رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

الخبير الاستراتيجى اللواء محمود خليفة لـ «أكتوبر»: واشنطن تركت أسلحتها لطالبان «عربون صداقة»

453

«انسحاب أمريكا من أفغانستان ليس هزيمة».. هذا ما أكده الخبير الاستراتيجى اللواء محمود خليفة المستشار العسكرى للأمين العام للجامعة العربية فى حواره مع «أكتوبر»، مشيراً إلى أن واشنطن حققت كل أهدافها الجيواستراتيجية والجيوسياسية من وجودها هناك.

وشدد على أنه كان هناك تواصل بينها وبين طالبان، وأنها تركت أسلحتها لهم كعربون صداقة ولم تمنحها للجيش الأفغانى، متوقعاً أن تفتح أمريكا ملفا جديدا فى إحدى مناطق العالم تحت شعار مكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعن مزيد من التفاصيل بشأن العلاقة بين واشنطن وطالبان.

وليد فائق

 بداية بعد استيلاء طالبان على الحكم فى أفغانستان.. كيف رأيت هذا المشهد الدرامي؟

لاشك أنه بالنسبة لأى متابع يمتلك رؤية محسوبة من خلال الأحداث التاريخية توقع حدوث هذا المشهد طبقا لمعطيات كثيرة، أساسها فكر السياسة الغربية فى أسلوب سياستها وأسلوب إدارة مصالحها.. أما بالنسبة لحركة طالبان فأعتقد أن تأنى الكثير من دول العالم فى الإعلان عن موقفها من طالبان.. هل تساند وتدعم طالبان أم تعترض على وجودها؟!.. فالجميع غالبا فى حيرة من اتخاذ موقف واضح حتى لا يحسب عليه فى أى موقف يتخذه.. لكن أساس هذا التردد – أو قل التأنى – يرجع إلى عاملين.. الأول هو الاحترام التام لإرادة الشعوب، والثانى هو منهج طالبان الذى أساسه حمل السلاح.. ولذلك ننتظر لنرى كيف سينجلى الموقف عن أسلوب إدارة طالبان ومن يتحالف معه؟

 هل هذا يعتبر هزيمة لأمريكا والناتو أم أنه تم باتفاق مسبق بين واشنطن وطالبان؟

من وجهة نظرى انسحاب أمريكا أو الناتو من أفغانستان ليست هزيمة، ولكن بدقة هو مغادرة بعد انتهاء تحقيق الأهداف التى من أجلها تدخلت أمريكا فى أفغانستان.. لأنه متى يعنى الانسحاب هزيمة؟ ذلك يكون  فى حال إذا كان الانسحاب بعد أيام أو شهور أو سنة على الأكثر، وبعد تعرضها لخسائر فادحة.. لكن ما حدث أنها بقيت لمدة عشرين عاما كاملة.. فهل من يقول بأنه انسحاب أو هزيمة كان يتوقع أن تمكث أمريكا فى الأراضى الأفغانية ثمانين أو تسعين سنة؟! لذلك أعتقد وبقوة أن أمريكا حققت كل أهدافها المخططة والتى قد لا تعلن عنها صراحة للرأى العام العالمى.

أهداف غير معلنة

 أمريكا دخلت أفغانستان منذ ٢٠ عاما بأهداف محددة هى القضاء على «القاعدة» وإنهاء حكم طالبان ونشر الديمقراطية.. وكما هو واضح لم تتحقق هذه الأهداف على أرض الواقع.. فكيف تقيم المغامرة الأمريكية؟

الأكيد فى علم السياسة وأسلوب إدارة أمريكا لمصالحها، هناك فرق بين الأهداف المعلنة للعالم وأهداف أخرى حقيقية لتحقيق مصالحها الحيوية.. فمثلا لا يوجد منطقة فى العالم أعلنت أمريكا أنها ستحارب فيها الإرهاب، وانتهى فيها هذا الإرهاب، سواء فى الصومال أو العراق أو سوريا أو أفغانستان، ولم يستقر الموقف إلا بإرادة الشعوب نفسها وبعض المساعدات من دول صديقة صادقة بالفعل ولديها شفافية لمساعدة تلك الدول.. ثانيا أمريكا بتواجدها فى أفغانستان تحقق أهداف «جيواستراتيجية» و«جيوسياسية» بمنع التواجد الروسى أو الصينى والتمدد شرقا لزيادة نفوذ حلف الناتو فى اتجاه الشرق وأقصد روسيا تحديدا.. ثالثا أتصور أنه كان هناك تواصل بين أمريكا وطالبان وكل الحركات فى أفغانستان والمنطقة.. أياً كان اسم تلك الحركات أو الجماعات، سواء طالبان أو القاعدة أو داعش.. فجميعهم لديهم أيدلوجية واحدة الفرق بينهم فقط.. المسميات.

 برأيك لماذا انهار الجيش الأفغانى المدرب على يد أمريكا بهذه السرعة أمام طالبان، خاصة مع إنفاق واشنطن ٨٣ مليار دولار على تدريب وتسليح هذا الجيش؟

لدى يقين بالمثل العربى الذى يقول «ماحك جلدك مثل ظفرك».. وبالتالى أمريكا مهما أعلنت فلن تدرب جيشا أى دولة تتواجد بها ليكون جيشا قويا.. حتى تضمن طلب القيادة السياسية فى تلك الدول استمرار تواجد القوات الأمريكية لتأمينها.. والجميع تابع فى الأيام الأخيرة قبل الانسحاب حجم الأسلحة المختلفة التى تركتها أمريكا ليست للجيش الأفغانى، ولكن لحركة طالبان.. وكأنه عربون صداقة معها.. واستيلاء طالبان على أفغانستان، وأمريكا تعلم ذلك وتواصلها معها يؤكد أن أمريكا حققت مصالحها حتى ولو على حساب أن تستولى طالبان على الحكم.. وأما من ناحية إنفاق 83 مليار دولار أمريكى فى أفغانستان أعتقد أمريكا حققت مصالح اقتصادية بتواجدها يساوى عشرات أضعاف هذا المبلغ حتى ولو لم يعلن ذلك.

خطة قديمة

 هل كانت عودة طالبان علاقة بفشل الربيع العربى فى المنطقة.. فعادت أمريكا لخطتها القديمة من تجميع الإرهابيين فى أفغانستان تحت لواء «الأفغان العرب» لتهديد دول المنطقة بهم، كما حدث فى التسعينيات؟

ما حدث فى المنطقة العربية لا أعتبره ربيعا، بل لا يمت بأى صلة لأى فصل من فصول السنة.. وإذا كان مخططا تقسيم الدول العربية حتى الآن تم إحباطه تماما، لأنه لم ينجح حتى الآن لأن شعوب الدول أدركت المخاطر والتهديدات وما يحاك ضدها، ولذلك رأينا كيف تماسكت الدول العربية شعبيا وسياسيا من أجل الحفاظ على الدولة الوطنية، مثل ما حدث فى مصر والعراق وسوريا وتونس وليبيا، رغم أن بعض المخاطر مازالت موجودة مثل الموقف فى اليمن، لكن الجهود العربية وتعاون دول المنطقة ساعد فى التماسك وإحباط المخطط حتى الآن… وبالتالى أعنى تماما أن المخطط لم يلغ من أجندة دول الشر التى تريد إسقاط وتقسيم دولنا.. أما فتح أمريكا عملياتها فى أفغانستان منذ عشرين عاما.. فهذا كان متوقعا عندما تقفل أو تنسحب من مكان مثل الصومال فلا بد أن تفتح فى منطقة أخرى من العالم، وأتوقع طبقا للأحداث التاريخية المتتابعة أن تفتح فى إحد المناطق أو الدول تحت بند مكافحة الإرهاب أو تحقيق الاستقرار أو الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 هل ما زال مخطط الشرق الأوسط الجديد والتقسيم الثانى لدولنا مطروحاً؟

بالتأكيد لأن التاريخ من يقرأ دروسه يستفاد منها فى العصر الذى يعيش فيه… والتاريخ يقول إن الكيانات الكبيرة التى تبنى سياستها ومصالحها على أنقاض الدول الصغيرة.. يكون تخطيط مصالحها استراتيجيا ممتد على سنوات طويلة (سياسة النفس الطويل)، تلك الكيانات الكبيرة مصالحها فى الأساس اقتصادية من خلال الحصول على الثروات والموارد الطبيعية وتأمين تجارتها فى مناطق مختلفة بالعالم، بالإضافة إلى الاستيلاء على مناطق تحقق مصالح استراتيجية وإنشاء قواعد عسكرية، بهدف الحفاظ على مكانتها الدولية من خلال تلك المعطيات أرى أن المخططات لن تلغى فى الحاضر أو المستقبل القريب، طالما أن عملية التدخل والتغلغل وصناعة الازمات تحقق مصالحها فلن تتخلى عن تلك المخططات..إذن العملية هى صراع إرادات بين دول تريد أن تعيش فى سلام واستقرار، وكيانات كبيرة تسعى لتحقيق مصالحها بأية ثمن، حتى لو من خلال صناعة الفوضى وعدم الاستقرار..

الجماعات الإرهابية

 بعد خروج سجناء القاعدة وداعش وجوانتانامو من سجون كابول مع عودة طالبان.. هل ستعود أفغانستان ملجأ للإرهاب الدولي؟

أتصور أن جميع من يكون منهجهم القتل واستخدام الإرهاب كوسيلة لتحقيق مصالحهم بينهم توافق بصرف النظر عن المسميات، وفى اعتقادى أن هناك كيانات هى من تصنع أيدولوجية تلك الجماعات الإرهابية وقد تصنع أيضا مسمياتها.. ولذلك عندما تحدث أية عملية إرهابية لا يعنينى من الذى أعلن عن مسؤليته تنفيذها إلا إذا كان فقط من أجل تتبع ملاحقتهم.. أما فى جميع الحالات.. العملية الإرهابية هى نتيجة عمل إرهابى قامت به جماعة إرهابية لغتها القتل فى أى منطقة فى العالم.

 ألا تخشى أمريكا من ١١ سبتمبر جديدة؟

هذا السؤال يسأل فيه الأمريكان وليس أنا.

ملجأ الإخوان

 هل تتوقع أن تكون أفغانستان الملجأ الأمن لأفراد جماعة الإخوان كما تشير بعض التقارير؟

لا أعلم… ولكن كما قلت أنا… دائما من يكون «منهجهم» استخدام السلاح، أن يجتمعوا أو يتعاونوا.. ولذلك فإن كل الكيانات التى تتبع ذلك المنهج يحدث بينهم توافق وأعتقد أننا لو تابعنا من تواصل مع طالبان واعتبرهم حققوا نصرا وأرسل لهم تهنئة..سنعرف إجابة هذا السؤال.

 بعد هذا المشهد الدراماتيكي، وعودة طالبان وانسحاب الأمريكان، واستسلام الجيش الأفغانى فى ساعات.. ماذا تقول للجيش المصرى وللمصريين؟

الجيش المصرى هو كما قال عنه الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك فى حديث يوما ما.. «إن القوات المسلحة هى المدرسة العليا للوطنية وعرين الأبطال على مر العصور».. وهذا الكلام حقيقى.. وأقول إن الجيش المصرى جيش وطنى لأنه من كل أسرة مصرية.. وهو من يصون ويحافظ على الأمن القومى المصرى. وعقيدته القتالية النصر أو الشهادة.. ويسير على منهج يد تبنى ويد تحمل السلاح.. له مكانة فى قلب كل مصرى وطنى شريف يحب وطنه.. مصر الحبيبة.. داخل قلبه، فليس لغير مصر.. وطن يسكن فيه.

الأمن القومى المصري

 فى ظل التوتر والتحولات الإقليمية والدولية.. كيف يتم المحافظة على الأمن القومى المصرى؟

لا شك أن الحالة الأمنية فى المنطقة العربية والجوار الجغرافى للشرق الأوسط، تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على دول المنطقة فى كافة المجالات سياسيا وأمنيا واقتصاديا، نتيجة المخاطر الناتجة عن الإرهاب الذى ضرب أكثر من دولة عربية وإفريقية (الساحل الغربى ووسط إفريقيا)، وما حدث فى إفغانستان.. وأعتقد أن شعوب تلك الدول والمناطق تعانى كثيرا نتيجة ذلك فى كافة أمور الحياة.. لكن الأكيد فى نفس الوقت أن هذه الحالة غير المستقرة تعتبر مناخاً مناسباً «لكيانات دولية» تحقق من خلالها سياساتها أو بدقة مصالحها الاقتصادية والجيواستراتيجية.

ولذلك لكى تصون مصر أمنها القومى فى ظل هذا المناخ غير المستقر، فإن الدولة تسير فى خارطة طريق من خلال امتلاك ما نطلق عليه قوى الدولة الشاملة أو القوى الفاعلة، وهى القوة الاقتصادية والقوة العسكرية والقوة السياسية والقوة الثقافية والإعلامية والاجتماعية، وتسير الدولة لتحقيق ذلك فى كافة تلك المسارات بالعمل المتوازى..

ففى المجال الاقتصادى يتم تحقيق خطة التنمية الشاملة والمستدامة من خلال إقامة المشروعات القومية المتعددة والمتنوعة فى كل محافظات مصر، كذا عمليات التنقيب عن الثروات والموارد الطبيعية لكى نضمن تشغيل البطالة كملف غاية فى الأهمية، علاوة على الارتقاء بالناحية الصحية للمواطن المصرى من خلال المبادرات الرئاسية وتطوير منظومة التأمين الصحى وتطوير التعليم.. وفى نفس الوقت يتم تحديث وتطوير القوات المسلحة المصرية كماً ونوعاً لحماية الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة ومجابهة الإرهاب على كل أراضى مصر كذا حماية مصالحنا الاقتصادية مثل تأمين حقل «ظهر» فى المياه الاقتصادية العميقة لمصر، بالإضافة إلى قيام القوات المسلحة بإحكام السيطرة على الحدود البرية والبحرية ضد الجريمة المنظمة وتهريب السلاح وتهريب المخدرات والاتجار فى البشر والهجرة غير الشرعية.. ولا نغفل الدور التى تقوم به القوات المسلحة فى الإشراف المباشر للمشروعات القومية حتى نضمن ثلاثة عناصر الجودة وسعر التكلفة والالتزام بفترات التنفيذ فى الوقت المخطط.. تلك المهام تحقق عندما تمتلك قوة عسكرية رادعة.. ويجب التركيز أيضا على الارتقاء بالثقافة والوعى والإدراك للمواطن المصرى حتى نتمكن من مجابهة الغزو الفكرى بالمعلومات المغلوطة والشائعات التى تستهدف نشر الفوضى وعدم الاستقرار.. يحدث الارتقاء بالثقافة من خلال أدوار شاملة للأسرة المصرية والثقافة والإعلام والتعليم والجهات الدينية لنضمن التشارك أو التعاون من أجل هدف واحد هو ثقافة الموطن المصرى.