتخاب الرئيس السيسى رئيسًا للجمهورية خلفا للمستشار عدلى منصور الذى تولى رئاسة مصر خلال الفترة الانتقالية.
بدأت الدولة المصرية تستعيد عافيتها وتحقيق مطالب الثورة وبدأت الدولة التى تقف وسط منطقة تموج بالاضطرابات تحدد طريق مستقبلها، فأطلقت أول مشروع قومى لها وهو قناة السويس الجديدة والذى أكد تكاتف الشعب حول وطنه وقيادته لتبدأ خطوات البناء والتعمير بالتوازى مع حرب المواجهة مع الإرهاب.
وواصلت الدول الداعمة للجماعة الإرهابية (تركيا، قطر) دعم العناصر المسلحة عسكريًا وماليًا ولوجيستيًا. وكلما حققت مصر تقدما نحو مشروعها الوطنى ازدادت الحرب ضراوة.

(5)

عقب هزيمة يونيو 67 أصاب الشارع المصرى حالة من الصدمة والارتباك فى البداية وحاول أعداء الدولة المصرية استغلال الحالة (حالة عدم التوازن) للانقضاض على الدولة بالكامل وإفقاد الشعب الثقة فى قيادته وتدمير المشروع المصرى حتى تظل المنطقة تحت رحمة الدول الكبرى، وتعيد تقسيمها وفق محددات لها تخدم فى النهاية أطماعها بالمنطقة، ولكن سرعان ما استعاد الشعب توازنه وأدرك حجم الخطر الذى يحدق بالوطن فالتف حول قواته المسلحة استعدادًا لمعركة تحرير الأرض، فقدم خيرة شباب الوطن دماءهم لتحرير سيناء، وانتصرت مصر واستردت أرضها بالحرب وبالسياسة، وبدأت التحرك لاستعادة البناء مستنهضة المشروع الوطنى إلا أن قوى الشر أبت أن يكون ذلك، واستخدمت الجماعات الإرهابية لاغتيال الرئيس الشهيد محمد أنور السادات فى ذكرى أعظم انتصار – انتصار أكتوبر.

(6)

ما إن بدأت الدولة فى البناء والتحرك نحو التنمية ومعالجة القصور الذى كانت تعانيه الدولة على مدى عقود فى الخدمات، وقامت بحل العديد من المشكلات مثل عجز الكهرباء والمواد البترولية وعلاج أزمة الخبز والسلع الأساسية، كما استطاعت بناء أكبر شبكة للطرق وتطوير البنية الأساسية للدولة وتقليل حجم البطالة، ورفع مستوى الرعاية الصحية واستعادة مصر مكانتها الدولية وعلاقاتها فترأست الاتحاد الإفريقى، وحرصت الدول الكبرى على توطيد علاقتها بمصر، تلك النجاحات كانت وراء حرص خفافيش الظلام وقوى الشر والإرهاب على الاستمرار فى استهداف مصر وهو ما يستوجب منا جميعًا أن ندرك أن جزءا من هذه الحرب هو حرب المعلومات الذى يستهدف تزييف الوعى.

كما يستوجب علينا الالتفاف حول الوطن، وإدراك أن ترويج الشائعات هو أحد أسلحة العدو التى يستهدفنا بها فيجب ألا نكون معاونيه ونحن لا ندرى.
إن القضية الأخيرة التى بدأت بها سطور مقالى هى أكبر دليل على أن قوى الشر لن تهدأ خاصة وهى ترى الدولة المصرية تسير بقوة نحو مستقبل أفضل لشعبها.