رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

مواقع وتطبيقات صيد الجواسيس

140

ما حدث الأسبوع الماضي عقب انتشار أحد التطبيقات على موقع التواصل الاجتماعي (Facebook) تحت اسم «ماذا يقولون عنك في الأخبار» هو ما دفعني للعودة إلى الحديث حول خطر منصات التواصل الاجتماعى، فسرعان ما انتشر استخدام التطبيق، حتى جاء تحذير د. محمد الجندي خبير أمن المعلومات ومستشار رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، محذرًا من استخدامه قائلًا: «التطبيقات اللي زي التطبيق ده «ماذا يقولون عنك في الأخبار» الهدف الأساسي منها هو جمع الأكسس توكن (Access token) للحسابات من أجل إعادة استهدافها مرة أخرى هي وكل الأصدقاء المشتركة لأهداف إعلانية تجارية بحتة من مصممي التطبيقات دي عن طريق تحليل الأكسس توكن الخاص بكل حساب، فلا تشترك في تلك التطبيقات للحفاظ على خصوصيتك على الفيس بوك».
لم يكن هذا التحذير هو الوحيد الذي يقدمه خبراء أمن المعلومات حول التعامل مع التطبيقات والألعاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فثمة العديد من المخاطر التي تستهدف المستخدمين دون أن يدركوا أنهم وقعوا فرسية لكتائب ضخمة تعمل على تلك الشبكات على مدار الساعة لتحليل البيانات واحتلال العقول وتجنيد العملاء.

ليس الأمر دربًا من دروب الخيال، ولا محاولة لدفن رؤوسنا فى الرمال، وليس تخوفًا من التكنولوجيا الجديدة؛ لكنه رصد لحقائق تنير الطريق أمامنا كمستخدمى وسائل التواصل الاجتماعى خاصة بعد أن أصبحت إحدى أدوات السيطرة على العقول وتشكيل الوعى لدى الشعوب، بل ومكانًا لاستقطاب الجواسيس.

(1)

فى منتصف مارس 2019 أعلن محققو مكتب التحقيقات الفيدرالى فى الدعوى الجنائية المؤلفة من 41 صفحة عن تجنيد المخابرات الصينية أحد عملاء وكالة المخابرات الدفاعية الأمريكية السابق (DIA) رون روكويل هانسن.
كان هانسن يطبع معلومات من صفحات زملائه على موقع «LinkedIn» (هو أقدم مواقع التواصل الاجتماعى ويحتوى على 645 مليون مستخدم وتم إطلاقه عام 2002).
لم تكن القضية الأولى ولن تكون الأخيرة من نوعها، بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعى أحد أهم منصات جمع المعلومات وتحليل سلوك الشعوب والتأثير فى العقل الجمعى لها؛ فمنذ نهاية الحرب الباردة تغيرت أنماط وأساليب تجنيد العملاء والجواسيس نظريًا وميدانيًا، وأصبح العامل التقنى والتكنولوجى هو المحرك الأساسى فى عمليات التجنيد والتجسس خاصة، وسيزداد قطاع التجسس تطورًا مع ظهور “تكنولوجيا الجيل الخامس”.
أجمع الكثير من المختصين فى الدراسات الأمنية والاستخباراتية أن الاعتماد على العنصر البشرى فى التجنيد والتجسس قد تضاءل فى العقد الأخير، لا سيما وأن شركات التكنولوجيا قد طورت مختلف وسائل التواصل الاجتماعى التى تعد منفذًا سهلًا تدخل منه أجهزة الاستخبارات لأغراض تجنيد عملاء فى مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الأعمار والجنسيات.
ورغم أن شركات التكنولوجيا تبدى قلقها من حين لآخر تجاه أجهزة الاستخبارات التى تستغل منصاتها ومواقعها لغرض التجنيد والتجسس بل ووصل الأمر إلى المحاكم، إلا أن أجهزة الاستخبارات ما زالت ترى أن هذه المنصات والمواقع تمثل «طعمًا» جيدًا لاصطياد العملاء والجواسيس لا يمكن الاستغناء عنه وفق حسابات استخباراتية.

(2)

بدأت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بتجنيد موظفين وضباط من خلال خدمات البث عبر الإنترنت، مثل نتفلكس وأمازون، وذلك فى تطور لافت فى أساليب التجنيد التقليدية التى كانت تعتمدها الوكالة خلال تاريخها حيث استهدفت جواسيس تتراوح أعمارهم بين 18 إلى35 عامًا. كما اعتمدت المخابرات الصينية على موقع «LinkedIn» لتجنيد الجواسيس وكان آخرهم ما كشفت عنه الولايات المتحدة الأمريكية ونظيرتها الفرنسية والألمانية من قيام المخابرات الصينية بتجنيد عملاء لها فى البلدان الثلاثة عن طريق موقع التواصل الاجتماعى الأقدم «LinkedIn» والذى يعد أحد وجهات الباحثين عن وظائف ليسقطوا فى براثن ضباط المخابرات الذين يلتقطونهم على الجانب الآخر، حيث يقوم ضباط المخابرات بإدراج الأشخاص ممن لديهم إمكانية الوصول إلى المعلومات المطلوبة على قائمة الأهداف وترتيبهم وفقًا لفرص استخراجها، وبمجرد قيام ضابط المخابرات بتجميع قائمة بالأهداف المحتملة، تكون الخطوة التالية هى تحديد أفضل احتمالات التوظيف وأفضل طريقة لاصطيادهم.
هنا يكمن السبب وراء تفضيل أجهزة المخابرات لموقع «LinkedIn» ليكون مصيدة لتجنيد الجواسيس، لأنه يجمع أكبر عدد من الباحثين عن فرص العمل.
ويمكن تعديل مرحلة تطور عملية الاستقطاب بشكل مختلف اعتمادًا على الهدف النهائى، ويكون الهدف النهائى من هذه المرحلة هو إقامة علاقة وبناء درجة من الثقة حتى يمكن الوصول إلى الهدف الاستخباراتى.
فى أغسطس من العام الماضى، قال رئيس مكافحة التجسس الأمريكى «وليام إيفانينا» إن وكالات المخابرات الصينية شرعت فى حملة «شديدة العدوانية» لتجنيد أمريكيين على LinkedIn، وفى أكتوبر من العام ذاته، قدمت وكالات المخابرات الفرنسية إلى حكومتها تقريرًا يوضح كيف اتصل عملاء المخابرات الصينية بما يقرب من 4 آلاف موظف حكومى فرنسى ومديرى الشركات والعلماء عبر موقع «LinkedIn».
كما اتصل جواسيس صينيون بما يصل إلى 10 آلاف مواطن ألمانى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما «LinkedIn» خلال العام الماضي، بل إن السلطات الصينية استخدمت نظامًا واسع النطاق مبنيًا على تكنولوجيا للتجسس على أقلية الأويغور، وتم تطوير تقنيات للتعرف على الوجوه دُمجت فى شبكات كاميرات المراقبة الضخمة لتحديد الأويغور بناءً على مظهرهم للاحتفاظ بسجلات عن تحركاتهم فى أنحاء الصين.
وبحسب المعلومات المتوفرة فإن إحدى المدن تعرضت لعملية مسح ضوئى (500) ألف مرة فى شهر واحد للعثور على الأويغور.
لا يقتصر استخدام مواقع التواصل الاجتماعى لتجنيد وصيد الجواسيس على المخابرات الصينية أو نظيرتها الأمريكية أو غيرها من أجهزة الاستخبارات فى دول العالم، بل إن إسرائيل استخدمت مواقع التواصل الاجتماعى وتكنولوجيا التعرف على الوجوه لاستهداف عناصر المقاومة الفلسطينية.

(3)

إن استخدام وسائل التواصل الاجتماعى لتجنيد الجواسيس، ليس إلا جانبًا واحدًا من جهود التجسس الصينية، فبحسب تصريحات الرئيسة السابقة لجهاز مكافحة التجسس الأمريكى “ميشيل فان كليف” للكونجرس عام 2016، يوجد فى الولايات المتحدة أكثر من 30 ألف متسلل وحوالى 150 ألف خبير فى القطاع الخاص “تتمثل مهمتهم فى سرقة الأسرار العسكرية والتكنولوجية الأمريكية”.
وقد تلقى أحد كبار المسئولين السابقين فى السياسة الخارجية فى إدارة أوباما رسائل من شخص عبر موقع «LinkedIn» يعرض عليه نقله إلى الصين وتوفير فرص عمل «مدفوعة الأجر».
كما تلقى مسئول سابق بوزارة الخارجية الدنماركية رسائل عبر موقع «LinkedIn» من شخص يبدو أنه امرأة فى شركة توظيف صينية ترغب فى الاجتماع فى بكين، ظهر ثلاثة رجال فى منتصف العمر بدلًا من ذلك وقالوا إن بإمكانهم مساعدة المسئول السابق فى الحصول على «فرصة كبيرة مع النظام الصيني» لإجراء الأبحاث.
كما تمت إقامة صداقة مع مسؤول سابق فى البيت الأبيض فى عهد أوباما ودبلوماسى محترف على «LinkedIn» من جانب شخص زعم أنه زميل باحث فى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا مستخدمًا صفحة ملف شخصى تُظهر صلات بمساعدى البيت الأبيض وبعض السفراء، ولم يكن لهذا الشخص وجود على أرض الواقع.
يقول مسئولو مكافحة التجسس الغربيون إن الوكلاء الأجانب يستغلون وسائل التواصل الاجتماعى لمحاولة تجنيد العناصر من خلال موقع «LinkedIn» كساحة استقطاب أساسية.
كما أصدرت وكالات المخابرات فى الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا تحذيرات بشأن عملاء أجانب يقتربون من آلاف المستخدمين على الموقع، ويذكر المسئولون إن الجواسيس الصينيين هم الأكثر نشاطًا.
وبحسب معلومات مدققة فإن عناصر الاستخبارات تنتقى الباحثين عن العمل على موقع «LinkedIn» ثم تقوم بتحليل البيانات الخاصة بهم للوصول إلى طبيعة الشخصية وطرق التعامل معها وكيفية الاستفادة منها ومدى قدرتها على الحصول على معلومات عند الحاجة.
وقد اتهمت وزارة العدل الأمريكية فى أكتوبر 2018، عميل المخابرات الصينية «يانجون شو» بالتجسس الاقتصادى بعد أن قام بتجنيد مهندس لدى شركة «GE Aviation» فى علاقة بدأت عبر موقع «LinkedIn»، وفقًا للائحة الاتهام.
صرح إيفانينا، رئيس مكافحة التجسس، إن العملاء الصينيين كانوا يتصلون بآلاف الأشخاص فى وقت واحد على موقع «LinkedIn» قائلًا: «إنه مورد أساسى لتجميع العملاء».

(4)

ومن «LinkedIn» إلى «Facebook» و«WhatsApp»، حيث قامت الأخيرة بمقاضاة إحدى الشركات الإسرائيلية (NSO) المتخصصة فى مجال تكنولوجيا المعلومات بعد اختراقها بيانات المستخدمين من خلال إنتاج أجهزة الرصد والتجسس.
اتهمت «WhatsApp» شركة (NSO) بشن هجمات سيبرانية خلال فترة لا تتجاوز أسبوعين، تبين أنها استهدفت هواتف ما يزيد عن 1400 مستخدم فى عشرين دولة.
نعود إلى موقع فيس بوك، والذى بات ساحة لإطلاق التطبيقات التى تحصل على بيانات المستخدمين ومن ثم تحليلها وفق منظومة معلوماتية تستطيع من خلالها تحديد الأهداف التى يتم العمل عليها.
بل إن أجهزة الاستخبارات تستطيع من خلال تحليل البيانات والمعلومات المنشورة على الصفحات الشخصية – والتى يعتبرها البعض معلومات عادية ليست لها قيمة – أن تحصل على تحليل كامل عن سلوكيات الشعوب وقراءة التصرفات المستقبلية حال حدوث أية أزمات، كما تستطيع أيضًا التأثير فى العقل الجمعى لتلك الشعوب المستهدفة أو الفئات المحددة للعمل عليها من جانب أجهزة الاستخبارات.

الأمر جد خطير يستوجب منا جميعًا إعادة النظر في التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي وعدم الانقياد خلف مجموعة من التطبيقات تكون أول شروط الاشتراك فيها إتاحة البيانات الشخصية.
لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي أحد أخطر ساحات تجنيد وصيد الجواسيس وجمع المعلومات، مما يعد خطر يهدد الأمن القومي ويستوجب خلق حالة من الوعي عند التعامل معها.