رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

هل انخفاض اليورو يدفع اقتصاد أوروبا نحو الركود ؟

559

   في وقت تتزايد فيه مخاوف الدول الأوروبية من تطور الانكماش والركود الاقتصادي، نتيجة لارتفاع معدلات التضخم وتزايد حالة عدم اليقين بشأن استمرار إمدادات الغاز الروسي، على أثر التداعيات السلبية للحرب الروسية الأوكرانية على اقتصادات الدول الأوروبية، سجل اليورو أدنى مستوياته ليصل إلى أقل من 1.02 دولار، في هبوط حاد لم يشهده منذ عشرين عاما، محدثا هزة عنيفة تتجاوز اقتصادات منطقة اليورو إلى اقتصادات كل الدول الأوروبية.

 وأكد مراقبون دوليون وخبراء اقتصاد تعقيبًا على هذه التطورات أن هبوط اليورو جاء نتيجة لقوة الدولار وتزايد الطلب عليه في الأسواق العالمية، وضعف منطقة اليورو وتداعيات الحرب في أوكرانيا وتراجع معدلات النمو في أوروبا، وأزمات الاقتصادات الأوروبية الكبرى، خاصة الاقتصاد الألماني بفعل تداعيات الوباء والتأثيرات السلبية للعقوبات الاقتصادية المرتدة على اقتصادات الدول الأوروبية.

صفاء مصطفى

وبحسب هذه التحليلات من المتوقع أن يشهد قادم الأيام، انهيار أكبر لقيمة اليورو مع زيادة فى قيمة الدولار مما يدفع باقتصادات الدول الأوروبية نحو حالة من الركود وعدم اليقين، خاصة مع استمرار التأثيرات الاقتصادية السلبية للحرب الروسية الأوكرانية، التى تتفاقم مخاطرها مع رصد مؤشرات بداية أزمة إمدادات الغاز الروسى إلى أوروبا.

وفى ضوء هذه التحليلات، أكد مختصون أن الآفاق المستقبلية لليورو غامضة وسوداوية ما لم يتدخل البنك المركزى الأوروبى أو الفيدرالى الأمريكي؛ لتعزيز القدرة لمواجهة هذه التحديات.

بداية التعامل باليورو

وجدير بالذكر أن اليورو أصبح عملة قانونية فى الأول من يناير 1999 فى 11 دولة من أصل 15 هى أعضاء الاتحاد الأوروبى فى ذلك الوقت، وبدأ ذلك إلكترونيا فقط، ثم اتخذ شكل الأوراق النقدية والعملات المعدنية بدءا من أول يناير 2002.

ويُعدّ اليورو اليوم العملة الرسمية لنحو 340 مليون شخص فى 19 دولة من دول الاتحاد الأوروبي، وستكون كرواتيا الدولة الـ20، التى تعتمد اليورو عملة رسمية، بعد أن وافق وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبى مؤخرًا بشكل نهائى على طلبها، وسيدخل القرار فى الأول من يناير 2023 حيز التنفيذ.

ثلاثة تحديات جسيمة تهدد الاقتصادات الأوروبية

رصد فيليب آر لين، عضو المجلس التنفيذى للبنك المركزى الأوروبى فى خطاب تحليلى عن الآفاق الاقتصادية لمنطقة اليورو بعض الاعتبارات التحليلية، التى تواجهها منطقة اليورو، فى إطار ثلاثة تحديات رئيسية تلقى الضوء على أهم ملامح المناخ الاقتصادى لمنطقة اليورو  وتوضح الأسباب الكامنة خلف تراجع قيمة اليورو، وأهم ملامح اقتصادات أوروبا خلال السنوات المقبلة.

 أوضح عضو المجلس التنفيذى للبنك المركزى الأوروبى أن التحدى الأول، الذى يواجه اقتصاد منطقة اليورو، الذى يتم فى إطاره تقييم التوقعات الاقتصادية والتضخم لمنطقة اليورو، هو وباء كورونا وتبعاته الاقتصادية، لافتًا إلى أن الوباء يمثل قوة دافعة من الدرجة الأولى خلال فصل الشتاء فى التأثير على كل أوجه النشاط الاقتصادي، حيث لا تزال القيود الوبائية تحد من النشاط الاقتصادى فى منطقة اليورو، وأنه بينما يتم رفع هذه القيود فى فصل الصيف، إلا أنه من المتوقع موجة أخرى من ضغوط الاختناق فى سلاسل التوريد العالمية.

وأوضح أن التحدى الثاني: يتمثل فى القفزة الكبيرة فى أسعار الطاقة منذ صيف عام 2021، التى أحدثت صدمة اقتصادية كلية كبرى على وجه الخصوص، نظرًا لأن النفط والغاز يتم استيرادهما بشكل أساسى من منطقة اليورو، فإن هذا يشكل صدمة كبيرة فى معدلات التبادل التجاري، مما يؤدى إلى انخفاض الدخل الحقيقى الإجمالى لمنطقة اليورو، بالإضافة إلى الآثار السلبية لانخفاض الدخل الحقيقى للاستهلاك والاستثمار، مشيرًا إلى أن الزيادة المستمرة فى أسعار الطاقة قد تؤدى إلى تراجع قدرة العرض الإجمالية مما يجعل تشغيل تقنيات الإنتاج كثيفة الاستهلاك للطاقة بكامل طاقتها فى بعض الصناعات أمرًا غير اقتصادي.

وأضاف أن هذا القلق ينطبق بشكل خاص على قطاع السلع التجارية إلى حد أنه كانت هناك أيضًا زيادة فى السعر النسبى للطاقة فى أوروبا مقارنة بأجزاء أخرى من العالم، فيما يتعلق بديناميكيات التضخم، حتى لو كان ارتفاع أسعار الطاقة فى نهاية المطاف تأثير مستوى، فإن المرحلة المطولة من التضخم المرتفع مؤقت، تهدد بالتأثير على ديناميكيات التضخم على المدى المتوسط من خلال إعادة تحديد توقعات التضخم.

نقطة تحول

أوضح عضو المجلس التنفيذى للبنك المركزى الأوروبى فى خطابه أن التحدى الثالث: يتمثل فى الحرب الروسية فى أوكرانيا، مؤكدا أن هذه الحرب تعد نقطة تحول للقارة الأوروبية، وأنه على مستوى اقتصاديات الدول الأوروبية فإن التأثير الاقتصادى للحرب يعمل من خلال عدة آليات تتضمن زيادة حدة أزمة صدمة الطاقة، التى تؤدى إلى مجموعة جديدة من الاختناقات، والمراجعات التنازلية فى ثقة المستهلك والأعمال، وعلاوة على ذلك تشكل الحرب مصدرًا مهمًا لعدم اليقين، وهو بمثابة عائق إضافى للنشاط الاقتصادي.

أداء اقتصادى ضعيف

ومن واقع مؤشرات أداء الاقتصاديات الأوروبية ومن منطلق هذه التحليلات، أكد عضو المجلس التنفيذى للبنك المركزى الأوروبى أن ارتفاع تكاليف الطاقة والقيود المرتبطة بالوباء، والاختناقات العالمية، وأخيرا التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية فى أوكرانيا، جميعها تمثل عوامل دفعت نحو الأداء الاقتصادى الضعيف لمنطقة اليورو فى الربع الأخير من عام 2021 والربع الأول من عام 2022: كانت معدلات النمو على أساس ربع سنوى فقط 0.3% و0.2% على التوالى.

ويتوقع عضو المجلس التنفيذى للبنك المركزى الأوروبى أن الوباء لا يزال يساهم فى الاختناقات العالمية، فى حين ستستمر صدمة الطاقة والحرب فى تأثيراتها السلبية على اقتصاديات الدول الأوروبية خلال الفترة المقبلة.

مخاطر تهدد القدرة الشرائية

ومن جانبها، أوضحت إيزابيل ميجان، الأستاذ بجامعة «سيانس بو» فى باريس، أن انخفاض قيمة اليورو يؤدى إلى تراجع القدرة التنافسية للمنتجات المستوردة، حيث تواجه مستوى أعلى من التنافسية على المستوى المحلي، ومن ثم ستصبح أكثر تكلفة، مما يسهم فى زيادة التضخم وهو يدفع نحو العديد من المخاطر، التى تهدد القدرة الشرائية للمواطنين.

زيادة النمو ضرورة للسيطرة على زيادة تكلفة الديون

وأكدت أن مواجهة التداعيات السلبية لتراجع قيمة اليورو تتطلب زيادة معدلات النمو، مشددة على أن ذلك يسهم فى تيسير عملية سداد الديون مع الأخذ فى الاعتبار ضرورة أن تعتبر الأسواق العالمية الديون الأوروبية آمنة بدرجة كافية مع استمرار انخفاض أسعار الفائدة.

وأضافت أنه بالنسبة للدول التى أصدرت سندات بالدولار، فإن انخفاض قيمة اليورو مقابل الدولار سيرفع من تكلفة السداد.

ركود اقتصادى أوروبي

و من جانبه، أرجع المحلل والخبير الاقتصادى دانيال ملحم السبب فى تراجع وضعف سعر اليورو إلى قوة الدولار بالدرجة الأولى وتزايد الطلب عليه فى الأسواق العالمية، فيما يعد ضعف منطقة اليورو وتداعيات الحرب فى أوكرانيا أسباب ثانوية لتراجع قيمة اليورو، مؤكدا أن ذلك يعد مؤشرا على صعود مستقبلى للدولار مقابل مزيد من الانخفاض لقيمة اليورو خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن السبب يرجع إلى أن غالبية أسعار الطاقة فى السوق العالمية مسعّرة بالدولار، ومن ثم فإن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدى آليا إلى زيادة الطلب على الدولار، ونتيجة لذلك سيصبح الدولار الملاذ الأكثر أمانا فى السوق العالمية مما يزيد من الطلب عليه.

أزمات الاقتصادات الأوروبية الكبرى

وفى سياق متصل، ألقى الخبير الاقتصادى الضوء على العوامل، التى أدت إلى تراجع قيمة اليورو ومن المتوقع استمرار تأثيراتها السلبية خلال المرحلة المقبلة، موضحا أن هذه العوامل من أهمها ضعف النشاط الاقتصادى فى منطقة اليورو وتراجع معدلات النمو فى أوروبا، خاصة المؤشرات السلبية الأخيرة لأداء الاقتصادات الأوروبية الكبرى، خاصة الاقتصاد الألماني، مؤكدا أن هذه المؤشرات تدفع نحو فرضية أن أوروبا ستدخل فى حالة من الركود الاقتصادي، مما يؤدى إلى إضعاف قيمة اليورو وسعره.

هبوط متوقع نتيجة للعقوبات الاقتصادية المرتدة

ومن جانبه، وصف د. كميل السارى الخبير الاقتصادى والمتخصص فى العملات أن هذا الهبوط كان متوقعا، نتيجة للتداعيات السلبية للعقوبات الاقتصادية الدولية ضد روسيا والرد الروسى على هذه العقوبات بعقوبات مرتدة أحدثت انكماشا كبيرًا وانتكاسة فى الاقتصاد الأوروبي، لافتا إلى أن البداية كانت مع الأزمة، التى يشهدها الاقتصاد الألماني، وهو ما انعكس سلبيًا على العملة الأوروبية.

وشدد خبير العملات على أن ارتفاع أسعار الطاقة وأزمة إمدادات الغاز من روسيا إلى أوروبا، تجعل من الأوضاع الاقتصادية الراهنة والمناخ الاقتصادى فى الولايات المتحدة أفضل من الدول الأوروبية، مرجعا السبب إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست فقط منتجة للغاز والنفط، وإنما هى أيضا مصدرة لهما، ومن ثم فإنها لا تعانى من أزمة طاقة.

توقعات بانهيار أكبر لليورو

أوضح د. كميل الساري، خبير العملات أنه فى ظل تزايد المخاوف من تطور الانكماش والركود الاقتصادي، نتيجة لارتفاع التضخم وتزايد حالة عدم اليقين بشأن استمرار إمدادات الغاز الروسي، يصبح الوضع «حرجا للغاية» للدول الأوروبية، نظرًا لأن حوالى 50% من واردات هذه الدول مقومة بالدولار.

 وفى ضوء هذه الأوضاع وتفاقم هذه الأزمات يتوقع خبير العملات أن يشهد قادم الأيام انهيارا أكبر لليورو «العملة الأوروبية».

بداية أزمة إمدادات الغاز

وأوضح أن السبب وراء توقعات مزيد من الانهيار لقيمة اليورو يرجع إلى أن الاقتصادات الأوروبية تشهد بوادر بداية أزمة إمدادات الغاز، وذلك لأن الدول الأوروبية فى الوقت الحالى لديها احتياطى كافٍ من الغاز فى الصيف، إلا أنه مع دخول الخريف والشتاء وتضاعف استهلاك الغاز، فإن الوضع سيتأزم أكثر وأكثر ومن ثم اليورو سيهبط أكثر وأكثر وهو ما يعزز من فرص استمرار الارتفاع فى معدلات التضخم.

وأكد الخبير الاقتصادى المختص فى العملة على أن الآفاق المستقبلية لليورو غامضة وسوداوية ما لم يتدخل البنك المركزى الأوروبى أو الفيدرالى الأمريكي، لافتا إلى أن قوة الدولار راجعة بالأساس إلى قوة تدخل البنك المركزى الأمريكى على النقيض من البنك المركزى الأوروبي، الذى لا يتدخل كثيرا؛ لتعزيز قيمة اليورو ومن يكون أقل عرضه للمخاطر والهبوط.