رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

رجب البنا

أنا والإخوان

584

عندما كنت فى المرحلة الإبتدائية كنا نتجمع مع الأطفال لنشاهد مسيرة كشافة الإخوان الأسبوعية تطوف المدينة رافعة رايات وأعلام ويتصاعد هتافهم: الله أكبر ولله الحمد، والأطفال وراءهم يتصايحون: ويرددون الهتاف.

وفى يوم اشتعلت دمنهور بالصيحات والصراخ ووجدنا رجالا يسرعون الخطى إلى حى «أبو الريش» وعرفنا – من روايات الكبار التى كانت تتردد فى كل مكان – أن حسن البنا – ولم أكن أعرف من هو حسن البنا – كان يصلى بالإخوان فى جامع «الزرقا» وبعد الصلاة غادر دمنهور بينما سار الإخوان يحملون العصى إلى حيث كان شباب الوفد مجتمعين فى صيوان قريبا من فيلا أحمد بك الوكيل النائب فى مجلس النواب عن حزب الوفد، واشتبك شباب الإخوان مع شباب الوفد، وسقط كثير من الوفديين بإصابات خطيرة، حتى أن سيارات الإسعاف كانت تحمل الجرحى والمصابين إلى مستشفى دمنهور العام وتعود لتحمل جرحى آخرين، وكان يوما داميا لا أستطيع أن أنساه وقد انطبع فى ذاكرتى حتى أنى أراه أمامى كأنه حدث بالأمس فقط لهول ما رأيناه، وبعد المعركة سار الإخوان يطوفون المدينة ويهتفون: القرآن دستورنا، والرسول قائدنا، والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا.

وفى أول سنة لى فى مدرسة دمنهور الثانوية كان مدرس أول اللغة العربية والدين هو الأستاذ محمد القراقصى وكان ابنه معى فى نفس الفصل، وفى يوم نادانى الأستاذ القراقصى وقال لى: لماذا لا تكون معنا، نحن المسلمون، ألست مسلما، أنت طالب فيك خير إن شاء الله، تعال الليلة تصلى العشاء معنا فى مسجد التوبة وتستمع إلى الدرس، وطبعا ذهبت واستمعت إلى درس عن بناء المجتمع المسلم ونشر عقيدة الإسلام فى كل مكان حتى يحكم المسلمون العالم، وهو يقصد جماعة الإخوان كما عرفت بعد ذلك عن نظرية «أستاذية العالم» وفيها يتولى الإخوان نشر الإسلام فى كل أنحاء العالم ويحكمون العالم!!

بعد ذلك طلب منى الأستاذ القراقصى أن أحضر «درس الثلاثاء» فى شعبة الإخوان بعد العشاء، وذهبت إرضاء له لكنى لم أشعر بالراحة طوال الجلسة ولم أكرر الذهاب إلى هذا المكان.. شىء ما أطبق على صدرى عن تعاملهم مع بعضهم وتعاملهم مع «الضيوف» بطريقة مختلفة وكأننا من فصيلة أخرى من البشر.

وظل الأستاذ القراقصى يلح علىّ وأنا أتهرب حتى نقلت إلى السنة الثانية وجاء الأستاذ عوف يدرس لنا اللغة العربية والدين ويحكى لنا عن أن المسلمين إخوة وليس هناك ما يدعو إلى تكتل جماعة من المسلمين فى تنظيم خاص إلا إذا كان لهم هدف آخر غير ما يعلنوه، وحمدت الله أن وجدت فى الأستاذ عوف المرشد الأمين.. إلى أن ذهبت إلى كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وفى كافتيريا الكلية كانت هناك تجمعات من طلبة الكلية وطلبة كليتى الحقوق والهندسة لقربهما، كنت تجد تجمعا لطلبة من الإخوان يحاولون إقناع زملائهم بأنهم هم حزب الله، وتجد تجمعا لطلبة شيوعيين يتحدثون عن الاستغلال فى النظام الرأسمالى ويشرحون أفكار ماركس،

وكنت أجلس مع هؤلاء وهؤلاء، ولا أجد اقتناعا بفكرة الانضمام إلى جماعة والخضوع لقادتها والتمسك بأفكارها دون مراجعة، كنت أرى أن من حقى – وأنا أدرس الفلسفة وعلم الاجتماع – أن أفكر فيما أسمع وأخضع كل شىء لعقلى ولا أنساق إلى إغراءات، وأناقش بموضوعية وأهم من ذلك أنى كنت – ومازلت – حريصا على أن أحتفظ باستقلالى وحريتى فى القبول والرفض بما أقتنع به، ولذلك لم تفلح محاولات تجنيدى المستمرة للإخوان والشيوعيين، ويبدو أن إسمى «البنا» كان يدفع الآخرين إلى الظن بأنى قريب من حسن البنا، وقد واجهت مواقف كثيرة بسبب هذا الخلط لتشابه الأسماء، مع أن اسم «البنا» موجود فى كل المحافظات دون أن تجمع القرابة بينهم.

والتفاصيل فى هذه المرحلة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، ولكنى بعد ذلك تعرفت على الشيخ عبد الرحمن البنا شقيق حسن البنا، وكان يحكى لى عن حماسه للانضمام والمشاركة فى نشاط جماعة الإخوان إلى أن وجد أن للجماعة أهدافا غير الأهداف المعلنة فانفصل عنها، وكان يكفينى أن أستمع من شقيق حسن البنا رأيه فى الإخوان لكى أكوّن فكرة بأن هذه الجماعة خطر على البلاد ولا أحد يدرك ذلك،

ثم تعرفت على الشيخ جمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا فكان يحكى لى عن عمله فى الجماعة ثم خلافه مع شقيقه ومع قيادات الإخوان وانفصاله عن الجماعة، وكنت أتوقف كثيرا أمام ما يقوله الشقيقان، إذا كان هذا موقفهما فكيف يكون موقفى؟

وأتاح لى عملى الصحفى أن أقترب كثيرا من الشيخ محمد الغزالى وكان وكيلا لوزارة الأوقاف وهو من مؤسسى الجماعة مع حسن البنا واستمعت منه قصصا كثيرة عن أسباب خروجه من الجماعة بعد أن اكتشف وجود التنظيم السرى المختص بعمليات الاغتيال وإثارة المعارك وتصفية المعارضين، واقتربت أيضا من الشيخ سيد سابق وهو أيضا مؤسس للجماعة وحكى لى كيف أنه خرج من الجماعة فحاولوا اغتياله بأن أرسلوا إلى بيته علبة حلوى بمناسبة مولد النبى عليه الصلاة والسلام، واتصلت به زوجته تخبره بأن شخصا سلمها هذه العلبة فقال لها: لا تفتحيها، وأخطر البوليس، واكتشف البوليس أن العلبة فيها مواد متفجرة بمجرد فتحها، كانوا يريدون قتله عقابا له على ترك الجماعة.

وكان حظي أن ألتقي كثيرًا من الإخوان بعضهم متحمس لدعوتها يحاول تجنيد الشباب وإغراءهم بدعاوى تمكين الإسلام والمسلمين، وبعضهم عاش معهم وأدرك خطرهم وانفصل عنهم، وللقصة فصول وتفاصيل كثيرة لا يتسع لها المجال، والحمد لله أن حفظنى الله وأبقى علىّ مسلما بدون الانضمام إلى جماعة ترتكب الجرائم ضد الوطن والمواطنين وتدعى أن ذلك لنصرة الإسلام، وكم من الشباب وقعوا ضحية الخداع باسم الإسلام.