رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

ميسون صقر لـ أكتوبر: أهدي الجائزة للإمارات الوطن الأم.. ولمصر أم الدنيا حبيبة القلب

441

ايهاب الملاح

على مدى ساعتين أو يزيد، في مقر إقامتها بأبوظبي العاصمة؛ التقيتها عقب ندوتها التي نظمها على شرفها معرض أبوظبي للكتاب. من الندوات القليلة التي شهدها معرض أبوظبي بهذا الاحتشاد والزحام وتكالب الحضور.. المقاعد المخصصة للجلوس امتلأت عن آخرها ، وقبل بدء الندوة بما يقرب الساعة .

تناثر الوقوف في جنبات المسرح يمينا ويسارا . أجواء احتفالية تحفها المحبة ويحوطها التقدير والامتنان والرضا. لم أرَ أحدا يعرف ميسون صقر من قريب أو من بعيد لم يفرح من قلبه لتتويجها بالجائزة المرموقة بجدارة واستحقاق.. لم أعرف أحدًا في مصر، وفي الإمارات، وفي عموم العالم العربي، لم يبتهج لنبأ الإعلان عن فوزها بجائزة الشيخ زايد العالمية فرع الآداب، عن كتابها الفريد «مقهى ريش.. عين على مصر» الصادر في 2021 .

تتحدث ميسون ببساطة وبراءة وعفوية لا تفارق أبدًا أناقتها المعتادة، ولا هدوءها وسمتها الذي عُرفت به طيلة حياتها؛ تلمع عيناها فى اللحظة التي تستجيب لتدفق خواطرها وأفكارها وحديثها الشارح الدقيق، وفى اللحظة التي تتذكر أنها تواجه جمهورا شغوفا بها محبا لها معجبا بها، ومقدرا لمنجزها الإبداعي والفكري والثقافى، يحمر وجهها خجلا، وتهرب بعينيها إلى اللا اتجاه. لكنك إذا أمعنت التركيز واستمعت إلى ما تقول بصوتها الخفيض الهادئ؛ تكتشف إنك إزاء مثقفة كبيرة، واعية، مدركة تماما لأبعاد تجربتها الإنسانية والإبداعية وممتلكة لنبض الإحساس والتذوق بتطورها وانتقالاتها وتحولاتها المفصلية..

قدِّر لي أن أحظى بحضور أكثر من فعالية ولقاء تكون هي «ضيف الشرف» والمتحدثة الرئيسية فيه؛ وأن أرقب بعين الصديق والقارئ، قبل عين الباحث، والمدقق والفاحص للظواهر، تظاهرات الود والمحبة والتقدير فى كل مكان ومن أي شخص تلتقيه؛ من كل الأعمار، فى ختام ندوتها المقررة بالمعرض أهدتها طفلة جميلة بزيها الإماراتي الزاهي فى العاشرة من عمرها باقة ورد فواحة الرائحة محبة ومحبة فائضة.

فى الاحتفال الذي أقامته على شرفها مؤسسة ومديرة صالون الملتقى الثقافى بأبوظبي، فى مساء اليوم التالي الذي نظمت فيها ندوتها بالمعرض، قلت فى كلمتي عنها بالحرف: «تنتمي ميسون صقر إلى القلة التي جمعت بين أمرين من الصعب جدا الجمع والمزج بينهما بهذه الكيفية:

الأول؛ نبالتها الإنسانية، وسلوكها الإنساني المتعاطف، والنبيل والكريم، مع كل من تعرفه أو لا تعرفه، هذا السلوك المتواضع المهذب الذي لم ولن يختلف عليه أحد فى تقديره، والتأكيد على صدقه وأصالته وسموه.

الأمر الثاني؛ نبالتها الإبداعية، وأصالتها الثقافية، وإخلاصها للفن وإيمانها بالأدب وقيمة الإبداع فى كل ما تكتب، وفى كل ما تنجزه من أعمال (شعرا، نثرا، قصة ورواية، جمعا وإعدادا وتحقيقا، رسما وإخراجا، دراسة وتأريخا.. إلخ) هي أصيلة فى إبداعها وإنتاجها، مثلما هي أصيلة ونبيلة فى علاقاتها الشخصية، وتعاملاتها الإنسانية.. وهما أمران -كما قلت- ليس من السهل لا الجمع ولا المزج بينهما بهذه الكيفية.

ميسون إماراتية المولد والمنشأ والجنسية، مصرية الثقافة والهوى والإقامة، عربية اللغة والكتابة والإبداع، عالمية الحس مؤمنة بكل القيم الإنسانية التي تعلي من شأن الإنسان وكرامته وقيمته واستحقاقه فى الحرية والعدالة والمعيشة الكريمة، سبيكة فذة ونادرة التكوين من خلاصات جواهر كريمة جمعت ومزجت بين الإمارات ومصر والعالم العربي والحس الإنساني العالمي بصورة ليس لها مثيل.. فى هذا الحوار الذي أجري فى أبوظبي تحدث ميسون عن نفسها وعن إبداعها وعن مشوارها وكفاحها الإنساني والإبداعي المستحق بكل تأكيد للتقدير والاحترام…

فى البداية ورغم تقليدية طرحه.. لكن ما الذي تعنيه لك هذه الجائزة، الآن؟

– لهذه الجائزة وقع مختلف لي كإماراتية، اذ تحمل اسما لشخصية عربية أصيلة لها دورها فى تأسيس وإقامة دولة الإمارات العربية المتحدة، ندين لها ولباقي حكام الإمارات السابقين والحاليين، بالفضل لوجودنا بهذه القوة على خريطة الواقع العالمي كدولة معترف بها.

وله الفضل فى مساندة المجتمع المدني والإنساني والعالمي فى وضع دولتنا فى سياقها الحقيقي كدولة سباقة فى مساندة المجتمعات فى كوارثها الطبيعية والإنسانية وفى أزماتها.

وبماذا تشعرين وأنت أول إماراتية تحظى بهذا الشرف؟
– أشعر بالامتنان والفخر، وأشرف بهذه الجائزة التي هي وسام على صدري، كأول كاتبة إماراتية تنالها فى فرع الأدب منذ نشأة هذه الجائزة، وإن حاز ذلك الشرف ثمانية آخرون فى الفروع الأخرى فى شخصية العام، والنشر والتقنيات الثقافية، والتنمية وبناء الدولة، وفي أدب الطفل والناشئة، وأنظم إليهم الآن بفخر وفرح واعتزاز.

وأحسب أن ما تقوم به الدول حين تكرم الكتاب والكتب هو وضعنا ككتاب ومثقفين ومبدعين فى مقدمة التنمية والتحضر والولوج إلى الآخر كثروة حقيقية من ثروات المجتمع عن طريق إصدار الكتب، وإقامة المعارض لبيعها وتقديم الجوائز للمبدعين والناشرين، ودفعهم لإنتاجٍ يوازي ما يُكتب فى الخارج، ويُولى الاهتمام به.

من التكريم إلى المحتوى.. ومن التقدير إلى التحليل.. برأيكِ ما الذي يقدمه الكتّاب والمبدعون وأصحاب الفكر والإبداع -كجماعة اجتماعية فاعلة- إلى الدوائر الإنسانية والمحلية التي ينتمون إليها فى الواقع الراهن؟

– أحسب أن ما يقوم به الكتّاب فى كتابة الروايات والأدب والفن والشعر والنقد، هو النظر لحياتنا من أبواب الإبداع، وصقل التاريخ كسن قلم وتثبيت احترافية الحكي والنزول إلى الواقع، وكشف المخفي فى الحروب والمنازعات والأخطاء والتركيز عليها وعلى مشاعر إنسانية أخرى مثل الفرح والحب والنشأة والعنف والعلاقات والفن والألم واللعب الفني.

الروايات هي أرشيف الحياة الواقعية ممزوجًا بالحلم والشغف كإضافة أخرى للقدرة على الحياة وأثرها الأهم فى كونها وثيقة إبداعية بين الواقع والخيال ننشئ منها مكانة أخرى فى واقع الكلمة التي انتخب منها أقل القليل منذ ترجمة «ألف ليلة وليلة» (كأسطورتنا فى الحكي اللاواقعي) إلى نجيب محفوظ (كأسطورتنا فى الحكي المرتبط بالواقع الحي)، ليقدم عنا خارجياً وننشئ مكانتنا الأدبية (التي غبنا عنها بقصد أو دون قصد) بجانب أمكنة أخرى.

يمثل الكتاب نقطةً فارقة فى مسيرة وإبداعات ميسون صقر التي راكمتها عبر مايزيد على ربع القرن؛ بأي اعتبار يمكن توصيف الكتاب وتمثيله فى هذه المسيرة؟
– كان كتابي رحلة بحث عن هذا الحضور الطاغي فى تكوين المدينة، وسيرتها، وشخصيتها أيضاً من خلال نقطة صغيرة فيها من خلال «المقهى»، الحفر عن ثقافة المقهى، لا كمكان للجلوس فقط لكنه كحاوية مكان وتاريخ وزمن وأحداث وعلاقات. يمكننا البدء من نقطة فى المكان والزمان، لكننا لا ننتهي منها إلا لهذا الاحتشاد العميق والكبير فى السيرة أو فى السير المتوالية والمتراكمة خلف بعضها كما وردة تتفتح وريقاتها بين أيدينا. كمطر يهطل بغزارة، هو ليس حكاية مقهى أي مقهى، ولا مدينة أي مدينة. هو تاريخ المفقود، والمخفي، والمردوم، فى الذاكرة. بين واقع فى التاريخ، وواقع بين السيرة والرواية، بين الحكائي والفني، وبين الجزيئات حين تكتمل فى لوحة فسيفسائيـــــــــــة بتفاصيلها كلها.

احتشد الكتاب -فضلا على الصور والوثائق التي أغنته وأكسبته قيمة توثيقية وتسجيلية مضاعفة- بالتفاصيل الصغيرة بل متناهية الصغر.. تفاصيل تجتمع وتتضام لتقدم فى النهاية هذه «اللوحة الفسيفسائية» أو الجدارية الكبرى إذا شئنا الدقة.. كيف تأتى لك جمع هذه التفاصيل ولأمها بهذه البراعة والقدرة؟

– كنت ألقي الضوء على بعض ما لم يلتفت إليه من سرودٍ بسيطة أو نتائج مذهلة، كأن يمنع ذكر اسم سعد زغلول فيغني الشعب أغنية (يا بلح زغلول.. زغلول يا بلح) مثلًا وترسل الرسائل من جميع الأبقاع ليوضع اسمه على أظرفها، إمعانا فى التذكر والمواجهة والتمويه واللعب والإصرار، كفكرة بسيطة يقف فيها الأعزل محاربا فكرة النسيان أو الإمحاء أو الصمت. (إنها لحظة أكثر سحرية من روايات الدهشة)، أو يرتبط الكتاب فيها بما يهم كاتبه، إذ وجدتني أقتفي أثر الشعر فى لحظات التحول والإنشاء.
فيكتب فؤاد حداد قصيدة «في محبة كوبري إمبابة» أو يكتب أمل دنقل قصيدة عن منصة تمثال ميدان التحرير التي لم يوضع عليها أبدًا أي تمثال ليسميها «الكعكة الحجرية»، أو يكتب أحمد فؤاد نجم عن مثقف ريش، أو يتظاهر المارة والساكنين من أجل الموافقة على وجود مسرح وموسيقى فى مقهى قد يؤثر على سكون ليل منطقتهم، ويقض مضجعهم الهادئ. لكنها الحياة المعجونة بالتداخل والمحبة والوعي وإدراك لقيمة الفن.. (أليست هذه مصر التي كانت تنتظر لحظة غناء أم كلثوم كل أول شهر فى الراديو فى البيوت والمقاهي وتتوقف الحياة لتستمع لها).
لم أكن أكتب سيرة من لحم ودم، لكنني كتبت سيرة بداخلها اللحم والدم والمواقف والأحداث والتغيرات سيرة مدينة (ليست أي مدينة لكنها القاهرة، ويكفي اسمها القاهرة).
ومن خلال مقهى تتداخل فيه سيرته الخاصة من بنيان، ومالكين، ووثائق، وأحداث، وسير الحاضرين، والمارين عليه، وسيرة بشر مرُّوا وأقاموا، واختلطوا وتفاعلوا. ومع فتح عدسة الرؤيا أوسع وأبعد من ذلك، تتشكل سيرة المباني والشوارع والأمكنة، بمن فيها، وما فيها من حكايات. كلما ابتعدنا، كان وضوح صورة المدينة أكثر ارتكازًا على اتساع الرؤية واشتمالها، وكلما اقتربنا كان المقهى النموذج المصغر للسيرة. تتداخل وتتبادل فيه الشخصيتان أو الموقعان موقع المقهى وهو داخل الموقع الأكبر والأشمل، وهو المدينة التي ينبض قلبها.

كان المزج بارعًا ومحكمًا وانسيابيًا بين السرد الواقعي والتاريخي، بين المزج الذاتي والموضوعي، بين الانتقال بين أشكال وتوظيف تقنيات فى صياغة السردية الكبرى للمدينة من خلال المقهى… لماذا كان التنوع والتعدد والانتقال فى الطرائق وكيفيات الحكي؟ وهل كان يمثل بعضها صنفا واحدًا متكررًا؟

– كلا. هي ليست صنفًا واحدًا، بل تتبعًا للأصناف والأنساق المتعددة فى سياق حضور الشخصية المركزية (المقهى فى الظاهر المقدم كبطل للسيرة لكنه بطل لإظهار بطولة أخرى لشخصية أخرى) والشخصية المحورية (وهي المدينة، وهي التي تملك البطولة الحقيقية المطلقة فى سياقها مع التاريخ والبشر والأحداث) نتلصص عليها من ثقبٍ صغير فى جدار الحداثة الضخم، ثم تتسع الرؤية وتتعمق فى زمن يفوق المائة عام.

كان التتويج بالجائزة خير اعتراف وتقدير بالجهد والمحبة اللتين تجسدتا فى الكتاب.. لمن تهديه بعين التأمل والمحبة والرضا؟

– فى النهاية.. أهدي نجاحي لوالديْ اللذين سهرا على انتباهي وخصوصيتي، وغذوهما بالكتب والثقة والأمل، لأخي الذي كان سند الكتابة والفن، أهديه لوحدتي التي علمتني الصبر والتريث والبحث، وأهديه للقسوة التي علمتني أن الأشياء البسيطة ذات قيمة كبيرة.

أهديه للأصدقاء الذين احتفوا بالكتاب وقيمته، إذ زرعوا الثقة فيه والفرح بقلبي وللأصدقاء الذين قبلوني صديقةً وأختاً والوسط الثقافي الذي كان ظهيري وأهلي، وعائلتي الثقافية بالإمارات وفي مصر وفي العالم العربي، وأقول لولا وجودي بينهم لكنت ضيعت الطريق متمنية لهم جميعا التوفيق.

لا نقول فى الختام.. بل استئناف المحبة والإبداع واللقاء المتجدد.. هل تأذنين باستحضار إهدائك الجائزة فى حفل تسلمها بأبوظبي؟
– بكل تأكيد.. أهدي كتابي للإمارات الوطن الأم، ولمصر أم الدنيا حبيبة القلب… للشارقة الذاكرة الأولى، ولأبوظبي الاكتشاف والوعي والتعلم..