رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

«وثيقة سياسة الملكية».. تصور حكومى لإعادة هيكلة دور الدولة فى الاقتصاد 

448

رمضان أبو إسماعيل

بين عشية وضحاها أصبحت وثيقة سياسة ملكية الدولة، حديث الأوساط الاقتصادية من خبراء وأكاديميين ومستثمرين أو غيرهم.

 كانت الحكومة أعلنت مسودة الوثيقة الأولية فى مارس الماضي، وبعد إعادة مراجعة وتنقيح تم إعادة طرحها فى مؤتمر صحفى موسع عقده
د. مصطفى مدبولى الإثنين الماضي، وشهد الإطلاق الرسمى للوثيقة إعلانا ببدء الحوار المجتمعى الجاد بين الخبراء الأكاديميين المعنيين بالموضوع من رجال الأعمال وغيرهم، وذلك حول ما جاء فى هذه الوثيقة المهمة.

تعالج وثيقة ملكية الدولة قضية دور الدولة، الذى شهد فى مصر تحولات عديدة، على مدى العقود الماضية، بما يتلاءم مع طبيعة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والفكر الاقتصادى السائد، بحيث تراوح ما بين حصر الدور فى تهيئة السبل الكفيلة بنجاح النظم الليبرالية القائمة على الحرية الاقتصادية، وما بين دعاة تدخل الدولة المباشر فى النشاط الاقتصادي، بما يفرضه ذلك من مشاركتها فى أنظمة الإنتاج والتوزيع.

ملكية الدولة

ارتبط بوجود دور كبير للدولة، بحسب الوثيقة، أن اتسعت محفظة الأصول المملوكة للدولة، لتضم العديد من شركات القطاع العام، وقطاع الأعمال العام، وتحقق حضورها الطاغى فى أكثر القطاعات الاقتصادية؛ بعضها سلع إستراتيجية أو خدمات أساسية، والبعض الآخر تواجدت فيه الدولة؛ لتحقيق أبعاد اقتصادية أو اجتماعية محددة، من منطلق أن التواجد ينبغى ألا يكون هدفا فى حد ذاته، وإنما لتحقيق أهداف وغايات اجتماعية، واستراتيجية، واقتصادية.

تدرك الحكومة أن تدخلها ينتهى بتحقيق الأهداف وزوال الدوافع، فالأزمات مصر المتكررة فى الآونة الأخيرة وما صاحبها من تداعيات، اقتضت ألا تقف الدولة مكتوفة الأيدى دون تدخل منها، لحماية المواطن، فكان تزايد تواجد الدولة فى النشاط الاقتصادى فى أعقاب عام 2013 مبررا لمواجهة انخفاض معدلات النمو، وما ترتب عليه من تراجع مستويات الرفاهية، وتراجع أهم مصادر النقد الأجنبي، ارتفاع عجز ميزان المدفوعات بمعدلات غير مسبوقة، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور المستوى المعيشى للأفراد.

جاء تدخل الدولة فى الاقتصاد أبان هذه الأزمات بتبنى 3 اتجاهات رئيسية لتصحيح المسار، بضخ استثمارات حكومية داعمة للنشاط الاقتصادي، توجه نصفها إلى قطاعات البنية التحتية والتعليم والصحة الفترة (2014/ 2015 – 2020/ 2021)؛ لتعويض غياب القطاع الخاص عن هذه القطاعات، وتوجيه نحو  33% من هذه الاستثمارات الفترة (2017/ 2018 – 2019/ 2020) لتنفيذ مشروعات قومية داعمة للنمو والتشغيل ومحفزة للاستثمارات المحلية والأجنبية.

الإصلاح الاقتصادي

تزامن مع زيادة الحكومة لاستثماراتها إطلاق المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادى (2016 – 2019)، الذى استهدف دفع النمو الاقتصادي، واحتواء الاختلالات الاقتصادية، فيما تستهدف المرحلة الثانية، التى تم إطلاقها أبريل 2021، البناء على المكتسبات الاقتصادية القومية، التى تحققت بفعل برنامج الإصلاح الاقتصادى الشامل، والعمل على تحفيز جانبى العرض والطلب، وتعزيز الاقتصاد الأخضر؛ بهدف زيادة مستويات الإنتاجية.

ترتب على إجراءات الحكومة تحسن تصنيف مصر فى عدد من المؤشرات الدولية، التى تُعد عنصرا رئيسا لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، واستطاعت مصر تحقيق قفزات فى عدد من تلك المؤشرات إثر التدخلات، وأنه التزاما بما ورد فى الدستور المصري، وفقا للمادة (27)، التى نصت على «يهدف النظام الاقتصادى إلى تحقيق الرخاء فى البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، بما يكفل رفع معدل النمو الحقيقى للاقتصاد القومي، ورفع مستوى المعيشة، وزيادة فرص العمل، وتقليل معدلات البطالة، والقضاء على الفقر.

برزت الحاجة فى الآونة الأخيرة، بحسب وثيقة سياسة ملكية الدولة، إلى وجود حكومات تتمتع بأعلى مستوى من الكفاءة والديناميكية والاستجابة لاحتياجات مواطنيها، فى مواجهة الأزمات والصدمات الاقتصادية، بما يبرر التحول نحو دور جديد للدولة تقاس فيه كفاءة الحكومات بمدى قدرتها على تقديم خدمات عامة عالية الجودة لمواطنيها، وسعيها نحو تعزيز مستويات البنية التحتية الداعمة للاستثمار، وتبنيها لأطر تشريعية وتنظيمية تكفل جاذبية بيئات الأعمال، وتأسيسها شبكات أمان اجتماعى تحمى الفئات الهشة، ونجاحها فى مساعدة الأفراد والشركات على الاستفادة من الفرص، التى يتيحها التحول الرقمى والثورة الصناعية الرابعة.

أهداف الوثيقة

بدأت الحكومة فى إجراءات تعديل دورها بما يتواكب مع التغيرات الحاصلة، بدءا من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى عام 2016، وصولا إلى تبنى العديد من الإصلاحات والإجراءات مؤخرا؛ لتحسين أداء الشركات المملوكة للدولة، بما يشمل الالتزام بمبادئ الحوكمة ومعايير الشفافية والإفصاح، وتنفيذ خطة إعادة هيكلة بعض الشركات، وتبنى برنامج الطروحات الحكومية، وإطلاق البرنامج الوطنى للإصلاحات الهيكلية النصف الأول من 2021، الذى يعتمد نجاحه على تعزيز قدرة القطاع الخاص على توليد النمو، والتنمية الاقتصادية، وتعزيز الصمود الاقتصادي، بما يستلزم إفساح مجال أكبر لهذا القطاع.

تستهدف سياسة ملكية الدولة للأصول رفع معدلات النمو الاقتصادى (معدل الاستثمار بين 25 و30%)؛ بما يسهم فى زيادة معدل النمو الاقتصادى بين 7 و9%، بما يخلق المزيد من فرص العمل، وتمكين القطاع الخاص المصري: وتوفير فرص متنوعة لتواجده فى كافة الأنشطة الاقتصادية، بما يرفع مساهمته فى الناتج المحلي، والاستثمارات، والتشغيل، والصادرات، والإيرادات الحكومية، وتركيز تدخل الدولة فى ضخ الاستثمارات فى القطاعات، التى يعزف القطاع الخاص عن الدخول فيها، فى حين يساهم تطويرها فى تحسين بيئة العمل للقطاع الخاص (مياه الشرب – الصرف الصحى- النقل – الصحة).

تعمل الوثيقة أيضا على حوكمة تواجد الدولة فى الأنشطة الاقتصادية، بحيث يكون التواجد وفقا لمعايير محددة، وأن يتم التحول من إدارة مؤسسات الدولة إلى إدارة رأس مال الدولة، بتحديد آليات تخارج الدولة من الأصول المملوكة لها، وتحقيق وفر مالى  يمكن من دعم أوضاع الموازنة العامة، وتحقيق الانضباط المالي، وضمان الاستدامة المالية، وتعزيز قدرة الدولة المالية على دعم شبكات الأمان الاجتماعي؛  لحماية الفئات الهشة، وزيادة مستويات قدرة صمود الاقتصاد المصرى أمام الأزمات.

عوامل النجاح

نجاح سياسة الملكية الدولة، بحسب ما جاء فى الوثيقة، مرهون بعدة إجراءات، أولها: أن يكون التخارج متدرج، وثانيها: مراعاة الأبعاد الاستراتيجية والأمنية للأنشطة الاقتصادية، وثالثها: استهداف سياسة الملكية؛ لتحسين طريقة تخصيص الموارد، ورابعها: تحديد منهجية التعامل بعد التخارج، وخامسها: تبنى الحكومة منظومة كاملة من السياسات الاقتصادية المحفزة للقطاع الخاص، سياسة نقدية داعمة للاستقرار السعرى ومعززة لأسس استقرار الاقتصاد، وسياسة مالية تستهدف تحقيق الانضباط المالي، والتحرك نحو مسارات أكثر استدامة للدين العام، ومنظومة سياسات تحسين بيئة ممارسة الأعمال للمستثمر.

حددت الوثيقة 6 معايير لتحديد آلية تخارج/ بقاء الدولة، أولها: تصنيف السلعة أو الخدمة، وما إذا كانت ذات علاقة بالأمن القومي، وثانيها: أهمية دخول الدولة كمنظم وممول وداعم للصناعات المستقبلية التكنولوجية ذات الصلة بالثورة الصناعية الرابعة؛ لتوطينها فى مصر، وثالثها: مدى جاذبية القطاع/ النشاط للاستثمارات الخاصة، ورابعها: تمكين الاستثمارات الخاصة، مع السماح بتعزيز فرص التكامل الممكنة مع الاستثمارات العامة، وخامسها: تخارج الدولة من الصناعات/ القطاعات المشبعة سوقها، التى لا تحتاج إلى دعم الدولة، سادسها: مستوى ربحية الأصول المملوكة للدولة.

تخارج تدريجي

بتطبيق هذه المنهجية، تقترح الوثيقة تخارج الدولة خلال 3 سنوات، من 83% من الأنشطة الزراعية، والإبقاء مع تثبت أو تخفيض الاستثمارات فى باقى أنشطة القطاع، والتخارج من 50% من الأنشطة العقارية مع إبقاء مع تثبيت أو تخفيض الاستثمارات فى باقى الأنشطة العقارية، فيما تبقى مع تثبت أو زيادة الاستثمارات فى 58% من قطاع النقل وتبقى مع تثبيت أو تخفيض الاستثمارات فى باقى القطاع، وتبقى مع تثيبت أو زيادة الاستثمارات فى 78% من قطاع الاتصالات وتبقى مع تثبيت أو تخفيض الاستثمارات فى 11% مع التخارج من باقى أنشطة القطاع.

ويحظى قطاع الصناعة التحويلية بأهمية خاصة فى وثيقة سياسة ملكية الدولة، بحيث تفصح عن الخطة المقترحة من قبل الحكومة للتخارج من القطاع خلال السنوات الثلاثة المقبلة، فالمقترح أن تتخارج الدولة تماما من قطاعى صناعة الجلود والأخشاب خلال الفترة، فيما تتخارج من 77% من الصناعات الهندسية وتبقى مع تثبيت أو خفض الاستثمارات فى 8%، وتبقى مع تثبيت أو زيادة الاستثمارات فى 15% من الأنشطة، وتتخارج الدولة من 40% من الصناعات المعدنية وتبقى مع تثبيت أو تخفيض الاستثمارات فى 60% من هذه الصناعات.

وتتخارج الدولة، بحسب الوثيقة، من 56% من الصناعات الكيماوية مع إبقاء مع تثبيت أو تخفيض الاستثمارات فى 38% والإبقاء مع تثبيت أو زيادة الاستثمارات فى 6% من الأنشطة، وتتخارج الدولة من 90% من الصناعات النسيجية مع الإبقاء مع تثبيت أو تخفيض الاستثمارات فى باقى الصناعات النسيجية، والتخارج من 78% من صناعة الطباعة والتغليف مع إبقاء مع تثبيت أو زيادة الاستثمارات فى 23%، فيما تتخارج الدولة من 73% من الصناعات الغذائية والمشروبات مع إبقاء مع تثبيت أو تخفيض الاستثمارات فى 27%، أما الصناعات الغذائية تقترح الحكومة أن تتخارج الدولة من 50% من أصول القطاع، والإبقاء مع تثبيت أو تخفيض الاستثمارات فى 33% والإبقاء مع تثبيت أو زيادة الاستثمارات فى 17%.

آليات التخارج

تتبنى وثيقة ملكية الدولة عددا من آليات تخارج الدولة من النشاط الاقتصادي، سواء بشكل كلى أو جزئى لتشجيع القطاع الخاص، التى تختلف بدورها من قطاع اقتصادى لآخر، ومن أصل عام مملوك للدولة إلى آخر، كما تختلف كذلك بحسب الهدف من مشاركة القطاع الخاص فى ملكية الأصول العامة، وبحيث يتم اختيار الآليات التى من شأنها تعظيم العائد الاقتصادى من مشاركة القطاع الخاص، وزيادة المكاسب الاقتصادية الكلية من تحرير الأسواق، وزيادة مستويات المنافسة، وتعظيم فائض المستهلك، وتحقيق أعلى مستويات للربحية والكفاءة الاقتصادى لتلك الأصول.

عقود الشراكة

تتضمن عقود الشراكة مع القطاع الخاص عقود الامتيازات، وعقود مشروعات البناء والتشغيل والتحويل B.O.T، وعقود البناء والتملك والتشغيل ونقل الملكية B.O.O.T، وعقود البناء والتشغيل والتملك B.O.O، وعقود التصميم والبناء والتشغيل D.B.O، ومشروعات البناء والتمويل والتشغيل والتحويلB.F.O.T، وعقود الأداء، وعقود الإدارة.

وتتوجه الدولة، وفقا للوثيقة إلى إعادة هيكلة بعض المؤسسات العامة وخصخصتها، بما يسمح بزيادة مستويات جاذبيتها للقطاع الخاص، وتعظيم العائد الاقتصادى من تلك المشروعات، وبالتالى طرح جانب  من أسهمها للقطاع الخاص لاحقا سواء بشكل كلي، أو بشكل جزئى فى حال رغبة الحكومة فى ضمان استمرار مساهمة هذا الأصل فى الخزانة العامة للدولة.