30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

الحمد لله لكونك عبدًا حرًا

35

الفشل والعفن والركود مصير كل شىء ثابت لا يتحرك، ومن فضل الله علينا أن كل شىء من حولنا وبداخلنا يتغير، فثبات حالك يعنى فشلك، والإنسان الطموح من يسعى إلى التغيير للأفضل، ومنع تجديد خلايا جسمك يعرضك للموت، وتوقف تدافع الأمواج يجعل مياه البحار والأنهار آسنة وعفنة، حتى المناحى الاقتصادية والسياسية فى عالمنا، لا تعرف وتيرة واحدة وتتغير من عصر إلى عصر ومن مكان إلى مكان، وثبات الأمر يفقدك لذة الحياة وحتما سيقضى عليك، ولك أن تتخيل أن سنة التغيير واحدة من نعم الله عليك التى لا تعد ولا تحصى.

ولذا وجب عليك أن تقول بكامل إرادتك الحمد لله، وتحمده وتثنى عليه لعظيم تشريفه أنه خلقك عبدا له، وخصك عن سائر مخلوقاته بنعمة العقل التى لا يضاهيها قوة على الأرض فى التدبير والتفكير، لتصل لعبادته طواعية منك لا قسرا، ولهذا منحك حرية عبادتك له، وهذامزيد من خصوصية فضله على الإنسان، وقال تعالى: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، ولكى يتم نعمته عليك ويضاعف من تشريفك، يأمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام تحية تقدير وتعظيم، ويوظف من الملائكة ما تحفظك بالنهار والليل، ويتحقق بذلك قوله تعالى: «ولقد كرمنا بنى آدم».

ثم يجزل من عطائه ويسخر لك الكون لتنعم فيه ولتتدبر عظمته، وثانيًا عليك أن تعلم أنالله غنى عن عبادتك، فالملائكة من حول العرش تسبح بحمده، وما من شىء فى السماء والأرض إلا يسبحه ويحمده، وحسبه ثناؤه على نفسه لنفسه فى الأزل، كما قال سيد المرسلين «لا أحصى ثناء عليكأنت كما أثنيت على نفسك».

وأنت فى حياتك لا يمكنك الحصول على ما ترغبه دون مقابل، ومنحك الله جميع نعمه بدون جهد منك، لعلمه بعجز الإنسان عن توفيرها لحياته، كشروق الشمس وغروبها وكسقوط المطر، كخروج الزرع بمختلف ألوانه من أرض واحدة ويسقى بماء واحد.

أفلا يقتضى منا كل ما تقدم وجوب الحمد لرب العالمين، وزيادة من فضله علينا يبعث الأنبياء ليبين لنا منهاج عبادته، وليهدينا إلى الطريق المستقيم بعيدا عن هوى العقل، ومن أجل ألا يطغى بعضنا على البعض، وعطاء ربك لايقف عند هذا الحد فلا يزال يعطى بسخاء، فقد أرسل رحمته المهداة ليبعث فينا مكارم الأخلاق، ومن رحمة الله التى يحمد عليها أنه ساوى فى عطائه بالدنيا بين الكافر والمؤمن لأن الله هو رب للجميع، ولكى تطمئن القلوب يبلغنا بأن رحمته سبقت غضبه، وأنه يقبل توبة عبده ولو جاء بتراب الأرض خطايا، ومن نعمة رحمته طبقا لمعنى الحديث القدسى أن السموات والأرض والجبال تطلب من الله أن تهلك بنى آدم لظلمه ولمنع شكره، فيأبى الله ويقول لهم دعوهم لو خلقتموهم لرحمتموهم.

ومن الفضائل الأخرى لنعمة رحمته، أن العبد لا يدخل الجنة إلا بتغمده إياها، وهو ما ذكره نبينا y، وسُئل حتى أنت يارسول الله فقال: «حتى أنا»، لأن الكمال لا ينسب إلا لله.

ويتوج كل ما سبق من أسباب وجوب الحمد لله، أن الحمد لله فى ذاتها نعمة لابد من الثناء عليها، فحين تقول الحمد لله فى صلاتك يذكرك الله فيمن عنده، ويقول حمدنى عبدى فيزيده الله من فضله، ويقول رسولنا الحبيب y «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله»، ولعظمة الحمد لله كانت أول من نطق بها آدم عليه السلام، وهى أول آية فى أم الكتاب.

ومن كرم الله جعلنا نشكره فى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين فى الميزان، فلو ترك المولى الحمد بلا تحديد لتفاوتت درجات الحمد بين الناس حسب قول الإمام الشيخ الشعراوى، لقالها كل شخص طبقا لقدراته العقلية والعلمية على التعبير بها، فكانت إرادته ليعدل بين عباده فى القول، ويكافئ الجميع حسب يقين كل منهم، وقال المفسرون إنه شمل بكلمة الحمد لله كل صفاته تعالى رحمة بنا، حتىلا نقول تارة حمدا باسم الوهاب وتارة أخرى حمدا باسم القهار، ويحضرنى هنا مثلا عن عظمة نعمة الحمد ولله المثل الأعلى، فحين سأل رجل طاف بأمه حول الكعبة ابن عمر رضى الله عنهما أترانى جزيتها، فقالا ولا بطلقة واحدة من طلقاتها حين الولادة، وهذا حال العبد فى عنائه ليوافى عطاء أمه، فكيف بحال العبد فى الحمد لخالقه، ولكن مجرد ذكره الحمد لله مخلصا فقد حقق المقصد من خلقه.

كيف تكون شكورا:

– أكثر من دعاء «اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» كما علمنا رسولنا.

– تذكر بأنك مسئول عما رزقت به من نعم، وأعلاها أن الله فضلك على سائر مخلوقاتك.

– انظر إلى من أصابه ابتلاء وعفاك الله منه، وكنت تراه سابقا أمرا طبيعيا.

– تفكر فيما حباك الله من نعم، تجدها لاتعد ولا تحصى، وإمعانك فى التفكر فيها يصرفك عن أحزانك ويشعرك بالرضا وباستقرار النفس.