رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

رجب البنا

الإنسان ذو البُعد الواحد (1)

138

الفرق بين الإنسان المتحضر والإنسان المتخلف أن شخصية الأول مرنة يمكن أن تتطور إلى الأفضل، أما الثانى فإن شخصيته جامدة توقفت عند مرحلة ولا تستطيع أن تراجع فكرها أو تغير مواقفها مهما تعددت محاولات كشف أخطائها وتكرار شرح الأفكار الصحيحة لها، شخصيته توقف نموها، هى عقلية أشبه بالببغاء تكرر نفس العبارات التى تعلمتها بالتلقين.

الإنسان المتحضر يدرك أن كل فكرة يمكن أن تكون صوابا ويمكن أن تكون خطأ، كما كان يقول الإمام الشافعى: رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب، ولذلك فهو مستعد لتغيير أفكاره إذا تبين له ما فيها من نقص أو خطأ وتعرف على الأفكار الصحيحة، وهو يؤمن بأن من الطبيعى أن تكون هناك اختلافات فى أفكار الناس وطبائعهم وأهدافهم، ويتعامل مع كل موقف بما يناسبه ولا يتعامل مع المواقف المختلفة بطريقة واحدة يكررها ولا يعرف سواها.

الإنسان المتخلف يرى أن كل المشاكل لها سبب واحد، الفقر والوباء والسيول والفشل فى الحياة كلها ترجع إلى سبب واحد هو نقص الإيمان وغضب الله. والإنسان العاقل يعلم أن الله قد سبّب الأسباب وهو سبحانه القائل بأنه جعل لكل شىء سببا فأتبع سببا. والعاقل يبحث بالعقل وبالعلم وبالتجربة وهو يؤمن بأن كل شىء مرده فى النهاية إلى الله سبحانه وتعالى وهو يدرك أن الحقيقة نسبية وليس هناك حقيقة مطلقة إلا الله سبحانه.. والعاقل يرى أن كل مشكلة يمكن أن يكون لها أكثر من سبب وليس سببا واحدا، وقد يكون لها أكثر من حل، وصاحب العقل الجامد يرى أن كل المشاكل لها سبب واحد ولها حل واحد وهو دائما على حق وغيره دائما على الباطل والضلال.

العاقل يعطى لعقله الحرية للتفكير والتحليل والبحث عن البدائل الممكنة لحل المشاكل واختيار أفضلها.. وينطلق عقله من الإطار الجامد لابتكار أفكار وحلول جديدة وليست الحلول التقليدية، وهذا ما نسميه التفكير خارج الصندوق.

هكذا نعرف من أين يأتى التعصب فى الرأى الذى يقود إلى العداء لكل من يخالف هذا الإنسان المتحجر، وقد يصل العداء إلى ممارسة العنف والعدوان مع المختلفين معه، بينما الإنسان العاقل يرى أن الاختلاف من طبيعة البشر ولن تجد لسُنّة الله تحويلا.. وللإنسان الجامد – ذو الرأى الواحد – القدرة على اتهام المخالفين بالتهم الجاهزة التى اكتسبها بالتلقين وليس بالتفكير.. الكفر.. إنكار ما هو معلوم بالضرورة، وأمثال ذلك من الكليشيهات الجاهزة.

وللفيلسوف الألمانى المعاصر، هربرت ماركيوز، كتاب مهم بعنوان «الإنسان ذو البُعد الواحد» شرح فيه هذه الظاهرة العقلية، وماركيوز أثرت أفكاره فى تطور الدراسات والاتجاهات السياسية والاجتماعية فى ألمانيا ودول أوروبا، وقد عمل محاضرا فى جامعات ألمانيا والولايات المتحدة وكولومبيا، وله دراسات عديدة عن تكوين العقل وعن النظرية الاجتماعية، ونقد الماركسية وأيضا نقد المجتمع الرأسمالى الاستهلاكى فى الغرب، ودراساته تركز على كشف الزيف والظلم الاجتماعى والسيطرة على العقول من خلال وسائل الإعلام والتعليم والثقافة وسيطرت هذه الوسائل فى المجتمعات الغربية كما سيطرت فى ألمانيا فى حكم النازى وقدمت تبريرا عقلانيا زائفا لاحتكار الثروة فى يد طبقة محدودة العدد تسيطر على وسائل الإنتاج ووسائل الإعلام والاتصال، وتختار الطبقة المسيطرة المفكرين الذين يخدمون مصالحها، وتصادر الفكر الذى يكشف الاستغلال من ناحية والحرمان من ناحية أخرى..

هؤلاء المفكرون يردون على المنتقدين للظلم الاجتماعى وسيطرة فئة على ثروة المجتمع بالقول بأن هذا المجتمع أثبت قدرته على الابتكار والإنتاج الكبير الذى يغزو أسواق العالم، وبذلك نجح فى زيادة الثروة الوطنية،

وينكرون أن النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى فى الغرب له بُعد واحد، فهو يخلق فى الفرد احتياجات استهلاكية لا ضرورة لها، ويلح بالدعاية والإعلان حتى يجعل الفرد يلهث وراء هذه الاحتياجات المزعومة.. هذا المجتمع القائم على الجشع والاستغلال يبرر وجوده بنشر مبادئ فارغة من مضمونها، يدعى المساواة وهى غائبة وليست متحققة، ويدعى توفير الحريات وممارسة الديمقراطية وهذا غير صحيح لأن القرار فى النهاية فى يد قلة هى المسيطرة على السياسة والاقتصاد ووسائل التربية وبناء العقول.. لقد استطاع المجتمع الغربى أن يجعل عجلة الإنتاج تدور ويجنى أصحاب الاحتكارات الكبرى ثمارها حتى وصل الحال إلى سيطرة الشركات الكبرى العابرة للقارات على الأسواق والتحكم فى سياسات الدول.

المجتمع الغربى ذو البُعد الواحد فى الحقيقة؛ أما التعددية والديمقراطية فهى مجرد مظاهر، وقد نجح فى محاربة الأفكار، التى لا تتفق مع مصالح الطبقة المسيطرة، وأعلى شأن التكنولوجيا، وحارب كل محاولات نقد الواقع أو السعى إلى تغييره، ويدعى حكام الغرب بأن الاختلاف بين الأحزاب يمثل الديمقراطية فى الغرب، وهذا فى رأى هربرت ماركيوز مجرد وهم لامتصاص المعارضة الحقيقية والدليل على ذلك صعوبة التمييز بين برامج الأحزاب، فهى كلها متفقة على القضايا الكبرى وعلى التوجهات والسياسات الخارجية والداخلية والاختلافات بينها فى قضايا فرعية لا تمس كيان المجتمع ولا تكشف الأيدى الحديدية التى تديره وهى تلبس قفازات حريرية.

وفى المجتمع الغربى تناقضات كبيرة لا تظهر بحجمها الحقيقى لأن لدى الطبقة المسيطرة القدرة على إخفاء هذه التناقضات أو التقليل من أهميتها ومحاربة وتشويه من يكشف عنها والتنكيل به.. ولعلنا نذكر كتاب «من يقدر على الكلام»، الذى صدر فى أمريكا عن قوة الوسائل لدى الطبقة المسيطرة على تكميم الأفواه وإثارة الخوف لدى من يفكر من مخالفة مصالحهم من المفكرين والإعلاميين الأحرار وحتى أعضاء الكونجرس، وقد يصل الأمر إلى عقاب المخالفين بطرق مبتكرة.

يقول ماركيوز إن كل شىء فى المجتمع الغربى أصبح تجارة ومطروحًا للبيع، حتى الفن والرياضة فقد تحولا إلى تجارة تحقق أرباحا هائلة، وحتى اللغة والتعبير تحولا لصالح الطبقة المستغلة، أصبحت اللغة أحادية تستبعد المفاهيم النقدية وكشف التناقض والحرمان، وسادت لغة محترفى السياسة وصُنّاع الرأى العام، لغة القطيع التى قضت على الفردية والخصوصية، وأصبح الناس جميعا يستخدمون نفس الألفاظ، ونفس الأفكار التى ترددها وسائل الإعلام.. كل الأفكار جاهزة ومعلبة وتقنع الجمهور بوسائل متعددة.

الإنسان ذو البُعد الواحد إنسان يرى الدنيا ويرى المجتمع ويرى المستقبل بعين واحدة، ويردد نفس الشعارات التى تعلمها بالتلقين والتكرار، هذا الإنسان من السهل أن يتحول إلى العنف وينقاد من حيث لا يدرى إلى عالم الجريمة.. هذا هو الإنسان الذى يمثل خطرا على نفسه وعلى المجتمع.