رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

حرب تغييب العقول وطحن الأجساد

488

في نهاية القرن الثامن عشر قررت بريطانيا أن تفتح أبواب الصين أمام تجارتها العالمية، فطلب الملك «جورج الثالث» من الإمبراطور الصيني «شيان لونج» توسيع العلاقات التجارية بين البلدين، إلا أن الإمبراطور أجابه: إن إمبراطورية الصين السماوية لديها ما تحتاجه من السلع.. وليست فى حاجة لاستيراد سلع أخرى من البرابرة.
فقد استنزفت الصين موارد بريطانيا من الفضة لدفع ثمن وارداتها من الشاي والحرير والبورسلين.
أغضب الرد الصيني ملك بريطانيا العظمي فى ذلك الوقت لتبدأ الحرب.. حرب من نوع خاص؛ حرب تطحن الأبدان وتغييب العقول وتدمرها، وتسرق مقدرات الأوطان.
فكان التوجيه البريطاني لشركة الهند الشرقية البريطانية
(East India Company) بزرع الأفيون فى المناطق الوسطي والشمالية من الهند وتصديره إلى الصين كوسيلة لدفع قيمة واردتها للصين وتدمير اقتصادها.

كمية من المخدرات التي تم ضبطها في ميناء دمياط والتى بلغت ٦ طن من مخدر الحشيش

تم تصدير أول شحنة من الأفيون إلى الصين فى عام 1781، وازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين؛ وبدأت بشائر نجاح الخطة البريطانية فى الظهور، ليغرق الشعب الصيني فى إدمان الأفيون.
انهار المجتمع الصيني بعد إدمان 120 مليون شخص للمخدرات فى ذلك الوقت، باع الكثير منهم أراضه ومنزله بل وزوجته وأبنائه وبناته فى سوق النخاسة.
إنها الحرب المُستهدفة، تدمير الشعوب ليسهل السيطرة على الأوطان.
ظلت بريطانيا تنهب مقدرات الصين وتغيب عقول الشعب الصيني، وتُسقط الأجساد صريعة الإدمان حتي جاء الإمبراطور «يون[ تشينج» (Yong Tcheng) ليُصدِر أول مرسوم بتجريم استيراد المخدرات عام 1829م، غير أن شركة الهند الشرقية البريطانية لم تلتفت لهذا المنع واستمرت فى تهريب الأفيون إلى الصين.
إلا أن الصين استطاعت أن تنتصر فى النهاية عقب ثورة الزعيم ماو تسي تونغ، ضد مروجي المخدرات، ووعي الشعب وقوة القانون، وأصبحت الصين فى 1952 خالية من المخدرات لتبني قوة اقتصادية عالمية.
فإذا أردت أن تُسقط وطنًا فغيِّب عقول شعبه وحطم بنيانهم البدني، عندها تستطيع أن تغزو تلك البلدان بلا قطرة دم واحدة.
(1)
تذكرت تلك الحرب وأنا أتابع ما كشفت عنه وزارة الداخلية خلال الأسابيع الماضية وحجم ما تم ضبطه من المواد المخدرة التي تستهدف الدخول إلى الأراضي المصرية لتغييب وتدمير العقول والأبدان، إلا أن رجال الشرطة (العيون الساهرة) استطاعوا التصدي لتلك المحاولات بارين بالعهد والقسم فى الحفاظ على أمن وسلامة الوطن.
فعدد القضايا التي تم ضبطها وحجم المضبوطات من المواد المخدرة واتجاهات الدفع بها وحصيلة بيعها يكشف حجم المواجهة التي يقوم بها رجال الأمن للحفاظ على الوطن والمواطن.
خلال خمسة عشر يومًا ضُبطت كميات من مخدر الحشيش بلغت 9 أطنان بالإضافة إلى أنواع أخرى من المواد المخدرة.
كانت أشهر تلك العمليات عندما أحبطت أجهزة الأمن
3 محاولات لتهريب 6 أطنان من مخدر الحشيش (30 ألف طربة) كانت على متن سفينة حاويات وصلت إلى ميناء دمياط (ترانزيت) قادمة من إحدى الدول وأوراقها والمستندات الخاصة بالشحنة تذكر أنها شحنة “ألواح خشبية”، وقيام أصحاب الشحنة بإخفاء كمية كبيرة من مخدر الحشيش ضمن محتوياتها، تقدر قيمة شحنة المواد المخدرة بـ500 مليون جنيه.
كما تم ضبط 2.5 طن من مخدر الحشيش داخل إحدى الحاويات بميناء الإسكندرية تقدر قيمتها بـ 200 مليون جنيه، جاءت كمية المخدرات ضمن ثلاث حاويات لورق الغار (ورق لوري) لحساب إحدى شركات الاستيراد والتصدير بمحافظة الشرقية.
كما تم ضبط مصنعين لتصنيع المواد المخدرة والأدوية المغشوشة بالقليوبية، وخلال يوم واحد تم ضبط أكثر من 232 قضية مخدرات، وفى يوم آخر تم ضبط 225 قضية مخدرات.
كما تم ضبط شحنة من عقار «الكبتاجون» ضمن شحنة جاءت ترانزيت عبر ميناء دمياط البحري قادمة من إحدى الدول العربية ومتجهة إلى دولة عربية أخرى حيث تم ضبط 1858 عبوة بإجمالي 3٫251٫500 قرص لعقار الكبتاجون المخدر تقدر قيمتها المالية
بـ 113 مليون جنيه.
إنها حرب لا تقل فى شراستها عن مواجهة الإرهاب، لما لا؟ وكلاهما يستهدف تدمير الأوطان من خلال تغييب العقول.
أكثر من 9 أطنان من المواد المخدرة كانت تستهدف الشعب المصري خلال 15 يومًا تقدر قيمتها المالية بأكثر من 2 مليار جنيه، أمر يجب التوقف أمامه كثيرًا.
(2)
تكشف كميات المخدرات المضبوطة التي كان من المستهدف دخولها إلى الأراضي المصرية حجم الحرب التي تواجهها الدولة على مختلف الجبهات، ففي الوقت الذي تستهدف فيه قوى الشر أمن الدولة المصرية واستقرارها من خلال دعمها للعناصر الإرهابية بالأموال والأسلحة، تعمل أيضًا قوى الشر على استهداف الشباب بالمخدرات.
ليست المعركة التي يُضخ فيها أكثر من 2 مليار جنيه خلال
15 يومًا لتغييب العقول بالمعركة الهينة ولا البسيطة، بل هي أقوى وأخطر المعارك التي تخوضها مصر.
هنا تتضح عدة نقاط لابد من التوقف عندها:
1- ضخامة حجم المضبوطات من المواد المخدرة، وتنوع مصادر قدومها: حيث جاء أغلبها عبر شحنات تحملها بعض السفن القادمة إلى الموانئ المصرية «ترانزيت» والبعض الآخر عبر شحنات تم استيرادها من للدخول إلى مصر أو عبر بعض المنافذ الحدودية مستغلة بعض العناصر الإجرامية فى الداخل لترويجها بالبلاد.
2- ضبط تلك الكميات من المواد المخدرة قبل دخولها البلاد يدل على يقظة الأجهزة الأمنية بكافة القطاعات والتخصصات، واحترافية أجهزة المعلومات التي تتابع تحركات العناصر الإجرامية ومعاونيهم، ويتم القبض عليهم طبقًا للإجراءات القانونية.
فمن خلال التنسيق بين القطاعات الأمنية المختلفة (الأمن الوطني، الأمن العام، أمن المنافذ) نجحت وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة فى إجهاض محاولات العناصر الإجرامية لإدخال كميات ضخمة من المواد المخدرة للبلاد.
لم يكن هذا الأمر لينجح لولا احترافية الأجهزة الأمنية فى مواجهة الجريمة خاصة جرائم الإتجار فى المخدرات التي تستهدف تدمير اقتصاديات الدول وتدمير شعوبها.
وبفضل الدقة والاحترافية العالية لدى العناصر الأمنية والتنسيق وتبادل المعلومات وتتبعها لتلك العناصر الإجرامية والتعاون الأمني مع عدد من الأجهزة الأمنية فى الدول الشقيقة والصديقة نجحت أجهزة وزارة الداخلية فى تلك المواجهة (مواجهة جرائم المخدرات والجريمة المنظمة).
3- ضبط مصنع لتصنيع المواد المخدرة والأدوية المغشوشة دلالة واضحة على يقظة الأجهزة الأمنية لمواجهة أي محاولة لإدخال مواد مخدرة إلى البلاد وترويجها.
4- محاولات إغراق البلاد بالمخدرات وتصدي الأجهزة الأمنية لها فى الوقت الذي تواجه فيه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية العناصر الإرهابية المدعومة من قوى الشر من لإرهاق الدولة.
(3)
إن قيام قوى الشر بضخ أكثر من 2 مليار جنيه خلال 15 أيام لإغراق البلاد بالمخدرات أي حوالى 50 مليار جنيه تقريبًا خلال العام يدل على أن الحرب تحتاج إلى تضافر الجهود لمواجهتها.
ففي الوقت الذي نجحت فيه وزارة الداخلية بكافة قطاعاتها الأمنية فى ضبط تلك الكميات الضخمة من المخدرات والتي كانت تستهدف الدخول إلى البلاد، وملاحقة مروجي المخدرات وفق الإجراءات القانونية، ثمة أدوار مهمة غابت و يجب التوقف عندها قليلًا، لأن لها دورًا مهم فى مكافحة المخدرات.
من بين تلك الأدوار دور الأسرة والإعلام والتعليم، هذا الثلاثي يجب أن يكون له دورًا واضحًا فى تلك المعركة.
فالأسرة عليها إن تدرك خطورة ترك أبنائها فريسة لأصدقاء السوء الذين يدفعون بهم إلى أتون الإدمان دون توعية بخطورة المخدرات، أو دون متابعة وملاحظة أبنائهم.
وبحسب الدكتور عبدالرحمن حماد المدير السابق لوحدة مكافحة الإدمان للأطفال والمراهقين، كشفت دراسة لصندوق مكافحة الإدمان أن تعاطي المخدرات بين طلاب المدارس ارتفع إلى 7.7% بينما بلغ المدارس الفنية 8.5%، مما يفرض على وزارة التربية والتعليم ضرورة القيام بدور مهم فى تلك المواجهة (التوعية).
كما أن الإعلام عليه دور كبير أيضًا فى كشف مخاطر الإدمان والمخدرات وتأثيره على الشعوب واقتصاديات الدول.
إنها معركة تستلزم منا جميعًا أن نصطف خلف الدولة المصرية لمواجهتها، فإذا كانت الأجهزة الأمنية تقوم بدورها فى مواجهة ذلك الخطر، فعلى الإعلام أيضًا القيام بدوره وكذلك الأسرة والتعليم وكافة مؤسسات المجتمع المدني لمواجهة هذا الخطر الذي لا يقل خطورة عن خطر الإرهاب.
هذا الثنائي (الإرهاب والمخدرات) وجهان لعملة واحدة، يستهدفان تدمير العقول وتغييبها من أجل تحويل المجتمعات إلى مجرد كائنات بشرية تتحرك بلا وعي أو إدراك، مما يجعل من السهل الدفع بها فى الطريق المرسوم لها، ويمهد الطريق أمام عمليات تدمير الأوطان.
تحية واجبة إلى رجال الشرطة البواسل على ما يقدمونه من جهد لمواجهة أي عمل يستهدف سلامة وأمن المواطن المصري والوطن.
تحية لمن يعملون فى صمت ويقدمون أرواحهم فداء لهذا الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره.
إننا أمام حرب تستهدف تغييب وتدمير العقول وطحن الأجساد وتدمير الاقتصاد من أجل الانقضاض على الأوطان التي تسقط فى براثن المخدرات.