عاجل

مصر تنتصر

مخطط تفكيك الدول (8) ليبيا.. النفط والمؤامرة

129

استعرضت معكم في الحلقة الماضية مجموعة من الأحداث التي استهدفت إسقاط الدولة المصرية عقب تنحي مبارك في 11 فبراير 2011 بأيدي مجموعات العمل التي تم تدريبها في الخارج، على ما سمي بحروب اللاعنف، سواء في أكاديمية التغيير القطرية، أو المنظمات الصربية، التي تولت تدريب أعضاء من حركة 6 أبريل وتنظيم الإخوان الإرهابي، وكيف حاولت تلك المجموعات بالتعاون مع عناصر مخابراتية تابعة لعدد من الدول إشعال الفوضى في الشارع المصري وإسقاط مؤسسات الدولة خاصة المؤسسة الأمنية، إلا أن المجلس العسكري الذي تولى إدارة شئون البلاد كان فطنًا إلى حجم المؤامرة التي تُحاك للدولة المصرية وأدار تلك المرحلة بحكمة شديدة؛ فأسقط المؤامرة وحال دون حدوث فوضى في الشارع المصري، وأعاد للمؤسسة الأمنية (وزارة الداخلية) قوتها ودورها للحفاظ على الأمن الداخلي.

الاشتباكات فى ليبيا

خلال السطور القادمة نواصل كشف أطراف المخطط الذي استهدف تفكيك دول المنطقة وإسقاطها، فقد ظن واضع المخطط الشيطاني أن إسقاط الأنظمة سيسقط الدول لذا تحرك سريعًا ليشعل ما سُمي بالثورات في عدد من البلدان التي تم تهيئتها لذلك، أو التي دفعت الأنظمة القائمة عليها الشعوب للحراك نظرًا لتفشي الفساد وانعدام العدالة، الأمر الذي جعل تلك البلدان أرضًا خصبة للدفع بها نحو الهدف (الفوضى).

نستعرض فى هذه الحلقة كيف تم التخطيط لتفكيك ليبيا وتدمير الدولة الوطنية والانقضاض عليها لصالح قوى الشر.
عقب تنحى مبارك وقفز الجماعة الإرهابية إلى صدارة المشهد (الحراك فى الشارع) وقد سبقتها سيطرة حركة النهضة على المشهد فى تونس، تم توجيه العناصر الموالية للجماعة الإرهابية (الإخوان) فى ليبيا للتحرك ضد نظام الرئيس معمر القذافى.

(1)

نحن هنا من خلال تلك السطور لا ندافع عن نظام القذافى، فلولا ما ارتكبه النظام من فساد لما بدأ الحراك ضده، واستغلت العناصر المجهزة مسبقًا من قبل أجهزة المخابرات الدولية تلك الحالة للانقضاض على الدولة. كما كان الوضع فى مصر قد أُعد له مسبقًا قبل 2011 بأكثر من 8 سنوات، فقد تم الإعداد لإسقاط الدولة الليبية وتفكيكها للاستيلاء على مواردها النفطية منذ عام 2009 فتم إعداد مجموعات ممن يحترفون العمل على مواقع التواصل الاجتماعى سلاحهم الأكاذيب والشائعات، لديهم قدرة فائقة على خلط الحق بالباطل، يتدثرون بدماء الشهداء عباءة لهم وهم فى الحقيقة من طعنوهم فى ظهورهم.

فى نوفمبر عام 2007، زار القذافى فرنسا لأول مرة منذ 30 عامًا عقب الزيارة التى قام بها ساركوزى إلى طرابلس فى 25 يوليو من نفس العام، وتم الاتفاق على صفقة أسلحة تحصل عليها ليبيا من الجانب الفرنسى، شملت الصفقة تحديث 30 طائرة حربية من طراز «ميراج إف 1» كانت ليبيا قد اشترتها من فرنسا قبل فرض حظر على تصدير الأسلحة إليها، تراوح حجم الصفقة التى تولت متابعتها كل من «أستراك» و«داسو للطيران» (Dassault)، بين 10 و20 مليون يورو لكل طائرة، بحسب مستوى التجديد الذى سيطلبه الجانب الليبى.
بنهاية عام 2007 اكتشفت شركة توتال الفرنسية حقل غاز ضخم أطلق عليه اسم NC7، ووافق النظام الليبى على حصول الشركة الفرنسية على حق الامتياز لذلك الحقل لمدة 30 عامًا مقابل حصول ليبيا على 140 مليون يورو شريطة ألا يكون هناك طرف ثالث فى الصفقة وذلك فى عام 2008.

لكن قطر استطاعت فى بداية عام 2009 أن تصل إلى رجل الأعمال اللبنانى زياد تقى الدين الذى كان بمثابة الطرف الثالث فى الصفقة المذكورة فاشترت من الفرنسيين جزءًا من الصفقة وهو ما أغضب الليبيون، فتم إلغاء الاتفاق الثنائى، خاصة أنه لم يكن قد دخل حيز التنفيذ بعد.

فى ذلك الوقت بدأت قطر تحريك عناصرها النائمة (عناصر جماعة الإخوان فى ليبيا) والتى تم تجهيزها من قبل من خلال لقاءات جمعت قيادات التنظيم الدولى وعدد من الليبيين فى الخارج بالإضافة إلى اعتناق عدد من الطلاب الليبيين الذين درسوا فى مصر وتونس وسوريا وبعض الدول الأوروبية أفكار التنظيم الإرهابى.

حرصت قطر أيضًا على شن حملة إعلامية قوية ضد نظام القذافى من خلال منبرها الإعلامى (الجزيرة) الذى خُطِّط لها أن تكون الصوت المحرك فى مخطط تفكيك دول المنطقة العربية، وأيضًا صوت الجماعات الإرهابية.

(2)

نظرًا لحظر الجماعة الإرهابية عام 1954 فى ليبيا وحلها عام 1973 فكان التحرك سريًا بالتعاون مع أجهزة المخابرات الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية.
حرصت قطر على مواصلة تحركها ضد النظام الليبى وانضمت إليها فرنسا بقوة خاصة بعد وصول المفاوضات بشأن حقل الغاز الليبى إلى نقطة الصفر عام 2010.
هنا أدركت قطر أن الفرصة باتت سانحة للانقضاض على الدولة النفطية وتدميرها مع مواصلة استخدام ذراعها الإعلامية وعدد من الصحف المدعومة من الدوحة فى دول الاتحاد الأوروبى واتفقت المصالح القطرية مع مصالح أجهزة مخابرات تلك الدول فكان الانتظار للموعد المناسب مع تجهيز العناصر فى الداخل الليبى، وانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على أى حراك شعبى فى الشارع الليبى ضد نظام القذافى، خاصة أن الأجواء باتت مواتية فى المنطقة مع بداية عام 2011 وبعد نجاح الحراك الشعبى فى تونس ومصر وانقضاض التنظيم الإرهابى على مكتسبات ذلك الحراك لحصد المكاسب لصالحه.

فى 28 يناير 2011، أنشأ الناشط «حسن الجهمى» المتخصص فى مجال نظم المعلومات صفحة على موقع فيسبوك تدعو إلى انطلاق ثورة فى كافة أنحاء ليبيا يوم 17 فبراير، فى الذكرى الخامسة لأحداث مدينة بنغازى عامَ 2006 (بسبب أزمة الرسوم المسيئة للرسول عام 2006 اتجه عدد من المتظاهرين فى يوم الجمعة 17 فبراير إلى القنصلية الإيطالية ببنغازى، وحاول المتظاهرون اقتحام القنصلية فاعترضتهم قوات الشرطة، ثم صعد أحد الشباب إلى مبناها وانتزعَ العلم فأطلقت الشرطة عليه النار، وبذلك بدأ الاشتباك بين المتظاهرين الغاضبين ورجال الشرطة الذى تطور إلى استخدام الرصاص الحى وانتهى بمقتل 11 متظاهرًا وسقوط ما لا يقل عن 35 جريحًا.

بعد هذه المجزرة تطورت الأحداث، فاندلعت الاحتجاجات مجددًا يوم السبت وأحرق المُتظاهرون الغاضبون القنصلية الإيطالية بعد أن اتجهوا إليها مجددًا، وخلال الفترة من 18 – 20 فبراير 2006 توسعت دائرة مطالب المُحتجين، فأخذوا بالتوجه نحو رموز السلطة بليبيا نفسها، وأحرقوا أربع مقارٍ للشرطة ومبنى الضرائب والمباحث الجنائية فضلًا عن اقتحامهم مديرية الأمن فى بنغازى، وكانت حصيلة المبانى الحكومية التى أحرقوها فى آخر الأمر حوالى 30 مبنى.

فى سبيل احتواء هذه الاحتجاجات أعلنت السلطات الليبية الحداد على «شهداء» مجزرة 17 فبراير، وأقالت وزير الأمن العام بالبلاد، كما اهتمت بنقل عددٍ من جرحى المُظاهرات للعلاج فى الخارج، وبعدَ وصول الاحتقان إلى هذا المستوى على مدى أربعة أيام من التوترات فى مدينة بنغازى، انتهت الأحداث بفرض السلطات الليبية حالة الطوارئ وإعلانها حظر التجوال فى المدينة، مع إرسال تعزيزات أمنية إليها من المناطق المُجاورة للحرص على عدم تكرار المظاهرات).

انتظرت عناصر التنظيم الإرهابى فى فبراير 2011 ومعاونيهم حدوث حراك شعبى فى الشارع الليبى ضد النظام، ثم تقييم نتائج ذلك الحراك وعلى أثر ذلك يكون التحرك لصدارة المشهد؛ وقبل الموعد المحدد لقيام الثورة بثلاثة أيام ألقت أجهزة الأمن الليبية القبض على محامى أهالى ضحايا مجزرة سجن أبو سليم والذى كان بمثابة شرارة الانطلاق للحراك الشعبى الذى تلقفته عناصر أجهزة المخابرات الأجنبية الموجودة فى بنغازى والبيضاء وطبرق ودرنة وأجدابيا والمرج والقبة وشحات ويفرن والزنتان والزاوية ونالوت وجادو والرجبان وزوارة وكاباو وطرابلس.
بدأت المصادمات بين المتظاهرين وأجهزة الأمن، وسقط على أثرها 24 قتيلًا كانوا بمثابة البداية الحقيقية لإسقاط النظام وتفتيت الدولة التى خُطِّط لها أن تُقسَّم إلى ثلاث دويلات هى برقة شرقًا وفزان جنوبًا وطرابلس غربًا.

(3)

ارتفعت وتيرة المصادمات وتزايدت أعداد المتظاهرين فى الشارع الليبى ضد نظام القذافى، كما تزايدت أعداد الوافدين عبر الحدود الليبية تحت ستار الإعلام الدولى ومتابعة الأحداث من عناصر المخابرات الأجنبية للالتقاء بالعناصر الداخلية فى ظل تطور الأوضاع وقيام النظام بالدفع بمجموعات من المرتزقة لقتل المتظاهرين، الأمر الذى كان بمثابة الهدية التى قدمها النظام لوسائل الإعلام المعاونة لقوى الشر للدفع بتلك الصور فى اتجاه تم الإعداد له من قبل وهو حالة فوضى تعتمد على توافر عناصر على الأرض واستغلال الحالة القبلية المسيطرة على الوضع فى ليبيا.
دفعت دول الناتو باتجاه المطالبة بضرورة التدخل العسكرى بدعوى حماية المتظاهرين، فى الوقت ذاته كان المحتجون قد سيطروا على معظم مدن شرق ليبيا وباتوا يمتلكون السلاح فى مواجهة النظام.

فى 27 فبراير 2011، صدر أول قرار رسمى بشأن الأحداث فى ليبيا من مجلس الأمن الدولى، إذ أصدر قرار المجلس رقم 1970 الذى فرض عددًا من العقوبات على نظام القذافى وقياداته وأسرته وأدان بشدة قمع الاحتجاجات.

وصل إلى ليبيا فى ذلك التوقيت عدد من الضباط القطريين وبمرافقة مجموعة من ضباط المخابرات الأمريكية ومجموعة من ضباط المعلومات بحلف الناتو ضمن أطقم بعض وكالات الأنباء والقنوات الفضائية، وقامت الدوحة بتمويل قناة (أحرار ليبيا)، ليبدأ إطلاقها من الدوحة عقب اندلاع الحراك الشعبى، كما ظهر «الصادق الغريانى» – أحد المشايخ الذين ارتبطوا بالدوحة قبل عامين من الثورة – حيث تم التواصل معه ليلقى خطبة يدعو بها الشارع الليبى للانتفاض ضد النظام.

وبحسب أحد الضباط القطريين فى تصريحات له نشرتها صحيفة ليفيجاروا الفرنسية قال فيها: «عندما بدأنا التحرك لمعاونة الثوار فى ليبيا طلبنا من الشيخ الغريانى إلقاء خطبة تعبوية للشارع ضد نظام القذافى، إلا أنه تأخر فى الرد لمدة ثلاثة أيام؛ تواصلنا معه هاتفيًا بعد ذلك، إلا أنه اشترط الحصول على مليون دولار، وتمت الموافقة على طلبه، وأرسل شخصًا يُدعى «عبدالرؤف كاره» إلى الدوحة وحصل على المبلغ ثم نقلته طائرة خاصة قطرية إلى بنغازى بعد ذلك.
بعد وصول المبلغ إلى الغريانى تم فتح خط مباشر بين قناة الجزيرة والغريانى لتجييش الشارع الليبى، فى الوقت ذاته قامت الدوحة بالدفع بكميات ضخمة من الأسلحة إلى داخل ليبيا عن طريق السودان وحصل البشير مقابل عمليات مرور الأسلحة إلى ليبيا عبر أراضيه على 400 مليون دولار.

تم تجنيد عدد من الفتيات الليبيات لصالح أجهزة المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلى بمساعدة عدد من الضباط القطريين والشيخ الغريانى، وهوما اعترفت به الفتاة الليبية الملقبة بـ«نوميديا» التى قضت شهورًا فى التجسس على المنشآت العسكرية التابعة للقذافى ونقلت الكثير من التفاصيل للتحالف الدولى.

قالت «نوميديا» فى لقاء أجرته مع وكالة «رويترز» أنها لم تكن تحت المرصاد لأن قوات القذافى كانت تركز اهتمامها على الرجال دون النساء وكان من المستحيل أن يفكروا فى أن امرأة يمكنها أن تفعل هذا، كما أشارت إلى أنها اتصلت بقناة «أحرار ليبيا» التليفزيونية، والتى يقع مقرها بالدوحة، تحت اسم «نوميديا» وقامت بالإدلاء بمعلومات عما كان يحدث داخل المدينة.
بعد ذلك بدأت فى الإدلاء بمعلومات عسكرية حول مواقع قوات القذافى والتى كانت القناة تبلغها لقوات «الناتو» من خلال مكاتب «المجلس الوطنى الانتقالى» فى العواصم الأوروبية، كما أضافت أنها قامت بعمل رائع وكانت شجاعة للغاية، وأنها كانت على معرفة بعدد من الشباب الذين قد لا يمكنهم القيام بنفس العمل.

تذكر «نوميديا» أنها استخدمت 12 خطًا هاتفيًا نقالًا وسبعة هواتف مختلفة بسبب المراقبة الشديدة التى قامت بها قوات القذافى لشبكات الهواتف والإنترنت، كما أوضحت أن هناك ثلاثة مواقع تم تدميرهم عن طريق «الناتو» بعدما أبلغت عنهم مباشرة وهم موقع فى مدينة صلاح الدين، وكان يستخدم لتخزين الأسلحة لقوات القذافى، ومعسكر 7 إبريل العسكرى ومبنى للمخابرات الليبية.

تذكر «نوميديا» أيضًا أن نظام القذافى كان يستخدم مواقع مدنية من أجل تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية المستخدمة ضد الثوار، كما أنها كانت تذهب بسيارتها وتبقى لمراقبة الموقع ربما لساعات للتأكد من صحة المعلومات التى تقدمها للناتو.

نواصل فى الحلقة القادمة تفاصيل عملية الانقضاض العسكرى على ليبيا وتحويلها إلى أكبر مستودع للأسلحة ومسرح عمليات لتدريب التنظيمات الإرهابية.