أجرت الحوار – سلوى محمود
محمود محمود مقلد الشهير بـ “ميسرة”، طفل مصري بلغ من العمر 15 عاما، ينحدر من أسرة من صعيد مصر تنتمى إلى مركز جهينة بمحافظة سوهاج، يعيش مع أسرته فى النمسا، حيث هاجر الأب إلى النمسا منذ 26 عاما ثم تزوج من مواطنة صعيدية أصيلة هى هناء حسان واصطحبها إلى النمسا منذ 16 عاما لتتكون أسرة جميلة تحتفظ إلى الآن بشهامة وجدعنة الصعايدة وتحتفظ بقيم وتقاليد المجتمعات المسلمة العربية وتغرس هذه القيم والعادات الجميلة فى نفوس أبنائها ميار وميسرة (وهو اسمه فى المنزل) ومازن ومرام.
وبينما تعيش الأسرة فى هدوء، فجأة وأثناء حالة الرعب التى تجتاح العالم كله وحالات الحجر الصحى وحظر التجول إخلاء الشوارع من البشر وإخلاء المدارس من الطلبة والحبس بالمنازل، فى هذه الحالة يصبح ميسرة أو محمود هذا الطفل اللطيف الجريء والذى يتمتع بشهامة وجدعنة أبناء الصعيد رغم أنه ولد وعاش فى النمسا والذى أطلق عليه “الطفل المعجزة”ي صبح حديث مواقع التواصل الاجتماعى وحديث الصحف النمساوية وقنوات التليفزيون العربية والنمساوية بعد أن بدأ محمود بعد توقف المدارس يفكر فى طريقة يساعد بها المجتمع الذى يعيش فيه كما ورث من والده ووالدته حب مساعدة الغير وقرر محمود هو وثلاثة من أصدقائه ودون أى خوف من الإصابة بفيروس كورونا عمل مبادرة لمساعدة كبار السن فى فيينا عاصمة النمسا والذين ليس لديهم من يساعدهم وذلك لإحضار احتياجاتهم من المأكل والمشرب والأدوية وكل ما يحتاجونه حتى لا يضطروا إلى الخروج من المنزل والتعرض لمخاطر الإصابة بفيروس كورونا. وبدأوا بالفعل فى إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعى ووضعوا أرقام تليفوناتهم وبدأت الاتصالات لهم بالفعل ليقوموا بهذا العمل الرائع ولتنتشر الفكرة على نطاق واسع وتبدأ الصحف والإذاعة والتليفزيون النمساوى فى الحديث عن ميسرة وأصدقائه وليزيد عدد من يحتاج إلى مساعدتهم وليبدأ عدد كبير جدا من الشباب فى الانضمام إلى المبادرة ليفعلوا ما فعله ميسرة وليتصل به السفير المصرى فى النمسا ليشكره وليبلغه تحياته على عمله الرائع.
(أكتوبر) كان لها حوار مع محمود ووالدته لنعرف كيف قام هو وأصدقاؤه بتلك المبادرة وكيف تسير معهم المبادرة وسط تلك المخاطر..
-
سألته: كيف بدأت المبادرة ومن صاحب الفكرة ؟
يقول محمود: حينما توقفت الحياة وتوقفت الدراسة وأصبح الناس محبوسين فى المنازل خوفا من إصابتهم بفيروس كورونا أخذت أفكر أنا وثلاثة من أصدقائى النمساويين كيف نساعد الناس فتوصلنا إلى فكرة مساعدة كبار السن دون مقابل مادى بالطبع لإحضار كل ما يريدونه من خارج المنزل لكى لا يضطروا هم إلى الخروج والتعرض إلى الخطر وكنت المصرى الوحيد فى المجموعة وبدأنا بالفعل فى عمل صفحات على انستجرام ووضعنا أرقام هواتفنا وبدأت الاتصال تأتى بسرعة جدا وبدأنا فى الذهاب إلى منازل كبار السن لمعرفة طلباتهم وتلقى ثمن الأشياء المطلوبة ثم إحضار الطلبات والعودة إلى منازلهم ونضغط جرس الباب ونضع الأشياء المطلوبة وفواتير الشراء ونبتعد عن الباب حتى لا يخاف كبار السن منا أو من العدوى وعندما نتأكد من تلقيهم الطلبات والفواتير وباقى المبالغ نغادر المكان لنذهب إلى غيرهم، وكانوا فى البداية يخافون أن نقوم بالنصب عليهم فكانوا يعطوننا النقود وهم خائفين ولكن بعد ذلك بدأت الثقة وفهموا أننا نريد مساعدتهم فقط خاصة عندما رفضنا تلقى مقابل مادى لخدماتنا.
-
ألم تخافوا من انتقال العدوى إليكم وتصابوا أنتم الآخرين بفيروس كورونا أو أن تتعرضوا لمضايقة من الشرطة فى الشوارع خاصة مع حظر التجول؟
أنا لم أخف لأننى عرفت أنى فى سن احتمال الإصابة بالمرض فيه قليل وكنا بالطبع نرتدى قفازات وكمامات وكنا نضغط أجراس أبواب من نساعدهم ثم نبتعد عن الباب حتى يضعوا النقود ويغلقوا الباب ونضع ما نشتريه على أبواب المنازل ثم نضغط الأجراس ونبتعد عن الباب لمسافة كافية تمنع انتقال المرض لنا أو لهم، وفى الشارع عندما عرفنا رجال الأمن وعرفوا ما نفعله كانوا يلقون علينا التحية وكان رجل أمن عندما يرانى يقول لى (هاى محمود ) لأنهم عرفوا حتى أسمائنا وكانوا يساعدون فى حمايتنا وإرشادنا لكى لا ينتقل المرض لنا.
-
علمت أن المبادرة اتسعت جدا بعد ذلك بعد نشر وسائل الإعلام عنها وعنك، فكيف عرفتك وسائل الإعلام وبماذا شعرت مع الاهتمام الإعلامى الكبير بكم؟
بدأ الناس يعرفوننا فى فيينا وبدأوا يتحدثون عنا فى مواقع التواصل الاجتماعى وفوجئنا بقنوات تليفزيونية نمساوية وإذاعات تقابلنا وتتحدث معنا عن المبادرة وصحف نمساوية وهذا الموضوع أدى إلى توسع المبادرة جدا وفوجئنا بعدد ضخم من الأطفال والشباب يتطوعون معنا فى المبادرة وبعد أن كنا أربعة أفراد زاد العدد بدرجة ضخمة لدرجة أننى لم أعد أعلم العدد وهذا طبعا أدى إلى تخفيف الحمل علينا بدرجة كبيرة وبعد أن كنا نبدأ العمل فى أول أسبوعين من الساعة العاشرة صباحا إلى السادسة مساء قلت ساعات العمل بالطبع الآن مع زيادة العدد، والحقيقة أنا كنت سعيد جدا بالاهتمام الإعلامى بنا ليس لأننا أصبحنا مشهورين ولكن لأننا أصبحنا معروفين عند عدد أكبر من كبار السن الذين يحتاجون إلى مساعدتنا وهذا ما كنا نريده.
-
هل هناك مواقف صعبة حدثت لك فى المبادرة؟
هناك عدد من المواقف بالفعل منها أننا استطعنا إنقاذ حياة مريض كان يحتاج إلى علاج بسرعة نظرا لحالته ولا يجد من يشتريه له وأوصلنا له العلاج بسرعة، وأيضا فى بداية المبادرة كان كبار السن يعتقدون أننا سنظل معهم فى المنزل طوال اليوم لمساعدتهم وخدمتهم وفهموا بعد ذلك أننا نوصل لهم احتياجاتهم فقط، وهناك أشخاص كانوا يتصلون بى وأفاجأ بأن منزلهم على بعد حوالى 20 محطة بالأتوبيس من منزلى وهى مسافة بعيدة بالنسبة لى، وبعد ما وصلنا رحنا السوبر ماركت ورحنا الصيدلية وأماكن كتير جدا لقضاء الطلبات.
-
ما الذى دفعك إلى هذا العمل التطوعى الخدمى والخطر فى نفس الوقت؟؟
منذ كنت صغير السن وأنا أرى والدى ووالدتى يحبون مساعدة من يحتاج المساعدة ومعتادين على ذلك وكنت أرى سعادة الناس الذين يتم مساعدتهم وعودنى على ذلك وقاموا بتربيتى على ألا أفكر فى نفسى فقط وعرفونى أنه من أفعال الخير فهذا ما شجعنى على ذلك خاصة أنى رأيت أن هناك الكثير من كبار السن يحتاجون بشدة إلى المساعدة فى هذه الظروف الصعبة
-
وماذا كان موقف والداك من المبادرة وهل خشيا من تعرضك للإصابة بالمرض؟
والدى منذ بداية عرض الفكرة عليه وافق مباشرة وشجعنى على القيام بالمبادرة ووالدتى خشيت فى البداية أن أتعرض للإصابة بالمرض ولكن أنا ووالدى أقنعناها بالموافقة.
-
وماذا كان إحساسك عندما اتصل بك السفير المصرى فى النمسا؟
بصراحة كانت مفاجأة سعيدة جدا وغير متوقعة أن تقوم شخصية بهذه الأهمية بالاتصال بى وأنا طبعا مازلت (طفل صغير) بالنسبة لهذه الشخصية الرائعة، تخيلى سفير يقوم بالاتصال بى طبعا الموقف بالنسبة لى كان (واوو) وفى الاتصال قام بتحيتى وشكرى وقال إنه كان يتمنى أن يقوم بتكريمى فى السفارة ولكن طبعا الظروف التى نمر بها تمنع ذلك وقال إنه بمجرد أن تمر تلك الظروف سيقوم بتكريمى فى السفارة.
-
هل كونك عربيا ومسلما جعل المهمة بالنسبة لك صعبة سواء مع من تقوم بمساعدتهم أو مع الأصدقاء المشاركين لك فى المبادرة ؟؟
إطلاقا، فالمجتمع النمساوى لا يوجد فيه ذكر لجنسية أو ديانة أى شخص وهذا مسلم وهذا مسيحى وهذا يهودى، بل الكل واحد وأنا لى أصدقاء من كل الفئات ونتعامل بنفس الطريقة، والخلاف الوحيد بينى وبين أصدقائى من الديانات الأخرى أن والداى عودونى على الالتزام بالصلاة منذ صغرى وألا أفعل الأشياء المحرمة فى الإسلام مثل تناول لحم الخنزير حينما أخرج مع أصدقائى والمحرمات الأخرى وأصدقائى يتفهمون ذلك ولا يضايقهم.
-
هل تزور مصر وهل تفتقد أشياء فيها أم أن الحياة فى النمسا تغنيك عن كل شىء فى مصر؟
أنا لا أنسى أنى مصرى وكل عام أزور مصر مع أسرتى ونذهب إلى منزلنا فى القاهرة ولابد أن نذهب لزيارة عائلة أمى وأبى فى الصعيد فى جهينة والحياة طبعا فى النمسا متطورة جدا والناس جميلة ولكن الناس فى مصر أراهم أجمل خاصة مع الارتباط الجميل بينهم واشتاق دائما إلى رؤية أعمامى وأخوالى وأبنائهم وأحب جدا معيشتهم إلى جوار بعضهم وارتباطهم ببعض وهو ما لا أراه فى النمسا.
-
ما الذى تتمنى أن تصل إليه فى المستقبل وما المهنة التى تتمنى أن تعمل بها ؟
أعتقد أننى مازلت صغيرا وأمامى وقت طويل لأفكر فى المهنة التى سأعمل بها ولكن أتمنى أن أكون مالك شركة للإلكترونيات، وربما يتغير تفكيرى عندما أكبر، لا أعلم.
الرجل الصغير بتاع الحضانة :
أما والدة ميسرة السيدة الصعيدية الفاضلة هناء حسان والتى شعرت أنها مازالت تحتفظ بشهامة وجدعنة الصعايدة رغم حياتها كل تلك الفترة فى النمسا فهى تقول إن ميسرة هو اسمه بالمنزل أما الاسم الحقيقى فهو محمود محمود مقلد وهو من مواليد فيينا فى 26 مارس عام 2005 وأن الأسرة حريصة على زيارة عائلتهم فى جهينة بسوهاج كل عام والأبناء يكونون سعداء جدا بهذه الزيارة، وقالت: فى بداية المبادرة كنت فى موقف معارض ولا أريده أن يخرج من المنزل تماما خوفا عليه من العدوى بالمرض ولكن عندما وجدت أنه يتحمس لتلك الفكرة ويحب أن يقوم بها ويقوم بمساعدة الناس بشكل جدى ويقومون بالاتصال به وهو فى البيت ليساعدهم، الحقيقة أنى أشفقت عليهم لأنهم بالفعل كبار فى السن ويحتاجون إلى مساعدته بالفعل والموضوع جاد، فقررت أن أسلم أمرى إلى الله ووضعت ابنى أمانة عند الله ودعيت الله أن يوفقه ويحميه، وما جعلنى اطمئن أكثر أننى وجدت الشرطة هنا تسانده وتحميه وتقوم بعمل حواجز حوله فى الشارع لحمايته لأنهم علموا به وبمبادرته من الصحف والتليفزيون النمساوى، ووالده لم يعارض المبادرة تماما بل شجعه على القيام بها.
-
هل هذه أول مبادرة لميسرة من هذا النوع؟
ميسرة منذ أن كان فى رياض الأطفال وهم كانوا يطلقون عليه (الرجل الصغير بتاع الحضانة) ورأسه وتفكيره يعمل باستمرار ولا يتردد فى المشاركة فى الأنشطة الخيرية وسبق وأن شارك فى مسيرات ضد تلوث البيئة والطاقة السلبية وكان يقود بعض تلك المسيرات
-
ما هى القيم التى قمتى بتنشئته عليها ليكون بتلك الشخصية؟
والد محمود وأنا تربينا على أن نساعد أى محتاج وأنا هنا مع جيرانى أقوم بمساعدة من يحتاجنى وكأنى فى مصر مع أهلى، وفى بداية حياتى هنا كانوا يندهشون منى ويخافون بعض الشىء لأنى مسلمة ومحجبة ولكن مع الوقت وبعد ما تعاملنا مع بعض قالوا لى كنا نأخذ فكرة خاطئة عن العرب والمسلمين قبل أن نتعامل معك، وأولادى تعلموا منا ذلك ورأوا أننى ووالدهم عمرنا ما تأخرنا عن محتاج لمساعدتنا، ومن هنا جاءت الفكرة لمحمود، وأتمنى أن يحفظه الله وطبعا سعدت جدا جدا بما كتب عنه وباتصال السيد السفير بنا وتكريمه لمحمود وكان الاتصال مفاجأة بالفعل.