رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

الاكتفاء الذاتي ومواجهة التحديات الصعبة

232

كيف تقاس قوة الدولة؟.. عندما تطرح مثل هذا السؤال على البعض، ستجد إجابات مختلفة ومتعددة باختلاف تخصص كل منهم.. بل وأيضا باختلاف الفترة الزمنية، التي ستوجه فيها السؤال.

أما إذا طرح السؤال في العقدين الأخيرين من الألفية الأولى لوجدت الرد.. تقاس قوة الدولة بقوتها العسكرية.

ولو طرحت نفس السؤال قبيل الحربين العالميتين، لوجدت ردًا مختلفًا بعض الشيء، حيث تقاس قوة الدول بقدرتها العسكرية والبشرية والاقتصادية.

ولو طرحته خلال الفترة الأخيرة من الألفية الثانية لوجدت ردًا ثالثًا.

أضف لما سبق عوامل أخرى منها الموارد الطبيعية وجغرافية الدولة والشخصية القومية والقدرة المعنوية والقدرة السياسية والدبلوماسية.

مع بداية الألفية الثالثة تغيرت بعض المفاهيم وتبدلت مواقع قياس قوى الدولة الشاملة ومحدداته.

فأصبحت الكتلة الحيوية (السكان والأرض) والقدرة الاقتصادية والقدرة العسكرية والقدرة المعنوية والقدرة الإعلامية وحجم الاكتفاء الذاتي للدولة، بل إن البعض وضع القدرة الإعلامية لما لها من تأثير على هوية الدول ولما لها من دور فى الحروب النفسية، فجعلها فى مركز متقدم على القدرة الاقتصادية والعسكرية لما للإعلام من تأثير على القدرتين.

تلك محددات تقف أمام متخذ القرار؛ لتجعله يسير وفق منظومة محددة للحفاظ على الدولة.

فالدول خلال مراحلها التاريخية المختلفة، تواجه مجموعة من التحديات والتهديدات والمخاطر، التي تهدد مستقبلها. مما يستوجب مواجهتها، وذلك من أجل الحفاظ على الدولة والحيلولة دون انهيارها.

هنا تصبح الخيارات صعبة، والعمل المتواصل هو أحد أهم سبل المواجهة، والتخطيط السليم هو استراتيجية الدولة للفكاك من الانهيار والاتجاه نحو الاستقرار والبناء والصعود إلى مصاف الدول القوية.

هنا يصبح قرار القيادة السياسية هو الفصل فى تلك المواجهة (مواجهة الدولة لتحدياتها)؛ لتعبر تلك المرحلة، وتواصل العمل للنهوض بمستوى معيشة مواطنيها.

(1)

خلال العقود الأخيرة واجهت مصر العديد من التحديات والتهديدات، تغلبت على البعض منها، إلا أن البعض الآخر تناقل خلال تلك الفترة؛ ليصبح مثل كرة الثلج، التي تزداد حجما لتتضخم بمرور الوقت وتزداد خطورتها وهو ما يحول دون قدرة الدولة على المواجهة.

ولأن الأزمات والتحديات لا تسقط بالتقادم لكنها تتضخم ما لم تقف الدولة موقف المواجهة والبحث عن حل.

لقد كانت الدولة تعاني بشكل كبير من مشاكل مزمنة منها العشوائيات وتردي أوضاع البنية التحتية للدولة والأوضاع الاقتصادية.

أذكر أن أستاذنا «محمد التابعي» عام 1953 وبالتحديد فى 4 فبراير كتب فى مقال له بمجلة «آخر ساعة» عن المشكلة التي كانت تؤرق الدولة حينها وهو رغيف الخبز واستعرض بعض المقترحات لحل المشكلة فى ظل ضعف إنتاج مصر من القمح والفجوة الكبيرة بين الإنتاج والاستهلاك.

وفى عام 1974 أي بعد 19 عاما تقريبا يزايد حجم النمو السكاني؛ ليزيد من حجم الفجوة الغذائية، خاصة فى المحصول الاستراتيجي «القمح» عندما تحدث الدكتور سيد مرعي عن تفاقم الأزمة وضرورة الوصول إلى زيادة المساحة المنزرعة مع زيادة إنتاجية الفدان لتصل إلى «10 أرادب» للفدان، وقال المهندس سيد مرعي وزير الزراعة الأسبق إنه يتمنى أن يتحقق ذلك.

مرت سنوات وكرة الثلج لتلك الأزمة مع أزمة السلع الغذائية تزداد حجما مع الزيادة الرهيبة فى النمو السكاني.

فأصبح أسلوب المسكنات منهجا، وتضاعفت المشكلات بشكل غير مسبوق.. وساهمت الحكومات المتعاقبة فيها بشكل كبير وكان أيضا للمواطن دور فيها.

وهو ما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى اتخاذ مجموعة من القرارات المهمة، التي جاءت بعد دراسة كاملة لكل التهديدات والتحديات والمشكلات، التي تواجهها الدولة المصرية، بالإضافة إلى الأوضاع، التي تشهدها المنطقة وما لها من تأثير مباشر على أمن واستقرار مصر.

وشملت تلك المشكلات والتحديات والتهديدات على التوالي، انهيار البنية التحتية للدولة المصرية، عدم قدرة الدولة على الاستفادة من مواردها لخلق فرص تنموية تعمل على مواجهة البطالة؛ ضعف موارد الدولة، خطر العشوائيات وما له من أثر سلبي على السلام الاجتماعي ووقوفه حائلا دون تحقيق العدالة الاجتماعية، انهيار الخدمات، الأزمات المتلاحقة التي تواجه الأمن الغذائي.. تآكل الرقعة الزراعية فى ظل نمو سكاني مضطرد، انهيار التعليم ومستوى الخدمات الصحية حتى بات عنوان فيروس «C» يلتهم أكباد المصريين عنوانا يتصدر العديد من الصحف ومواقع وكالات الأنباء، الاضطرابات، التي تضرب المنطقة وحالة الفوضى، التي تم الدفع بها لتخلق منطقة جديدة وفق حدود أطلق عليها حدود الدم، تنامي ظاهرة الإرهاب (الحرب بالوكالة) وتهديدها لاستقرار المنطقة.

(2)

تم العمل على تحديث القوات المسلحة تسليحا وتدريبا للحفاظ على الأمن القومي للدولة وحفظ مقدراتها فى ظل عدم استقرار المنطقة وتنامي ظاهرة الإرهاب، التي عملت عناصرها ضمن مشروع حرب بالوكالة استهدفت به المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين بشكل مكثف.

وكذلك حماية موارد الدولة فى المياه الاقتصادية بالبحرين المتوسط والأحمر بعد ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص واليونان والمملكة العربية السعودية.

تم البدء فى مشروعات البنية التحتية وبالتوازي معها كانت عملية المواجهة الشاملة التي تعد بمثابة أكبر عملية إصلاح فى تاريخ الوطن فى كل القطاعات وعلى كل المحاور.

شملت محور النقل والمواصلات، فقد تضاعف حجم شبكة الطرق لتقفز مصر من المرتبة 118 فى جودة الطرق إلى المرتبة 28 على مستوى العالم.

وتدخل عصر النقل النظيف والقطارات الفائقة السرعة ويتم إنشاء أكبر محور نقل فى إفريقيا يربط شمالها بجنوبها (البحر المتوسط ـ القاهرة ـ كيب تاون)

وعلى التوازي كان محورا الصحة والتعليم يسيران جنبا إلى جنب مع محاور التنمية فأطلق المشروع القومي للتعليم بالتوازي مع المشروع العملاق للتأمين الصحي الشامل، الذي تقترب مرحلته الأولى فى 5 محافظات على الانتهاء ليتحول الحلم فى جودة الخدمة الصحية إلى واقع وتواصل المبادرات الرئاسية فى القطاع الصحي دورها فى رفع مستوى الخدمة؛ لحين اكتمال مشروع التأمين الصحي الشامل.

ولأن هناك مشكلات قديمة، حديثة تواجهها الدولة المصرية وهي مشكلة الفجوة الغذائية، خاصة فى المحاصيل الاستراتيجية مع تآكل الرقعة الزراعية خلال 35 عاما الأخيرة وبسبب البناء عليها والزيادة السكانية، التي تلتهم بشراسة أي نمو فى الإنتاج.

جاءت رؤية الرئيس وفق الدراسات الدقيقة، التي ناقشها مع مسئولي وزراء الجهات المعنية بقطاع الزراعة والري ومشروعات الخدمة الوطنية والتموين وشركة الريف المصري، فقد كان هناك هدف استراتيجي محدد وضعه الرئيس منذ توليه وهو ضرورة مواجهة المشكلات المختلفة والبحث لها عن حلول غير تقليدية فى أقل فترة زمنية.

وبدأ العمل فى توقيت متزامن ووفق أحدث النظم الزراعية على مستوى العالم وبالتعاون بين القطاع الخاص ووزارة الزراعة بقطاعاتها المعنية ومراكزها البحثية ووزارة الري.

كان الهدف سد الفجوة الغذائية والسيطرة على أسعار السلع وتحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية (القمح، السكر، الزيوت) وكذلك مواجهة الأزمات السنوية بسبب البذور والتقاوى، خاصة فى الخضر.

بدأ العمل فى صمت للتوسع أفقيا فى مجال استصلاح الأراضي وهو تحد كبير فى ظل ارتفاع تكلفة استصلاح الفدان الواحد لتتراوح بين 200 و300 ألف جنيه للفدان.

واستهدف المشروع فى مرحلته الأولى استصلاح مليون ونصف مليون فدان ضمن مشروع الريف المصري، و750 ألف فدان فى المرحلة الأولى لمشروع مستقبل مصر والدلتا الجديدة ليصل فى 2024 إلى مليون و50 فدانا فى مستقبل مصر ويبلغ 2.5 مليون فدان إجمالي الدلتا الجديدة ومستقبل مصر يتم زراعتها على 3 مصادر للمياه وهى: المياه الجوفية، مياه النيل، المياه المعالجة ثلاثيا.

وبالتزامن مع المشروع تم إعادة إحياء مشروع توشكى وكذلك مشروع غرب المنيا بالإضافة إلى استصلاح 400 ألف فدان فى شمال سيناء و660 ألف فدان فى وسط سيناء لتبلغ المساحة مليون فدان فى سيناء.

تم زراعة مساحة 3.5 مليون فدان من تلك الأرض هذا العام بالقمح؛ لترفع من حجم إنتاج القمح هذا العام فى ظل وجود المشروع القومي للصوامع مما جعل الدولة المصرية لا تتأثر بشكل كبير بحجم الأزمة العالمية فى القمح، كما أن إنتاج تلك المشروعات من الخضر والفاكهة أدى إلى ضبط الأسواق.

كما ارتفع حجم إنتاج البنجر مما ساهم فى زيادة فترة تشغيل مصانع بنجر السكر واقتراب مصر من الاكتفاء الذاتي من إنتاج السكر خلال العام القادم وتتوسع فى المحاصيل الزيتية، لتقليص الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.

فى الوقت الذي استطاعت مصر أن تحقق الاكتفاء الذاتي من الأرز والخضراوات والفاكهة كما استطاعت أن تنتج البذور والتقاوي لعدد من محاصيل الخضر مما خفض من حجم الواردات وارتفع حجم الصادرات الزراعية لتصل إلى 3 مليارات دولار خلال عام 2021.

وزاد حجم إنتاجية الفدان بعد نجاح مراكز البحوث الزراعية فى استنباط أنواع جديدة من القمح والأرز وقصب السكر والقطن أعلى إنتاجية وأكثر قدرة على مقاومة التغيرات المناخية والآفات.

لقد استخدمت الدولة أساليب الزراعة الحديثة فى تلك المشروعات من أجل التوسع الرأسي مع التوسع الأفقي فى مجال الإنتاج الزراعي وبالتوازي مع مشروع 100 ألف صوبة زراعية على مساحة تقترب من 500 ألف فدان تنتج ما يوازي إنتاج 2.5 مليون فدان من الخضر والفاكهة؛ لمواجهة الزيادة السكانية، التي بلغت 20 مليون نسمة خلال السنوات العشر الأخيرة.

وكان لتلك الرؤية الشاملة فى مواجهة التحديات دور كبير فى قدرة الدولة على مواجهة الأزمات المتلاحقة، التي ضربت العالم.

لقد كانت عملية مواجهة تلك التحديات أمر شبه مستحيل وهو ما جعل الحكومات السابقة تعجز عن مواجهة هذه التحديات.

إن ما تقوم به الدولة فى طريق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية ومواجهة التحديات يجعلها قادرة على مواجهة الأزمات، فى إطار الحفاظ على الأمن القومي المصرى.

التصريحات التي أدلى بها هنري كيسنجر ثعلب السياسة الأمريكية أمام منتدى دافوس الأسبوع الماضي حول الأزمة الروسية الأوكرانية وسبل الحل تعد بمثابة خارطة طريق تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب سيعملون خلال الفترة المقبلة على إنهاء الأزمة وفق حل دبلوماسي يضمن حياد أوكرانيا وعدم انضمامه لحلف الناتو مقابل توقف الحرب لكي تضمن روسيا الحفاظ على أمنها.

لقد جاءت المناورات الروسية الصينية؛ لتكمل المشهد وتضع الغرب أمام خيار مهم وهو الحل الدبلوماسي للأزمة..