رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

بعد فوز مرشح «المرشد» بمقعد الرئاسة شبح «نجاد» يخيم على إيران.. ومخاوف من العودة للمربع صفر

965

لم يكن فوز «إبراهيم رئيسى» بمنصب الرئاسة فى إيران مفاجئًا للمتابعين للشأن الإيرانى، فالكل كان يعلم أن المرشح المفضل للمرشد الأعلى «خامنئى» والمؤسسة العسكرية الإيرانية سينجح فى الفوز برئاسة الجمهورية الإسلامية. وقد أعاد هذا الفوز إلى الأذهان سنوات الحكم الثمانية من (2005-2013) التى قضاها الرئيس الإيرانى المتشدد «محمود أحمدى نجاد» فى الحكم، والتى جاءت لتنهى عملية الإصلاح التى كان قد بدأها الرئيس محمد خاتمى فى السنوات من (1997-2005).

روضة فؤاد

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه الآن فى إيران، فمحاولات الإصلاح والانفتاح التى اتبعها الرئيس السابق «حسن روحانى»، والتى كانت تمكنه فى بعض الأحوال من إقناع المرشد ببعض الليونة تجاه بعض الملفات، لن تتواصل مع «إبراهيم رئيسى»- رجل الدين القادم من مدينة مشهد، والمتدرج فى سلك القضاء حتى بلوغه قمته، فـ «رئيسى» مُتهم بإصدار أحكام قضائية جائرة لأسباب ودوافع سياسية وليست جنائية، وكما ذكرت «سكاى نيوز» فإن رئيسى كان واحدًا من أربع شخصيات قضائية أشرفوا على محاكمات صورية أودت بحياة 500 سجين سياسى، كذلك كان رئيسى فى أعلى سلم الادعاء العام فى العاصمة الإيرانية طهران، حين وقعت الثورة الخضراء عام 2009، وتسبب فى إصدار أحكام قمعية ضد الثوار الإيرانيين.

ومن المنتظر أن يعزز فوز رئيسى فى انتخابات الرئاسة قبضة التيار المحافظ على كل مفاصل الحكم فى إيران، وعلى مؤسسات الدولة، والمؤسسة الدينية، وقد أشارت «بى بى سى» فى هذا الصدد إلى أنه لن يكون هناك مجال للاجتهاد أو لوجهات نظر متباينة حول القضايا والمسائل السياسية التى تواجهها إيران، مثل قضية الملف النووى الإيرانى.

تصريحات الرئيس التى أعقبت إعلان فوزه تعزز الافتراضات السابقة، إذ شدد على أن «السياسة الخارجية للحكومة الجديدة لا تبدأ من الاتفاق النووى، أو تختتم طريقها منه». ورأى أن «الاتفاق النووى يجب أن تحييه واشنطن والدول الأوروبية، وعلى الأوروبيين الالتزام ببنود الاتفاق، وعدم الرضوخ للأمريكيين»، وأشار إلى أنه يدعم المفاوضات النووية، «لكن ينبغى تحقيق المطالب الإيرانية، ولن نسمح بمفاوضات استنزافية، وينبغى لأى جولة مفاوضات أن تحقق نتائج ونرفض التفاوض من أجل التفاوض».

وأوضح رئيسى أن «سياستنا الخارجية ستكون مرتبطة بالتعامل الواسع والمتوازن مع كافة الدول، وقضية إلغاء العقوبات ستكون محور سياسة حكومتى الخارجية». وأعلن «أننى لا أريد لقاء الرئيس الأمريكى جو بايدن، وعلاقاتنا مع الصين مستمرة منذ قيام الثورة فى إيران».

وعلى الرغم من وضوح تصريحات رئيسى، يظل التساؤل حول إمكانية العودة إلى الاتفاق النووى، ورفع العقوبات كليًا، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية التى يواجهها رئيسى والمتمثلة فى التضخم والبطالة وانهيار العملة المحلية.

تتعدد آراء الخبراء والمحللين، فهناك البعض يرى أن القوى الغربية ستقوم بمحاولات الوصول إلى اتفاق مع الفريق المفاوض الإيرانى قبل تسليم السلطة إلى رئيسى فى أغسطس المقبل، خشية تأخر إبرام اتفاق مع حكومة رئيسى بعد تغيير الفريق المفاوض الحالى مع القوى الغربية، وقد ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية فى سياق تقرير مطول أن الأسابيع الستة المقبلة قبل تولى حكومة جديدة السلطة فى إيران قد تمثل فرصة فريدة لإدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن للعودة إلى الاتفاق بشأن الملف النووى مع طهران، الذى طالما أجلته القيادة الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أن إعلان فوز رئيس السلطة القضائية السابق والمرشح المحافظ للغاية إبراهيم رئيسى بالانتخابات الرئاسية الإيرانية أثار فرصة دبلوماسية كان من الصعب التنبؤ بها، وهى أن صعود حكومة متشددة فى إيران قد يمنح إدارة بايدن فى الواقع فرصة وجيزة لاستعادة الاتفاق النووى الموقع عام 2015.

ويعتقد كبار مساعدى الرئيس بايدن الذين كانوا يتفاوضون مع المسئولين الإيرانيين عبر وسطاء وخلف أبواب مغلقة فى فيينا أن اللحظة المناسبة ربما حانت، مشيرين إلى أن الأسابيع التى تفصلنا عن تنصيب رئيسى رئيسا فرصة فريدة للتوصل إلى اتفاق نهائى مع الإيرانيين بشأن قرار مؤلم لطالما أجلوه.

ويؤكد المسئولون فى كل من واشنطن وطهران أن المرشد الإيرانى على خامنئى (82 عاما) يريد بالفعل استعادة الاتفاق النووى مع الغرب الذى انسحب منه الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب قبل أكثر من 3 سنوات، وذلك من أجل رفع العقوبات الصارمة التى أبقت النفط الإيرانى خارج السوق العالمية.

ويعتقد المسئولون أن خامنئى- الذى كان يدير ليس فقط ملف الانتخابات بل أيضا المفاوضات النووية- لا يريد أن يتخلى عن أفضل أمل له فى تخليص بلاده من العقوبات، قبل تولى إبراهيم رئيسى وهو أحد مقربيه والمرشح الرئيسى ليصبح المرشد الأعلى المقبل للأمة الإيرانية، حسب كثيرين.

لذا فإن المؤشرات داخل مفاوضات فيينا- حسبما تقول الصحيفة- تشير إلى أن القرار النهائى للمضى قدمًا فى الصفقة مع الأمريكيين قد يأتى فى الأسابيع القليلة المقبلة، قبل تنصيب رئيسى وفى حين لا تزال حكومة إيرانية أطول عمرا وأكثر اعتدالا فى السلطة.

وحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن هذا الأمر يعنى أن المعتدلين فى إيران سيتم إعدادهم لتحمل اللوم على الاستسلام للغرب، وتحمل وطأة الغضب الشعبى إذا لم ينقذ تخفيف العقوبات على اقتصاد البلاد المتضرر. ولكن الصفقة إذا تزامنت مع وصول الحكومة المحافظة الجديدة إلى السلطة فسيكون الفضل فى حدوث أى انتعاش اقتصادى من نصيبها، وسيعزز ذلك الطرح القائل إن الأمر كان يتطلب حكومة قومية متشددة للوقوف فى وجه واشنطن وإعادة البلاد إلى السكة الصحيحة.

ورأت الصحيفة الأمريكية، أنه فى حال نجح رهان بايدن وكانت الحكومة المتشددة فى طهران هى سبيله للوفاء بوعده الانتخابى باستعادة الاتفاق النووى الذى كان ناجحا إلى حد كبير حتى ألغاه الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، فسيكون ذلك منعطفا غريبا آخر فى اتفاق لم يسعد أحدا من الطرفين لا الإيرانيين ولا الأمريكيين.

ولكن مصادر داخل مفاوضات فيينا تؤكد أن هناك عقبتين رئيسيتين يمكن أن تعرقلا جهود بايدن لاستعادة الصفقة مع الإيرانيين، حسب الصحيفة.

فمن جهة، يطالب الإيرانيون بالتزام مكتوب يمنع أى حكومة أمريكية مستقبلا من إلغاء الاتفاق كما فعل الرئيس السابق دونالد ترامب، وهو «مطلب يبدو معقولا لكن لا يمكن لأى ديمقراطية حقيقية أن تصنعه»، حسب تعبير أحد كبار المسئولين الأمريكيين، ومن جهة ثانية، تطالب إدارة بايدن التى تدرك تماما أوجه القصور فى اتفاق عام 2015 بأن توافق إيران كتابيا أيضا على عودة فورية إلى طاولة المفاوضات بمجرد استعادة الاتفاق القديم والبدء بصياغة شروط اتفاقية أكبر تكون أقوى وأطول مدى كما  وصفها وزير الخارجية الأمريكى أنتونى بلينكن.

على الجانب الأخر، رأت بعض الصحف الأخرى أن فوز رئيسى بالانتخابات يمثل خطرًا على بلاده، ومسار الاتفاق النووى، وذكرت صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية أن فوز رئيسى سيترك أثاره على إيران والمجتمع الدولى، وقد يترك أثاره المثيرة للقلق على المحادثات الجارية فى فيينا للحد من جهود إيران النووية.