رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

حكايتي مع الإخوان!

517

فى يوم دخل علىّ فى مكتبى فى الأهرام ثلاثة رجال، قدم أحدهم نفسه على أنه طبيب عيون، والثانى قدم نفسه على أنه أستاذ بإحدى الكليات (لا أتذكرها الآن) وحاصل على الدكتوراه من فرنسا، أما الثالث فقدم نفسه على أنه مدير إذاعة القرآن الكريم.

طبعا رحبت بهم وطلبت لهم الشاى والقهوة، ثم بدأ أحدهم يناقشنى فيما كتبت فى «الأهرام»، وفى «أكتوبر» عن الإخوان وشاركه الثانى، وبدا أنهما قرآ ما كتبته، أما مدير إذاعة القرآن الكريم فتبين لى من حديثه أنه لم يقرأ شيئا ولكنه يدعى أنه عليم بكل شىء، وكان حديثه سطحيا ودهشت إن كان هذا حقا مدير إذاعة القرآن الكريم، ولكن ذلك كان طبيعيا فى السنة السوداء التى حكم فيها الإخوان ووضعوا فى كل المناصب والمواقع أتباعهم من الإخوان وتبين أنهم بلا خبرة ولا صلاحية.

ودار الحوار مع اثنين فقط عن مقالاتى فى أكتوبر عن علاقات الإخوان بأمريكا وبريطانيا، وعن موقف الشيخ الشعراوى، الذى أعلن أنه كان أحد مؤسسى الجماعة مع حسن البنا، وأنه هو الذى كتب البيان الأول لإعلان قيام الجماعة، ولكنه بعد ذلك ترك الجماعة حين اكتشف أنها لا تهدف إلى تربية الشباب تربية إسلامية، كما تدعى ولكنها تعد الشباب لأعمال العنف والتخريب، وكذلك الشيخ محمد الغزالى الداعية الإسلامى الكبير، الذى أعلن أنه كان من المؤسسين ولكنه انفصل عندما اكتشف أنه هو أيضا كان مضللا وأن الجماعة هدفها هو السيطرة على الحكم، ومقال آخر عن هدف الجماعة بتحويل مصر إلى إمارة أو ولاية ضمن ولايات إمبراطورية تعيد ما كان عليه الحال فى ظل الاحتلال العثمانى باسم الخلافة الإسلامية.

ومقالات أخرى فى الأهرام: الإرهاب يدق الأجراس باسم الإسلام، محاذير ومخاطر من التيار الإسلامى، إساءة استعمال الدين، أهل الظاهر والباطن، أهل السمع والطاعة، وأعداء حرية الرأى وحرية الصحافة، ومؤامرة خفية لتفكيك الدولة، وبين الدعاة والأدعياء.. إلخ.

ويبدو أنهم جاءوا فى لحظة كنت فيها على وشك الانفجار بسبب ما يفعله الإخوان من فساد فى البلاد، فانفجرت فعلا أحدثهم بمنتهى الصراحة، الجماعة وصلت إلى الحكم فلم تقدم برنامجا مقنعا لتحويل شعارهم إلى عمل لصالح الشعب كله، والجماعة تشعل الفتنة الطائفية، وفى ذلك خطر كبير على البلد وأمنه، والجماعة تهدد بحرق البلد إذا لم تكن فى الحكم، وفى مذكرات الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (عضو مكتب الإرشاد الأسبق) أن الجماعة تعتنق فكرة تغيير ما تدعى أنه منكر بالقوة، وأنه حين كان طالبا بجامعة القاهرة احتل مع زملائه من أعضاء الجماعة المدرج الكبير ومنعوا إقامة حفلات فيه وفرضوا فصل الطلبة عن الطالبات بالقوة، وقال الدكتور أبو الفتوح: «كنا نؤمن بجواز استخدام العنف، بل وجوبه، من أجل نشر دعوتنا، والعنف بالنسبة لنا (أى بالنسبة للإخوان) مبرر بل شرعى.

كانت حالتى النفسية السيئة بسبب تدهور الأحوال السياسية والمعيشية، وسوء إدارة الإخوان للبلاد، واعتبار وصولهم إلى الحكم هو نصر الله لهم بأن «فتحوا» مصر وصار كل ما فيها من «الغنائم» يقتسمونها فيما بينهم، والرئيس، الذى يجلس فى مقعد عبد الناصر والسادات ومبارك يلقى خطابه «للأهل والعشيرة» وليس لكل المصريين، وظهر أنهم لا يدركون معنى «الدولة» ويديرونها على أنها «عزبة» أو «شركة» ولا يدركون معنى «الشعب» ولا يرون إلا «الجماعة»، ولا يدركون معنى «المؤسسات الدستورية» ولا يعرفون إلا «مكتب الإرشاد» والمرشد العام له القرار وليس لغيره ، فلا ديمقراطية، ولا حرية، ولا شعب، ولا دولة، فقط الجماعة ومكتب الإرشاد، والذى جاء رئيسا للبلاد فى غفلة من الزمن يخضع لمكتب الإرشاد وقد حلف اليمين على السمع والطاعة ومعروف بأنه سهل الانقياد.

استمر الحوار ساعات طويلة، والحقيقة أن الطبيب والأستاذ كانا يتناقشان بهدوء ولكن لم يكن لديهما رد إلا قولهما «معلهش اعطونا فرصة» وحجتهما أنهم جاءوا إلى الحكم بلا خبرة سياسية عملية وليس فيهم من تولى مناصب تنفيذية عليا فى إدارة الدولة، وفى النهاية قال الطبيب: هل تسمح بأن نبلغ إخواننا بما دار؟ وابتسمت وقلت له: طبعا ومعك تسجيل كامل على تليفونك لكل ما دار! وفعلا كنت ألاحظ أن الثلاثة يحملون تليفوناتهم موجهة نحوى، وضحك الرجل ضحكة خجولة وقال: لا والله، لم نسجل، وقلت: لا مانع.. التسجيل أفضل لنقل حديثى بدقة، وهذا يسرنى، وقال: ستكون لنا فرصة أخرى للحوار، ونحن حريصون على أن تكون معنا، ومعنا تكسب!!

وكان الإخوان قد وضعوا فى منصب رئيس مجلس إدارة الأهرام أحد المحررين ممن لا خبرة لهم فى الإدارة الصحفية، ولم يكن معروفا حتى داخل «الأهرام»، ولم يكتب فى حياته إلا ثلاثة أو أربعة مقالات منقولة من تقارير اقتصادية، ووضعوا فى منصب رئيس التحرير محررا من محررى قسم المحافظات ووضعوا أتباعهم فى المراكز القيادية فى الإدارة والتحرير، وكان الجو فى الأهرام على وشك الانفجار، فلم يتقبل «الأهراميون» أن يكون هؤلاء فى مقعد هيكل، أو أحمد بهاء الدين، أو إحسان عبد القدوس، أو إبراهيم نافع.

وكنت أنا قد أنهيت مدة عملى رئيسا لدار المعارف ومجلة أكتوبر، واتصل بى الأستاذ صلاح القمرى، الذى كان رئيس مجلس الإدارة وقتها (سنة 2005) وقال لى: مكتبك فى الأهرام فى انتظارك، وسيعود إلى بيته معك مكرم محمد أحمد، وإبراهيم نافع، وعدت إلى الأهرام كاتبا متفرغا أكتب مقالا أسبوعيا مع حرصى على أن أظل على علاقة مع بيتى الثانى (دار المعارف ومجلة أكتوبر) وأكتب مقالا أسبوعيا فى أكتوبر، وبقيت على هذا الحال من سنة 2005 حتى سنة 2012 حين تلقيت خطابا من الأستاذ ممدوح الولى رئيس مجلس الإدارة، والأستاذ عبد الناصر سلامة رئيس التحرير بإنهاء عملى فى الأهرام، ولم أكن وحدى ولكن ذلك كان ضمن مذبحة كبرى للتخلص من كل الكفاءات المهنية كان منهم مكرم محمد أحمد، وصلاح منتصر، وفاروق جويدة، وهؤلاء كان من رأيهم أن الأهرام ليس لهؤلاء الأدعياء ولكنه لنا نحن أبناؤه الحقيقيون، ولكنى كنت قد وصلت إلى درجة لا أطيق فيها التعامل مع هؤلاء، الذين يطيعون الأوامر كقطيع دون وعى، فتركت الأهرام وبقيت حريصا على مقالى فى أكتوبر.

نهاية القصة بقرار من الجمعية العمومية لمؤسسة الأهرام بعزل ممدوح الولى وتكليف عمر سامى، مدير عام المؤسسة بعمل رئيس مجلس الإدارة مؤقتا، ورفع ممدوح الولى دعوى أمام مجلس الدولة يطلب إلغاء هذا القرار وعودته إلى منصبه وجاء حكم مجلس الدولة برفض الدعوى لأن قرار الجمعية العمومية صحيح لانتهاء مدة خدمته وفقا للقانون.

وعاد الأهرام إلى سابق عهده قبل المحنة، وتنفست الصحافة الصعداء بزوال كابوس الإخوان، كما تنفست البلاد الصعداء وعادت إليها الروح، وبقيت لى أخلاق الوفاء فى دار المعارف ومجلة «أكتوبر».