رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

بين نقص اللقاحات وتفشى السلالات المتحورة.. إفريقيا تواجه الأصعب فى اختبار كورونا

332

على الرغم من حدوث تراجع نسبى فى معدلات الإصابة والوفيات بفيروس كورونا فى العديد من دول العالم بسبب تسارع وتيرة التلقيح، إلا أن الوضع فى قارة إفريقيا يبدو مختلفًا، إذ أن القارة التى تضم 54 دولة تبدو وكأنها تسير عكس اتجاه العالم، حيث يتسارع تفشى الفيروس فى دول القارة بشكل كبير، حتى أن منظمة الصحة العالمية ذكرت فى بيان لها أن مسار «كوفيد-19» فى إفريقيا مقلق جدًا.

 

روضة فؤاد

طبقًا للأرقام الرسمية، فإن القارة الإفريقية تشهد موجة وبائية ثالثة وصفتها منظمة الصحة العالمية بالعنيفة، فى ظل نقص اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، وتراخى التدابير الاحترازية، إضافة إلى انتشار النسخ المتحورة الأشد عدوى، وحلول الشتاء فى جنوب القارة، حيث تتمركز 40% من الإصابات.

وتعتبر جنوب إفريقيا من الدول الأكثر تضررًا فى القارة الإفريقية من حيث عدد الإصابات والوفيات، ونقلت وكالات الأنباء مؤخرًا خبرًا بأن جنوب إفريقيا تواجه خطر نفاد التوابيت بسبب زيادة الوفيات الناجمة عن الإصابة بمرض «كوفيد – 19».

التطورات الجارية فى جنوب إفريقيا دفعت الحكومة لتمديد القيود المشددة للتصدى للفيروس، مما يعنى استمرار حظر كافة التجمعات ومنع التجول من التاسعة مساء حتى الرابعة من صباح اليوم التالى.

لم تكن جنوب إفريقيا الدولة الوحيدة فى إفريقيا التى تعانى من تداعيات تفشى فيروس كورونا، ففى زامبيا يتفشى فيروس أسرع من أى مكان آخر فى العالم بزيادة أسبوعية بنسبة 147%، وتحدث وزير الصحة الزامبى مؤخرًا عن الاكتظاظ فى مشارح الجثث، وفى أوغندا تحدث وزير الصحة عن أن هناك عددا كبيرا من الشباب فى المستشفيات، وهو أمر مختلف عما كان عليه الوضع خلال الموجة الثانية، وتحاول الدولة زيادة خدمات الرعاية الصحية فى المنازل للحالات الأقل خطورة، لكن هناك نقصا أيضا فى احتياطات الأكسجين.

وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية، فى تقرير لها أن الموجة الثالثة تضرب أيضا الدول التى كانت تعتبر بمنأى نسبيًا عن تفشى الوباء مثل ليبيريا وسيراليون فى غرب إفريقيا، وصرح رئيس ليبيريا جورج ويا أن «الوضع أكثر إثارة للقلق مما كان منذ عام»، متحدثا عن مستشفيات مكتظة بمرضى يعانون من صعوبات تنفسية.

لا تعانى الدول الإفريقية من تفشى الفيروس ومتحوراته فقط، فالأزمة الأكبر تتمثل فى نقص اللقاحات، وهو ما يهدد تلك الدول بموجتين رابعة وخامسة، وعلى الرغم من أنه حتى الآن تم توزيع أكثر من 3 مليارات جرعة من لقاحات كورونا فى جميع أنحاء العالم، إلا أن نسبة إفريقيا، التى تعد موطنا لـ17٪ من سكان العالم، أقل من 2٪ فقط من هذه الجرعات، مما يطرح التساؤل مجددًا حول العدالة فى توزيع اللقاحات بين الأغنياء والفقراء، إذ تستمر الدول الغنية فى الاستحواذ على أغلب إنتاج اللقاحات المضادة للفيروس المتفشى فى العالم، فى حين تعانى البلدان الفقيرة من نقص الإمدادات من اللقاحات.

العدالة الغائبة دفعت الرئيس السنغالى إلى إبداء دهشته وغضبه خاصة بعد سماعه ببدء الولايات المتحدة حملة تطعيم فى حدائق الحيوان ضد فيروس كورونا، فى الوقت الذى لم تلقح الكثير من الدول النامية 1% من مواطنيها ضد الفيروس.

وتفيد تقديرات مركز إفريقيا لمكافحة الأمراض ومنع العدوى أن 1.1% فقط من سكان القارة -البالغ عددهم حوالى 1.2 مليار نسمة- هم الذين حصلوا على التطعيم، مقابل تلقيح 50% من سكان الولايات المتحدة وتطعيم كل المستهدفين من سكان بريطانيا، ومن بين 3 مليارات جرعة من لقاحات كورونا تم توزيعها على مستوى العالم، كان نصيب إفريقيا 50 مليون جرعة فقط.

وقال «ريتشارد ميهيجو» مدير برنامج التطعيم وتطوير اللقاحات فى مكتب إفريقيا بمنظمة الصحة العالمية «إفريقيا لا تنتظر اللقاحات من العالم كصدقة.. إنها تمثل فرصة أمام المجتمع الدولى لمنع ظهور سلالات جديدة من الفيروس أسرع انتقالًا، وستعيد كل الجهود حتى تلك التى بذلتها الدول الغنية لاحتواء الجائحة إلى نقطة الصفر».

وقد تناولت العديد من الصحف العالمية تلك الأزمة فى تقارير ومقالات مطولة، ففى صحيفة «الجارديان» البريطانية كتب «بول فارمر» رئيس قسم الصحة العالمية أن الدول الغنية احتلت الصدارة فى عملية التدافع لشراء اللقاحات، مما دفع مبادرة «كوفاكس»، التى تعتمد عليها معظم دول إفريقيا، إلى نهاية قائمة الانتظار، كما تعرضت القارة لضربة أخرى عندما أوقفت الهند، التى تأثرت بموجة قاسية من إصابات كورونا، تصدير جرعات لقاح أسترازينيكا المُصنع من قبل أكبر مورد لـ «كوفاكس»، وهو معهد سيروم فى الهند، مع عدم احتمالية استئناف إرسال الشحنات حتى نهاية عام 2021، مما جعل سبع دول فقط من أصل 54 دولة إفريقية فى طريقها لتطعيم 10٪ على الأكثر من سكانها بحلول سبتمبر المقبل.

واعتبر المقال أن حملة التلقيح فى إفريقيا التى تعثرت بسبب الوعود المنكوثة والاعتماد على الموردين الأجانب، تعكس نقصا حادا فى التضامن العالمى.

فى نفس السياق، نشرت وكالة الأنباء الألمانية «د.ب.أ» تقريرًا مطولًا حول نفس القضية، فذكرت أن الدول الصناعية الغنية والمتقدمة كانت الأشد تضررا من جائحة كورونا المستجد فى موجتها الأولى، التى انطلقت فى مارس 2020، والآن وبعد مرور ما يقرب من 15 شهرا على بدء الجائحة عالميا، بدأت الدول الغنية مناقشة موضوعات ما بعد الجائحة، مثل تخفيف القيود على الحركة والأنشطة الاقتصادية، وبرامج التطعيم وعودة الحياة إلى طبيعتها، فى المقابل فإن أغلب دول قارة إفريقيا سقطت حاليا فى قبضة الموجة الثالثة من الجائحة وتستعد للموجة الرابعة وربما الخامسة، فى حين لا يوجد أمل كبير فى تطعيم أعداد كبيرة من سكان إفريقيا خلال الشهور المقبلة، بسبب استمرار الدول الغنية فى الاستحواذ على أغلب إنتاج اللقاحات المضادة للفيروس.

ونقلت وكالة بلومبرج للأنباء، عن «أنطونى سجوازين» رئيس مكتب الوكالة بجنوب إفريقيا قوله إن انتشار السلالة الجديدة المتحورة فى إفريقيا، ينطوى على خطورة كبيرة بظهور سلالات جديدة مقاومة للقاحات المتاحة حاليا وهو ما يهدد ليس فقط إفريقيا ولكن كل دول العالم.

وأشار «توليو دى أوليفيرا» مدير معهد كوسبى لأبحاث التسلسل الجينى فى جنوب إفريقيا إن «الموجة الثالثة من جائحة كورونا ستكون كارثة لأننا فى جنوب إفريقيا وقارة إفريقيا ككل لا نحصل على اللقاحات التى نحتاجها بشدة… إذا لم نحصل على اللقاحات، خلال الشهور القليلة المقبلة، فسنواجه خطر موجة مدمرة أخرى من العدوى ليس فقط فى عدد الإصابات وإنما أيضا فى عدد الوفيات».