رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

عودة الروح لصناعة الحرير

331

مروة علاء الدين

بعد عقود من إهمال صناعة الحرير في مصر.. ظهرت بارقة الأمل مؤخرا مع تصريحات رئيس الوزراء عن توجه الدولة للنهوض بصناعة الحرير الطبيعى، وهى صناعة من أرقى الصناعات التى احترفتها مصر ووصلت بها لأسواق العالم يوما ما، وقد آن الأوان لهذه الصناعة أن تعود بأضعاف الإنتاج السابق، وأن يلتقي المهتمون بالصناعة والمتخصصون من العلماء أو الباحثين للنهوض بعهد صناعة الحرير المهمة اقتصاديا فى مصر.
وكشفت دراسة علمية أعدها مركز البحوث الزراعية، أن مصر أفضل مكان فى العالم لزراعة أشجار «التوت»، والتي تعد من الأنواع قصيرة العمر، سريعة النمو.. ومن زراعة شجر التوت إلى خيط الحرير غالى الثمن، وفى هذا التحقيق، يروى لنا مجموعة من أصحاب الأنامل الذهبية حكاية عمل شاق يبدأ بزراعة شجرة التوت لتتغذى عليها دودة القز وصولا لإنتاج السجاد والأنسجة الأغلى والأفخم فى العالم..

فى البداية، يقول المهندس عبدالعاطي، صاحب مشروع ومصدر للأقمشة والحرير، إن دودة القز سلالات وأفضلها اليابانى وشجر التوت أيضا أنواع وأفضله الياباني، وأول خطوة للحصول على الحرير الطبيعى هو زراعة شجرة التوت، ولابد وأن تكون بعيدة عن الأتربة والملوثات ويفضل أن يكون من النوع اليابانى وهو الأفضل لتغذية الديدان، لأن أوراقه سميكة ومغذية ويشبه ورق الخروع فى الشكل لكنه غير عريض، وتزرع الأشجار بنظام عديم الساق لسهولة جنى الأوراق، وعند جنى الأوراق تنبت مكانها أوراق جديدة خلال أسبوعين، وللورقة عمر مثل الإنسان، فتبدأ صغيرة لا تصلح للتغذية ثم تكبر وتصير فى طور شبابها وهنا تصلح للتغذية ثم تشيخ ولا تصلح للتغذية ثم تسقط، ولذلك لابد من وضع نظام لجنى الأوراق وأفضل نظام هو الزراعة بدون ساق.

وأضاف أنه لشراء بيض دودة القز مضمون فيجب التوجه إلى مركز بحوث الحرير الطبيعي، وتستغرق دورة التربية ٤٠ يوما ويمكن أن تتم فى السنة ٦ دورات، وأوضح المهندس عبد العاطى، أن دودة القز تأكل ورق التوت وتنتج شرانق، أما إذا فرض عليها نوع آخر من المزروعات فستأكله كى لا تموت، ولكن لن تنتج حريرا، وأى خطأ فى التربية ينتج عنه شرانق ضعيفة ليس لها فائدة أو سعر.. وأشار إلى أن لون دودة القز عند الفقس أسود وحجمها صغير بالنسبة لرأس عود الكبريت، وبعد 35 يوما يكون لونها أبيض وحجمها يقارب حجم الأصبع، ثم يبدأ دود القز ينسج حول نفسه خيط واحد متواصل طوله ١٥٠٠ متر خلال ثلاثة أيام متواصلة ليل مع نهار ويسمى شرنقة ونحصل على الحرير بحل هذا الخيط، قبل تحولها إلى فراشة أى بعد ٤ أو ٥ أيام من صنع الشرنقة، يتم فرش الشرانق فى الشمس فتجف اليرقات وتموت قبل تحولها لفراشة لأنه إذا خرجت الفراشة من الشرنقة لا يمكن حل الشرنقة وتتلف.

ملكة الأنسجة

وتابع: يطلق العلماء على دودة القزّ اسم ملكة الأنسجة بلا منازع، وتُصنّف الخيوط التى تفرزها دودة القز إلى نوعين: خيوط الحرير المزروعة، التى تؤخذ من اليرقة التى تُربّى وتتغذى على أوراق التوت، وخيط الحرير البري؛ الذى يؤخذ من دودة القز، التى تتغذى على أوراق البلوط، وتمر دودة القز بمراحل نمو، وهي، البيضة بحيث تضع الفراشة ما بين 300 إلى 400 بيضة دفعة واحدة، ثم اليرقة، فقس البيض، وتبقى فى سبات ليأتى فصل الربيع، وهو الفصل الذى تنمو فيه أوراق الشجر، وخصوصاً أوراق التوت، وتخرج اليرقات من البيض مع حلول الربيع، ثم الشرنقة، وهى المرحلة التى تقوم فيها اليرقة بنسج الحرير من حولها، وتعيش داخل الشرنقة مدة أسبوعين، ثم تتحول إلى فراشة، وتحتاج تربية دودة القز إلى عناية وصبر من المربّي، حيثُ إنها تُربى بحرص شديد، والدودة قوية جدا أثناء دورتها ولكن تحتاج لدرجة حرارة ١٥ إلى ٢٥ وأعداؤها النمل والعصافير والفئران والزواحف وروثها مفيد لمزارع الأسماك.
وأشار إلى أن مشروع الحرير الطبيعى لا يتلخص فقط فى تربية دودة القز وإنتاج الشرانق، بل وأيضا تصنيع خيوط وإنتاج أقمشة للسوق الأجنبى والمحلى، والمشروع مربح بشرط توافر أوراق التوت واتباع تعليمات وإرشادات التربية السليمة، ويتميز المشروع بقصر المدة الزمنية ٣٥ يوما وسرعة دوران رأس المال، ومن شروط نجاحه توفر، مزرعة خاصة، وعنبر مكيف، وماكينة حل ميكانيكي.

التعاون مع اليابان

وتقول د. رحاب حسني، بقسم بحوث الحرير بمعهد بحوث وقاية النبات التابع لمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة، إن قسم بحوث الحرير يقدم دورات تدريبية نظرية وعملية على التوت وتربية الدود وحل الشرانق وبالطرق التكنولوجية الحديثة، تلك البرامج تدريبية شهرية لتنمية صناعة الحرير الطبيعى من خلال التوسع فى إنشاء مشاتل وحقول أشجار التوت من الأصناف عالية الإنتاجية، والتقنيات الحديثة فى تربية دودة القز وسلالاتها وطرق إنتاجها، واستخدام طرق التفقيس الصناعى لتربية ديدان الحرير وإنتاج الحرير.
وأضافت د. رحاب، أن المعهد يقوم بدورات عملية فى مناطق الإنتاج، والتى تضم إنشاء مشاتل وحقول التوت التى تقيمها وزارة الزراعة، وتربية ديدان الحرير وسلالاتها وإنتاج الشرانق، كما يتم خلال الدورات عرض تجارب شبابية لتنمية صناعة الحرير، ودورها فى تدوير مخلفات ديدان الحرير وإحياء القرى المتخصصة فى صناعة الحرير، فضلا عن إحياء المشاريع الشبابية لإنتاج الحرير.
وأكدت د. رحاب، أن القسم يعمل على تسويق منتجات المربين سواء كانت خيوط حرير أو شلل خيط حرير، مشيرة إلى أن اليابان فى الوقت الحالى بلا فلاحين أو عمالة، نظرا لارتفاع مستوى معيشة الفرد هناك، وبالتالى إذا نجحنا فى مصر بإنتاج الحرير ستكون هناك فرصة للتعاون معهم وهذا لمحاولتهم التعاون مع دول إفريقيا، والجدير بالذكر أنه لا يوجد حصر لأشجار التوت فى مصر، لأنها زراعة عشوائية على حواف الترع والمصارف، وتدرس وزارة الزراعة حاليا عمل خريطة بمواقع أشجار التوت وإعداد برامج تنفيذية للتوسع فى إنشاء مشاتل وحقول التوت، وتربية ديدان الحرير «دودة القز» وسلالاتها وطرق إنتاجها.

تشجيع الحرفيين

ويقول د. محمد سالم، بقسم بحوث الحرير: خصصت الهند يوما لتشجيع الحرفيين وصانعى خيوط الحرير والأقمشة وأطلقوا عليه عيد (النول اليدوي)، وأتمنى أن نكون أفضل منهم وهذا ليس بالأمر الصعب، مصر بها عمالة ماهرة فى الحرف اليدوية بجميع أشكالها، وبإمكاننا النجاح بشرط زراعة التوت الجيد ثم تعلم التربية بشكل صحيح ثم تعلم حل الشرانق للحصول على خيوط حرير عالية الجودة ثم النسج على الأنوال اليدوية.
أما عن الصعوبات التى تواجه الشاب فى بداية المشروع، فيقول يحيى عبد الجليل، صاحب مشروع ويمد يد العون لكل شاب مبتدئ: أسخر وقتى دائما فى تقديم المعلومات ومساعدة كل المجتهدين والحريصين على معرفة وتعلم صناعة الحرير الطبيعي، وأوضح أن كل شاب بدأ فى المشروع ولديه شرانق ويريد تحويلها لخيط حرير خام ولا يعرف، فمن السهل التوجه إلى قسم بحوث الحرير والذى يمتلك ماكينات الحل البلدى والميكانيكي، وهذا يتوقف على جودة الشرانق، أو صناعة ماكينة حل بلدى بالمنزل وسأعلمه كيفية استخدامها لوجه الله دون مقابل، ومن المهم للحصول على خام الحرير خضوع الخيط لعملية الفتالة لاستكمال مرحلة تجهيز الخيط.
مجتمع المتخصصين

ويوضح سامح أحمد، المدير التنفيذى لرابطة منتجى ومسوقى الحرير، والخبير فى تربية دودة الحرير، دورالرابطة يأتى فى توفير يرقات دودة القز فى أعمار كبيرة، فبدلًا من قيام المربى بشراء البيض فى دورة الإنتاج من بدايتها البالغة 35 يوماً، يتم توفير يرقات فى منتصف العمر صحيحة ومحصنة ضد الأمراض، كما أن دورة الإنتاج بالنسبة لصاحب المشروع ستكون فى حدود 15 يوماً بدلاً من 35 يوماً، مما يجعل المربى يربى عدد دورات يصل إلى 12 دورة فى السنة وتزيد من فاعلية أداء المشروع، شرط أن يكون لديه مصدر لورق التوت الذى يعينه على توفير الغذاء لهذه الكمية، ولفت إلى أن انتشار زراعة شجر التوت من السلالات عالية الجودة بدلا من شجر الزينة مثل الفيكس يعود بالنفع ليس فقط لدعم مشروع الحرير، بل يجب على غير المهتمين بالمشروع زراعة شجر التوت لفوائده العظيمة، حيث يعالج شرب أوراقه مرضى السكر وتحتوى ثماره على مضادات أكسدة أكثر من الفراولة، لذلك نجد انتشار الأمراض الخبيثة نتيجة عدم تناول جرعة سنوية من ثمار التوت، كذلك تعالج الثمار الأنيميا وتقوى الجهاز المناعى ويصنع منها مربى التوت المناسبة لمرضى السكر لما فيها من سكر طبيعى، فضلاً عن أن شجر التوت لا تنمو عليه الحشرات والعناكب بكثرة كما تنمو على شجر الفيكس وغيرها، موضحا أن المشروع مربح وبإمكان المربى الحصول على صافى 1500جنيه فى الشهر، من خلال تربية حوالى (3 علب بيض) لعدد 6 دورات فى السنة على شجر التوت، ويحكى أنه بدأ وهو شاب فى جمع أوراق التوت من أشجار الأحياء الراقية ليتغذى عليه بيض دودة الحرير الذى كان يحصل عليه من مركز بحوث الحرير، التابع لمركز البحوث الزراعية.
وأضاف أن السوق المصرى يحتاج إلى 350 طنا سنويا من الحرير، بينما تنتج مصر طنا واحدا فقط، ويتم استيراد الباقي، وختم كلامه قائلًا: «أكثر ما يضايقنى هو أن نضطر لاستيراد منتج يمكن إنتاجه محليا».

تدمير الصناعة

ويقول د. أسامة غازى، رئيس قسم بحوث الحرير بالمركز القومى للبحوث الزراعية سابقا، إن الهدف من وراء إنشاء القسم بحثى وتدريبى وهدف إرشادى وتوجيهى، ولكن من المؤسف تعرض صناعة الحرير للتدمير فى السنوات الأخيرة، خاصة أيام ثورة يناير 2011، وذلك بسبب قطع أشجار التوت بشكل مستمر وتدمير إرث محمد على باشا من أشجار التوت، لاستخدامه فى الفحم والأثاث مما أدى إلى تراجع إنتاج مصر من الحرير إلى طن واحد سنويًا، بينما نقوم على استهلاك 350 طنا سنويًا، وهذا يرجع إلى عدم الوعى والبحث عن الربح السريع بمنتجات لا يقوم عليها الاقتصاد، ووجه رسالته إلى الإعلام بأهمية رفع وعى المستثمرين والشباب للعمل فى مجال الحرير.
وأوضح «غازى» أن الصين هى من أكبر الدول المنتجة للحرير، ولكنها توقفت عن التصدير وهذه فرصة أمام مصر لنتبوأ مكانة عالمية، مؤكدًا أنه مشروع مربح ويحول الشاب إلى رجل أعمال ذى قيمة ومستثمر ناجح يرفع من قيمة اقتصاد بلده، حيث يصل سعر كيلو الحرير من 2000 إلى 3000 جنيه.