مصر تنتصر

«ورينا شطارتك»

123

«اللى إيده فى الميه.. مش زى اللى إيده فى النار».. صحيح جدًا هذا المثل الشعبى وفى غاية الحكمة.
يذكرنى دائمًا بهؤلاء الذين كثر عددهم جدًا هذه الأيام – وهم فى الحقيقة كثيرون منذ زمن – هؤلاء الذين نطلق عليهم بالبلدى «منظراتية».. الذين لا يتوقفون عن الفتى والتنظير والمناطحة والمجادلة والتحدث فى أى موضوع مهما كانت درجة تخصصه.
فلا تتعجب عندما ترى شخصًا يجلس أمام التليفزيون يشاهد مباراة لكرة القدم وتسمعه يقول: (المدرب غبى.. كان المفروض يعمل كذا وكذا.. وإزاى ينزل اللاعب فلان ومينزلش اللاعب فلان.. على اعتبار أنه خريج أكاديمية التدريب العالمية فى الشرابية.
وأيضًا يصف اللاعب الفلانى بأسوأ الأوصاف والتشبيهات لو أضاع كرة أو أخفق فى تسجيل هدف، ويظل يتفلسف ويقول كان المفروض شاطها بالطريقة الفلانية أو مررها بالطريقة العلانية وكأنه يا سادة متربى فى الملاعب من صغره ولسه معتزل اللعب فى «الريال» الموسم اللى فات.
هذا هو حال معظم من لا يملكون غير الكلام.. الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام فى رجب، وعندما يتحدث فى قضية أو مشكلة وتطلب منه أن يعطيك حلًا.. يسكت ويمصمص فى شفايفه ويبص لفوق ويقول لك وأنا مالى.. هو أنا مسئول.. لو جابونى مسئول وقتها أبقى أشوف حل.
يحدث هذا السيناريو ويتكرر ذلك المشهد مرارًا وتكرارًا على مدار يومنا فى كافة المجالات حتى إنه يطول أداء مؤسسة الرئاسة أحيانًا، وكافة وزارات الدولة ومؤسساتها.
لكن ما يؤلمنى بحكم مهنتى هو ما أسمعه وأراه من تكرار لهذا السيناريو فى الصحافة والإعلام، فكثيرًا هذه الأيام أشاهد بعض الزملاء الصحفيين والإعلاميين ممن ابتعدوا عن المشهد لأسباب مختلفة أو ما يزالون فيه، ولكنهم ليسوا فى موقع المسئولية يجلسون فى مقعد هذا الرجل «مشاهد المباراة» وأراهم ينتقدون عمل زملائهم واجتهاداتهم بشكل قاس جدًا يصل إلى حد التجريح، فلا يرون فيما يقدمون من أعمال أى حسنة أو إيجابية تذكر ويتهمونهم باستمرار بتقديم محتوى ميت ومنعدم لا يراه أحد ولا يقرأه أحد ولا يؤثر فى أحد، بل ويزيد الأمر على ذلك باتهام زملائهم ببيع ضمائرهم وذممهم من أجل الحفاظ على المنصب والاستمرار فيه، ولو طبقنا أبسط قواعد الإنصاف لوجدنا أنه من الواجب والضرورى محاكمة هذا النوع من الزملاء ليس لأنهم طعنوا فى زملائهم ومهنيتهم وذممهم، بل لأنهم يكتبون ما يكتبون وبه من الأخطاء النحوية ما يندى له الجبين.
فكيف بالله عليكم من يخطئ لغويًا وهو يكتب يحق له أن ينتقد، وهل هذا الناقد الفذ يستطيع أن يفعل ربع ما يفعله زميله الموجود فى موقع المسئولية؟.. أستطيع أن أجزم بأن 80% ممن قرأت لهم أو شاهدتهم ينتقدون زملائهم فى الصحافة والإعلام لا يصلحون لموقع المسئولية، بل لا يصلحون للاستمرار فى المهنة.
أشعر بحزن شديد وأنا أقول ذلك، ولكن هذا هو الواقع، الذى كنت أتمنى أن يكون غير ذلك، وأن نشاهد ونسمع ونقرأ أفكارًا للتطوير، وخططًا ودراسات وأبحاثًا لحل المشاكل والأزمات، وليس فقط مجرد التنظير والنهش فى مهنية وشخص زملاء المهنة الواحدة.
يا زميلى العزيز.. كلانا فى حاجة إلى الآخر من أجل التكامل والارتقاء بمهنتنا، ولسنا فى حاجة لهذه الحالة من التربص.. والتراشق، لن ترقى مهنتنا ولن ينصلح حال مؤسساتنا إلا بالتكامل والتوافق والتعاون والعمل من منطلق أننا جميعًا فى موقع المسئولية.. مسئولية الكلمة.