30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

في الاحتفال بعيد التليفزيون التاسع والخمسين (2)

46

رغم تواضع الإمكانيات والتقنيات الفنية مع بدايات التليفزيون فى مصر، إلا أنه نجح فى أن يجمع المصريين فى سنوات الستينيات حول شاشته الزرقاء الصغيرة بما يبثه من البرامج والسهرات والأعمال الدرامية على وجه الخصوص التى لاقت نجاحا مذهلا وإقبالا جماهيريا واسعا.

ولا تزال الأجيال التى عاصرت تلك الفترة تذكر وتتذكر مسلسلات الضحية والرحيل المأخوذة عن الخماسية الروائية للكاتب الصحفى والأديب عبد المنعم الصاوى والذى تولى منصب وزير الإعلام فى عهد الرئيس أنور السادات، ولا تزال مسلسلات «هارب من الأيام» و»بنت الحتة» و»لا تطفئ الشمس» و»العسل المر» وغيرها من الدراما التليفزيونية ماثلة فى ذاكرة تلك الأجيال حتى الآن، وهى الأعمال التى استحوذت على اهتمام ومتابعة الأسر المصرية وإلى الدرجة التى يمكن أن يقال معها أن التليفزيون بدأ يسحب تدريجيا البساط من تحت الإذاعة (الراديو) وإن ظل للراديو طوال تلك الفترة –وإلى زمن قريب_ خصوصيته ومستمعوه، خاصة أن إرسال التليفزيون لم يكن يصل إلى غالبية أقاليم الجمهورية، كما لم يكن متاحا لكل الأسر المصرية اقتناء هذا الجهاز العجيب.

إلى جانب الدراما.. كان نقل الحفلات الفنية والترفيهية والوطنية وفى مقدمتها حفلات أعياد ثورة يوليو بمثابة خدمة تليفزيونية بالغة الأهمية للمشاهدين.. خاصة تلك الحفلات التى كان بطلها عبد الحليم حافظ والذى يمكن أن يقال أنه والموسيقار كمال الطويل والصحفى متعدد المواهب صلاح جاهين كانوا بأغانيهم الوطنية بمثابة الموسيقى التصويرية للحقبة الناصرية.. أغنية «صورة».. نموذجا.

وعلى شاشة التليفزيون شاهد المصريون لأول مرة أم كلثوم وهى تشدو بأغانيها فى حفلاتها الشهرية مساء كل خميس، فكانت نقلة نوعية كبرى فى حياة المصريين الذين كانوا يستمعون فى الراديو، ثم هاهم يستمعون إليها بالصوت والصورة.

وعلى الصعيد الرياضى كانت إذاعة مباريات كرة القدم على الهواء مباشرة واحدة من أهم الخدمات الإعلامية للتليفزيون خاصة مع الجماهيرية الواسعة لتلك الرياضة الأشهر فى مصر والعالم، بل إن إذاعة تلك المباريات أسهمت بدرجة كبيرة فى توسيع دائرة الاهتمام بها خاصة من خلال المعلق الرياضى الأشهر الكابتن محمد لطيف الذى ينسب إليه الفضل الكبير فى نشر وانتشار مفردات تلك اللعبة وقوانينها باللغتين العربية والإنجليزية من خلال تعليقاته النادرة واللطيفة والتى يذكرها معاصروه حتى الآن.

ثقافيا.. كان للتليفزيون فى حقبة الستينيات العديد من البرامج الثقافية المهمة التى نجحت فى اجتذاب شريحة من غير المهتمين بالثقافة.. من بينها البرنامج الأشهر «نجمك المفضل» الذى كانت تقدمه الإعلامية ليلى رستم والتى كانت تتسم بالثقة الزائدة والتمكن المهنى، وحيث كانت ولا تزال الحلقة التى استضافت فيها عميد الأدب العربى طه حسين من إعداد أنيس منصور وحاوره خلالها جيل أدباء وكتاب تلك الحقبة.. يوسف السباعى ونجيب محفوظ وعبدالرحمن الشرقاوى وكانت ولا تزال واحدة من كلاسيكيات برامج التليفزيون.

حتى المسرح.. نقله التليفزيون إلى البيوت المصرية من خلال عروض فرق التليفزيون المسرحية والتى أسهمت بدرجة كبيرة فى إثراء الحياة المسرحية فى تلك الحقبة، بينما كان إذاعة الأفلام السينمائية على شاشة التليفزيون خدمة فنية ثقافية إعلامية بالغة الأهمية إذ كان التليفزيون بديلا عن ذهاب كثير من الأسر المصرية إلى دور السينما فى ذلك الوقت.

ولا يزال برنامج «نور على نور» الذى كان يقدمه الإعلامى الراحل أحمد فراج أحد العلامات الكبرى فى تاريخ التليفزيون والذى كان يحظى بمشاهدة كبيرة واحترام أكبر، وكان له الفضل فى تحقيق الشهرة لكثير من علماء الإسلام والذين كان الإمام الشعراوى أبرزهم وأكثرهم حضورا وقبولا من خلال حواراته مع أحمد فراج، فكان ذلك الحضور نقطة انطلاق كبرى فيما بعد من خلال حلقاته الأسبوعية حول خواطره القرآنية فى تفسير عصرى.. يصل للنخبة والعامة على حد سواء، وهى الحلقات التى استمرت حتى رحيله ولا تزال تذاع فى الفضائيات العربية والمصرية حتى الآن.

سياسيا.. كان للتليفزيون وطوال الحقبة الناصرية خاصة منذ عام 1960 وحتى عام 1970 دور إعلامي بالغ الأهمية والخطورة أيضا فى حشد الجماهير والرأى العام خلف زعامة عبد الناصر وسياساته وتوجهاته المحلية والعربية والإقليمية والدولية خاصة من خلال خطاباته فىالمناسيات الوطنية التى كان يلهب بها مشاعر المصريين، ومن ثم فقد اتسم الأداء المهنى للتليفزيون بما يمكن وصفه بالإعلام التعبوى ذى الخطاب الأحادى، حيث غاب الرأى الآخر فى انتقاد سياسات تلك الحقبة.

ومن المثير للدهشة أن يبرر محمد حسنين هيكل عراب سياسات وحكم عبد الناصر ذلك بما وصفها بـ «ديمقراطية الموافقة».. معتبرا أن غياب الرأى الآخر بمثابة موافقة ضمنية من جانب المصريين على تلك السياسات وهى بذلك الديمقراطية بمقياس هيكل!!

ومع ملاحظة أنه من غير الممكن فى هذه المساحة وبحكم قدرة الذاكرة على استدعاء كل التفاصيل وحصر كل إنجازات وأعمال التليفزيون فى السنوات العشر الأولى من تاريخه، لكن يحسب له ما قدمه من خدمة إعلامية متميزة بمقاييس تلك الفترة.. كانت مصدرا لسعادة المصريين.. أدخلت البهجة على حياتهم، ثم يحسب له أيضا ريادته الإعلامية فى العالم العربى بما قدمه من خبرات تقنية وفنية وإخراجية وبشرية للتليفزيونات العربية التى لحقت به.

ولقد أحسن التليفزيون فى السنوات القليلة الأخيرة ببث قناة «ماسبيرو زمان» التى تعيد إذاعة الأعمال الدرامية والبرامجية القديمة التى تستدعى ذلك الزمن الجميل إلى ذاكرة الأجيال التى عاصرته بقدر ما تتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تلك الفترة التاريخية، وحيث بدا واضحا اهتمام وسعادة هذه الأجيال بمشاهدة تلك القناة.

وبمرور السنين ومع بداية حقبة السبعينيات من القرن الماضى وبعد عشر سنوات من بدء الإرسال كان التليفزيون بفعل تراكم الخبرات وبفعل التقدم التقنى.. أكثر نضجا وتطورا.

وللحديث بقية.