رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

الصفائح الدموية.. شهادة «حياة» مليون طفل

157

منذ أكثر من 5 سنوات اعتاد محمد الشعراوي، الطالب بالفرقة الثالثة فى كلية طب الأسنان، التبرع بالصفائح الدموية فى مراكز التبرع بالدم فى المستشفيات العامة، وعلى الرغم من دراسته للطب إلا أنه لم يكن يعلم هذه الأهمية القصوى للصفائح إلا عندما أُصيبت والدته بالسرطان، إذ إن حاجة مرضى الأورام للصفائح الدموية يُعادل حاجتهم إلى الحياة؛ لذلك تتعاظم أهمية التبرع بها لإنقاذ آلاف المرضى.

والدة محمد وغيرها الآلاف أسرى الصفائح الدموية التي تكتب لهم حياة وتمكنهم من مواجهة آلامهم، وتؤكد أهمية التبرع بها.

 

مى هارون

 

الصفائح لا تُنقذ مرضى السرطان فقط، لكن لها دور رئيسي فى إنقاذ حياة الأطفال المصابين بالهيموفيليا ومرض الثلاسيميا – انخفاض نسبة الهيموجلوبين فى الجسم.

وتحكي لنا عفاف عباس، والدة الطفل إبراهيم المصاب بالهيموفيليا، عن هذه المعاناة فتقول: «ابني يحتاج إلى نقل الصفائح الدموية بشكل مستمر، كل مرة يحتاج أحمد لنقل الصفائح لأنه يعاني من نزيف متكرر، بنلف أنا ووالده على المستشفيات ومراكز بنوك الدم وفى بعض الأحيان لا نستطيع توفير كيس واحد ونلجأ إلى شرائه من المراكز الخاصة، ولأن ظروفنا المادية لم تسمح نطالب دائمًا من الأهل والأصدقاء بالتبرع من أجل إنقاذ حياة ابني لأن حياته معرضة للخطر فى أي لحظة».

باب أمل

تتعاظم أهمية الصفائح الدموية كلما كان توافرها نادرًا فى بنوك الدم؛ لذلك فإن التبرع بها يفتح بابًا واسعًا أمام آلاف المرضى لإنقاذ حياتهم، حيث تؤدي قلة عدد المتبرعين إلى اضطرار أهالي المرضى إلى شراء الصفائح التي يصل سعرها فى بعض الأحيان إلى 4 آلاف جنيه.. أكتوبر تفتح باب النقاش حول الصفائح الدموية وأهميتها وضرورة الدفع بالمواطنين للتبرع بها.

ما الصفائح؟

لكن ما الصفائح الدموية، هي خلايا دم عديمة اللون تساعد على تجلط الدم، وتتوقف الصفائح الدموية عن النزيف عن طريق التكتل وتشكيل سدادات فى حالات إصابات الأوعية الدموية، وقد تحدث قلة الصفائح الدموية نتيجة لاضطراب نخاع العظم (لُوكيميا) أو مشكلة فى الجهاز المناعي، أو يمكن أن تنجم عن الآثار الجانبية لتناول بعض الأدوية وتصيب الأطفال والبالغين على حد سواء، ونظرًا للدور المهم الذي تلعبه الصفائح الدموية فإن نقصها أو عدم كفايتها قد يؤدي إلى مشاكل صحية قد تؤدي إلى الوفاة.

يتم التبرع بالصفائح الدموية باستخدام جهاز لاستخراج الصفائح الدموية فقط وإعادة
ما تبقى من الدم للجسم، حيث يتم استخدام كلتا الذراعين لإكمال عملية التبرع بالصفائح الدموية، ويكون سحب الدم من إحدى الذراعين واستخراج الصفائح الدموية منه باستخدام الجهاز، ثم يتم إرجاع مكونات الدم المتبقية إلى الجسم عن طريق الذراع الأخرى، بينما تحتاج هذه العملية ما يقارب ساعتين من البداية للنهاية.

قلة المتبرعين

وتقول الدكتورة نعمة نصر، مؤسس مبادرة التبرع بالصفائح الدموية، إن مشروعها يعاني من نقص المتبرعين، مضيفة «الناس التي تعرف معنى التبرع بالصفائح الدموية قليلة جدا، نحتاج للتوعية بأهميتها وكفاءة وأمان عملية التبرع، لأننا نواجه بعض المشاكل كجلوس المتبرع على الجهاز أكثر من ساعة ونصف وأن الدم يخرج على جهاز ويعود للجسم مرة أخرى يقلل نسبة المتبرعين ونسأل كثيرًا على ضمان عودة الدم مرة أخرى للجسم بدون أي مشاكل، الموضوع به تفاصيل كثيرة لكنه آمن تماما».

وأضافت أن نسبة التبرع بالصفائح الدموية انعدمت بعد الموجة الأولى من كورونا وأصبحت قرب الصفر تقريبًا، حيث بدأت المستشفيات تقلل أعداد المتواجدين بها والعيادات تم إغلاقها. هذا السبب دفع الدكتورة نعمة مع مجموعة من الأطباء بإنشاء جمعية خيرية «للتبرع بالصفائح الدموية» هدفها وصول أكياس الصفائح الدموية مجانية تمامًا للمرضى.

وأشارت نصر إلى أن نقص التبرع أدى لاستغلال بعض المراكز فى بيع كيس الصفائح بسعر مبالغ فيه، فالحالات المستقرة تحتاج لنقل الصفائح مرة فى الأسبوع لكن مرضى الأورام وفشل النخاع قد يحتاجون لأكثر من مرة فى اليوم على حسب الحالة،  وتضيف «لا يوجد مستشفى أو قسم أمراض دم
لا يحتاج للصفائح الدموية بشكل دائم وأحيانًا تحتاج أقسام أخرى لأكياس الصفائح كأقسام الحروق والنساء والولادة والجراحة».

معاناة انتهت بالوفاة

كانت والدة محمد الشعراوي، إحدى هؤلاء المرضى الذين يعانون من نقص ثقافة التبرع بالصفائح إلى مراكز الدم، يقول محمد «أمي كانت فى احتياج دائم لنقل الصفائح وكنا نعاني كثيرًا من أجل توفير جزء بسيط منها وكنا نضطر أنا وأخي إلى السفر بين المحافظات للحصول على كيس واحد مما جعلني أتبرع وأطلب من أصدقائي بالتبرع من أجل إنقاذ حياة والدتي، فى النهاية ماتت منذ 3 سنوات».

رغم وفاة والدته، استمر محمد فى التبرع مرة شهريًا بالصفائح، قائلاً: «أنا حاسس بمعاناة كل أهل مريض يحتاج لنقل الصفائح الدموية، لذلك أدعو كل الشاب بالتبرع لأنه عمل عظيم يساعد فى إنقاذ حياة الكثير من المرضي ويخفف عبئًا كبيرًا عن عاتق أهل المريض».

ويوضح الدكتور أحمد فاضل عضو مبادرة التبرع بالصفائح الدموية  أن التبرع بالصفائح يحتاج إلى وقت أطول، لأنه يتم وضع المتبرع على جهاز خاص يقوم بفصل الصفائح عن باقي الدم وتعود باقي أجزاء الدم «كرات الدم الحمراء وكرات الدم البيضاء» إلى الجسم مرة أخرى، فتستغرق من 60 إلى 90 دقيقة على حسب المكان والأجهزة المستخدمة، بينما لا يستغرق التبرع بالدم أكثر من 10 دقائق، بالإضافة إلى أن الشخص الواحد يقدر يتبرع 6 مرات سنويًا بالدم بينما يستطيع التبرع 24 مرة بالصفائح الدموية.

وأضاف أن الصفائح الدموية لا تخزن أكثر من 7 أيام لذلك تحتاج بنوك الدم إلى متبرعين باستمرار إلا أن ظروف الوباء «كورونا» أثرت بنسبة كبيرة على قلة أعداد المتبرعين لذلك نطالب الشباب ونشجعهم على التبرع مع أخذ الاحتياطات اللازمة لإنقاذ عدد كبير من المرضى.

وأشار فاضل إلى أن مريض السرطان يحتاج إلى نقل صفائح دموية من مرة إلى مرتين أسبوعيًا، مؤكدًا أن كيس الصفائح الواحد من الممكن أن يعالج 12 طفل حديثي الولادة أو 3 مرضى بالغين، وأن كيس الصفائح الواحد يساوي حوالي 4 آلاف جنيه، ومن ثم فإن التبرع بالصفائح الدموية ينقذ حياة أكتر من طفل، بالإضافة إلى تخفيف حمل توفير مبلغ مالي كبير من على عاتق أهاليهم أسبوعيًا.

فوائد التبرع بالصفائح

من جهته يقول الدكتور طارق سعيد، نائب رئيس قسم الوحدة العلاجية بنك دم القومي بالمصل واللقاح، إن التبرع سواء بالدم وبالصفائح الدموية له فوائد كثيرة أهمها تنشيط النخاع وقلة نسبة الإصابة بالسرطانات للمتبرعين، بالإضافة إلى المتابعة الصحية بالتحاليل التي يتم إجراؤها مع كل تبرع سواء صورة الدم أو تحليل الفيروسات بخلاف الثواب لإنقاذ حياة الكثير من المرضى.

وشدد على أنه لا يوجد أي ضرر مباشر من الممكن أن يصيب المتبرع سواء نقل عدوى أو غيرها، طالما التبرع كان فى مكان موثوق ويطبق معايير مكافحة العدوى، مؤكدًا أن جميع معدات التبرع بالصفائح يتم تغيرها من متبرع لآخر مما يرفع التكلفة، حيث تصل تكلفة كيس الصفائح الدموية الواحد إلى 4 آلاف جنيه.

عدد مرات التبرع

نائب رئيس قسم الوحدة العلاجية فى المصل واللقاح، قال إن عدد مرات التبرع سنويًا المسموح بها عالميًا سواء بالدم والصفائح هي
24 مرة، موضحًا أن المتبرع بالدم يمكن أن يتبرع كل 3 شهور ليصل الإجمالي إلى أربع مرات تبرع بالدم، وبالتالي من الممكن أن يكمل باقي العدد «24» تبرعًا بالصفائح الدموية، مؤكدًا أن الصفائح الدموية تتجدد فى جسم المتبرع بعد ٣ أيام لكن أي مستشفى يفضل حدًا فاصلاً بين كل تبرع بالصفائح والثاني أسبوعان حتى لا يعاني المتبرع من أي مشكلة، مضيفًا أن مدة التبرع تستمر بالصفائح الدموية حوالي60 دقيقة وهي مدة كبيرة لكنها تنقذ حياة عدد كبير من المرضى فى أمس الحاجة للصفائح الدموية حتى يستطيعوا استكمال حياتهم.

شروط التبرع

وعن الشروط الواجب توافرها بالمتبرعين قال إنها نفس شروط التبرع بالدم فيجب أن يكون العمر بين 18-60 عامًا، وأن يكون الوزن أكثر من 60 كيلو، بجانب أنه من الضروري ألا يكون قد قام بأي إجراء جراحي فى أسنانه قبل عملية التبرع، أو تناول أي أدوية مضادة للالتهاب قبل التبرع بثلاثة أيام، وألا يكون لديه جروح أو خدوش أو طفح جلدي أو تقرحات حديثة، أو أصيب بإسهال أو اضطراب بالمعدة أو قيء أو وجع فى البطن قبل التبرع  مباشرة، وألا يكون أيضًا قد سافر قبل التبرع بأربعة أشهر إلى بلد ذات عرضة لخطر الإصابة بالملاريا، أو شرب الكثير من السوائل قبل التبرع بأربع وعشرين ساعة، وأن يكون قد شرب ثلاثة أكواب من العصير أو الماء خلال الثلاث ساعات السابقة للتبرع، لكن يتم إضافة بند واحد للتبرع بالصفائح وهو ألا يكون قد تناول أسبرين قبل التبرع بأسبوع أو تناول وجبات دسمة فى نفس يوم التبرع.

ثقافة التبرع

وقال محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق فى الدواء، يوجد لدينا ثقافة التبرع بالدم بنسبة متوسطة ولا توجد ثقافة التبرع بالصفائح الدموية. موضحًا أن التبرع بالصفائح الدموية له أهمية كبيرة لأنه يساهم فى علاج وإنقاذ حياة  مليون طفل مصاب بالثلاسيميا و30 ألف طفل هيموفيليا، بالإضافة لمرضى الأورام اللوكيميا، ومرضى الحوادث والخطورة عند الحوادث، وبالتالي لم نستطع إعطاء رقم لنسبة العجز أو احتياجنا للصفائح الدموية أمر مزعج لكل دول العالم وليس مصر فقط.

 أضاف فؤاد أن التبرع بالصفائح الدموية معقد لكن مع التوعية والثقافة ومعرفة عظمة هذا العمل فى إنقاذ حياة الآلاف من المرضى خاصة الأطفال، فكيس واحد يوفر ٤٠ ألف جنيه على مريض الهيموفيليا عند خلع درس لأنه قد يحدث له نزيف.

دور الصحة

وأوضح مدير المركز المصري للحق فى الدواء أنه لابد من تعاون وزارة الصحة والمجتمع المدني والإعلام فى عمل حملات للتبرع بالصفائح، حيث وزارة الصحة من خلال المرشدين الصحيين المتواجدين بالوحدات الصحية بالمدن والقرى والنجوع بتوعية الناس بالصفائح الدموية وأهميتها فى إنقاذ حياة الكثير من المرضى، بالإضافة إلى تجهيز بنوك الدم بالأجهزة الخاصة للتبرع بالصفائح فهناك بنوك دم غير متوفر بها معدات التبرع بالصفائح الدموية، إلى جانب ذلك فإن لها دورًا فى مكافحة استغلال المستشفيات الخاصة والتجارة فى الصفائح حيث يتم وضع ثمن كيس الصفائح على إجمالي الفاتورة وقد يصل إلى ١٠ آلاف جنية للكيس الواحد.