رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

قضايا الأمن الغذائي وعجز الموازنة والتضخم والديون الاقتصاد يتصدر المشهد فى الحوار الوطنى

375

منذ دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإقامة الحوار الوطنى، لم تهدأ مطالبات الخبراء بضرورة تخصيص مساحة معتبرة من هذا الحوار للشأن الاقتصادى، إيماناً بحيوية وجوهرية القضايا الاقتصادية المطروحة على الساحة فى الآونة الأخيرة، وحرصاً على التذكير المستمر بأن قضايا الاقتصاد لا تنفصل أبداً عن الشأن العام.

رمضان أبو إسماعيل

ولم يتوان القائمون على الحوار الوطنى فى الاستجابة للرأى العام، وظهر ذلك عبر التصريحات الصادرة، الثلاثاء الماضى، عن الكاتب الصحفى ضياء رشوان، المنسق العام للحوار الوطني، التى أكد فيها أن الحوار الوطنى يتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية، وهي: السياسي والاقتصادى والاجتماعى.

أعلن د. ضيــاء رشـــــوان، أن اللجنـــة الاقتصادية بالحوار الوطنى تشكلت من

د. جودة عبدالخالق، ود. طلعت عبد القوي، و د. محمد فايز فرحات، والنائبة أميرة صابر، لافتا إلى أن هذه اللجنة ستقدم لمجلس أمناء الحوار الوطني فى اجتماعه القادم ما لديها من اقتراحات حول القضايا الفرعية، التي سيجري مناقشتها حول المحور الاقتصادى.

التوقيت حساس للغاية

يأتى الحوار الوطنى فى توقيت حساس للغاية على مستوى الملف الاقتصادى، لما تعانيه اقتصادات العالم من اضطرابات غير مسبوقة جراء جائحة كورونا، التى أجبرت البلدان المختلفة على الغلق الكلى أو الجزئى بما أصاب التجارة الدولية بحالة من الشلل تركت تداعيات خطيرة على أداء اقتصادات الدول، خصوصا أن تباطؤ معدلات النمو الاقتصادى تزامنت مع حاجة الحكومات إلى زيادة مخصصات الإنفاق على القطاع الصحى، لمواجهة زيادة أعداد الإصابات بفيروس كوفيد 19 ومتحوراته.

وارتبط تباطؤ معدلات النمو الاقتصادى، بحسب دراسات اقتصادية عديدة، بأزمات عميقة فى  سلاسل الإمداد وما ارتبط بها من نقص واضح فى بعض السلع الاستراتيجية فى العديد من الأسواق، ثم كانت الحرب الروسية الأوكرانية وما ارتبط بها من موجات تضخمية ضربت اقتصادات الدول، وترتبت عليها أزمة غذاء فى العديد من البلدان، جراء ارتفاع أسعار الحبوب والنفط والغاز، وزاد الأمور صعوبة أن الأزمة تتجه إلى المزيد من التعقيد مع إصرار طرفى الصراع الروسى الأوكراني على مواصلة الصراع دون وجود فرص حقيقية لتسوية الأزمة فى الأمد القصير.

من الواضــــح بحســــب اقتصادييــــن، أن قضايـــــا اقتصادية بعينها سوف تفرض نفسها على مجريات الحوار الوطنى، على رأسها قضية الأمن الغذائى، التى تتفاقم جراء الأوضاع المضطربة، التى يشهدها العالم الآونة الأخيرة، ما يصعب مهمة تدبير مخصصات استيراد نحو 70% من احتياجات السوق المحلية من السلع الاستراتيجية، ثم تأتى قضية عجز الموازنة، الذى تضطر معه الحكومة إلى الاستدانة، ما يدفع فى اتجاه تعميق أزمة الديون، التى تضطر معها الحكومة إلى تخصيص نسب معتبرة من الإنفاق العام لسداد الأقساط وخدمة الدين.

وتفرض وثيقة سياسة ملكية الدولة، نفسها على أجندة الحوار الوطنى، لكونها، فى رأى الحكومة، تمثل أحد الحلول الجوهرية لأزمات الاقتصاد الوطنى، بما توفره من بدائل لسد الفجوة التمويلية التي يعانيها الاقتصاد، وتعميق دور القطاع الخاص بالوصول إلى نسب مساهمة قدرها 65% من حجم الاقتصاد، فى محاولة لتخفيف الأعباء عن الحكومة، وإفساح المجال للقطاع الخاص؛ بما يمتلكه من قدرات على زيادة القدرة التشغيلية للاقتصاد بضخ المزيد من الاستثمارات فى قطاعات الصناعات الغذائية والمزارع السمكية والإنتاج الحيوانى والداجنى.

مهمة عاجلة للإنجاز

يتعامل د. جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، مع الحوار الوطنى على أنه مهمة عاجلة، تستوجب منه وغيره من المخلصين العمل بجد واخلاص لتحقيق الإنجاز الذى ينتظره المواطن، وأن القضايا الاقتصادية الملحة يطول الحديث عنها، وأن نبض الناس فى الشارع والمجتمع، يجب أن يكون المحدد الرئيس عند تحديد قضايا الحوار الاقتصادية، بما يجعل من طرح قضية جنون الأسعار الحارقة أكثر القضايا إلحاحا على مائدة الحوار الوطنى.

زيادات الأسعار، بحسب د. جودة

عبد الخالق، وزير التضامن الاجتماعى الأسبق، فى حاجة ماسة إلى وقفة جادة لضبط إيقاع السوق، بعدما تبين للكافة أن كلمة اقتصاد السوق الحر ليست إلا خرافة، وأن الوضع يستوجب المضى قدما لوضع ضوابط أكثر صرامة تحقق الإدارة الرشيدة لاقتصاد السوق، وأن الوضع الحالى يجعل قضايا الاقتصاد فى واجهة الحوار الوطنى، لكونها ترتبط بهموم وآلام يعانيها المواطن، خصوصا مع زيادة معدلات التضخم، ما يحتاج لكل العقول وكافة الأفكار النيرة لإخراجنا من الوضع الاقتصادي الراهن.

«مصر فى مواجهة التحديات الاقتصادية الوجودية».. هكذا جاء العنوان المقترح من قبل د. جودة عبد الخالق، للمحور الاقتصادى فى الحوار الوطنى، الذي ينتظر من المشاركين فيه وضع سيناريوهات واقعية لمواجهة التحديات الاقتصادية الوجودية، التى تواجه الاقتصاد الوطنى، وأن تحقيق المواجهة الفعالة تحتاج إلى شحذ كافة الهمم، وتعبئة الأفكار والإرادات، وذلك فى سبيل إحداث تغير جوهري فى المسار، الذى تسير فيه مصر.

إدراك النجاح فى الملف الاقتصادى، بحسب د. جودة عبدالخالق، مرهون بصدق النوايا وشحذ الهمم والأفكار، حتى يتحقق ما يحلم به ويتمثل فى ترسيخ فكرة الاعتماد الاقتصادي على النفس، وذلك بالعمل على تعبئة المدخرات الوطنية، التى تمتلك مصر مخزونا هائلا منها، دون تجاهل الاستثمارات الأجنبية الجادة.

البداية الحقيقية للانطلاق

إصلاح الشأن الاقتصادى، فى رأي د. سمير رضوان، وزير المالية الأسبق، البداية الحقيقية لجهود إطلاق الجمهورية الجديدة، ومن هنا تكون أهمية موقع الاقتصاد من الحوار الوطنى، الذى ينتظر الجميع أن يسهم فى تحديد مسار التنمية فى المستقبل، دون التقليل من شأن النواحى السياسة والاجتماعية والثقافية، التى تمثل صمام الأمان لتحقيق التقدم الاقتصادى المستدام، فلا نهضة اقتصادية بدون استقرار اجتماعى، ولا مجال للحديث عن نهضة اقتصادية فى ظل سيادة ثقافة لا تعلى قيم الإنتاج والعمل المنتج وصيانة الأصول العامة.

البداية يجب أن تكون بالخروج من الدائرة المفرغة، على ألا يكون الخروج بإقامة حوار يغرق فى سرد المشكلات دون التعرض للحلول، ما قد يؤدى إلى تعميق الحفرة، ويصعب من مهمة الخروج منها ويصيب الكافة بالإحباط، لكن المطلوب الاتفاق على خارطة طريق حقيقية للخروج من المأزق، على أن يضع القائمون على الحوار حقيقة مفادها أن آفة الاقتصاد فى مصر تتجسد فى عدم اكتمال أى تجربة تنموية، ومن ثم فإن التحدى الرئيس القدرة على رسم سيناريو محدد للمستقبل.

ويشترط د. سمير رضوان، أن يتخذ السيناريو المقترح الوضع الراهن للاقتصاد المصرى كنقطة بداية، ثم يؤسس عليه ما نستهدفه خلال العشر سنوات القادمة، شريطة تحقيق التغييرات اللازمة للعبور مما نحن فيه إلى ما نصبو إليه، دون الإغراق فى اجترار الماضى والتركيز على المشكلات، خصوصا أن مشكلات الاقتصاد واضحة.

تتمثل تحديات الاقتصاد المصري فى الحاجة الماسة إلى زيادة معدلات النمو الاقتصادى على مدى العشر سنوات القادمة إلى 6%، ما يتطلب تعبئة استثمارات بنحو 25% من الناتج المحلى، واستيعاب نحو مليون نسمة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنويا، وعلاج الخلل فى الموازين الاقتصادية الداخلية (عجز الموازنة 6,8% – عجز الميزان التجارى 4,6%)، ومواجهة تفاقم الدين العام نحو 86% من الناتج المحلى، ما يتطلب تخصيص 32% من الإنفاق العام لخدمة الدين، وتجاوز نمو القوى العاملة الطلب عليها، وتنامى حجم القطاع غير المنظم نحو 35% من قوة العمل و50% من التشغيل، وضرورة تعزيز شبكة الحماية الاجتماعية.

برنامج وطني اقتصادي

يقترح د. سمير رضوان، برنامجا وطنيا لانطلاق الاقتصاد المصرى، يبنى على ما تم تحقيقه، ويشمل حزمة متسقة من السياسات قصيرة الأجل (2022 ــ2030) على أن تضمن، بالطبع، الاستمرارية فى الأجل الطويل، وينهض على ثلاث ركائز، أولها، التصنيع، الذى يوفر بديل التحول الكبير عبر إحداث تغير هيكلى فى بنية الاقتصاد تكون فيه الصناعة «قاطرة التنمية»، ما يتطلب تصميم وتنفيذ سياسة صناعية حديثة تقوم على دخول مصر فى سلاسل الإنتاج العالمية، بتأهيل قوة عمل صناعية على رأس العمل، وإزالة معوقات الاستثمار، وإنشاء مؤسسات تنموية حقيقية، وزيادة القدرة التنافسية لمصر.

وتتمحور الركيزة الثانية حول إعداد قوة العمل؛ بما يسهم فى تحقيق الطفرة الصناعية المنشودة والارتقاء بمستوى التنافسية، خصوصا أن هناك إجماعا على أن الموارد البشرية تعد المصدر الأساسى للميزة النسبية لمصر، نظرا لندرة الموارد الطبيعة الأخرى، لكن استغلال هذه الميزة فى ظل التطور التكنولوجى الحاصل يحتم الارتقاء بمهارة قوة العمل؛ إذ إن هذا التطور يعنى اختفاء وظائف قائمة واستحداث وظائف جديدة تتطلب التدريب والتأهيل، حتى تتمكن الدولة من توفير ما يقرب من مليون فرصة عمل منتج سنويا، حتى نستطيع المنافسة دوليا، وحتى نوقف تسرب الشباب إلى القطاع غير المنظم.

تعزيز الركيزة الاجتماعية للنمو.. هو الركيزة الثالثة للبرنامج الوطنى الذى يقترحه وزير المالية الأسبق، إذ إن النمو السريع غالبا ما يؤدى إلى اتساع الفجوة بين الفئات المختلفة، وتقليل هذه الفجوة مهمة الدولة المتمثلة فى تصحيح مسارات السوق، التى قد تتجه إلى زيادة اللا مساواة، وأنه من أهم أدوات الدولة فى هذه المهمة السياسة الضريبية، فلابد من إصلاح الهيكل الضريبى القائم الآن، بما لا يخل بنظام الحوافز للقطاع الخاص، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية الحالية من حيث الشمول والاستمرارية.

وجهان لعملة واحدة

تأتى أهمية مكانة الاقتصاد فى الحوار الوطنى، فى رأي عمرو المنير، نائب وزير المالية للسياسات المالية السابق، من منطلق أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، وأن كلاهما يكمل الآخر، وأن الاقتصاد هو الأساس الآن خاصة فى ظل الأزمة العالمية الحالية، وأنه على القائمين على الحوار الوطنى أن يجعلوا من قضايا الاقتصاد أساس للحوار، حتى ينجحوا فى الوصول إلى رؤى وأطروحات تقدم حلول للأزمات التى يعانيها الاقتصاد الوطنى.

القضايا الاقتصادية الملحة، التى سيتم طرحها فى الحوار الوطنى السياسة المالية، التى تقوم الحكومة على تنفيذها الآونة الأخيرة، وما يرتبط بهذه السياسة من مشكلات اقتصادية جوهرية مثل عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري وزيادة معدلات الدين، وغيرها من المصطلحات ذات الصلة، التى ستطرح -بالتأكيد- فى الحوار الوطنى.

وكان المحور الاقتصادي لنقاشات تحالف الأحزاب، الذى عقد اجتماعا -قبل أيام- حضره عدد كبير من خبراء الاقتصاد ومنهم المنير، الذي قال: تضمنت نقاشات تحالف الأحزاب السياسية النظر فى قضية إيرادات الدولة، التي تشكل 75% منها الضرائب، والسعى للإجابة عن أسئلة جوهرية مثل: ما الطريقة المثلى لتخفيض عجز الموازنة؟، وهل السياسات المالية الحالية تشجع على الاستثمار؟، وهل تحقق الضريبة التصاعدية العدالة الاجتماعية؟، وهل هذه الضريبة مطبقة حاليا؟، وما أسباب التضخم؟، وكيف يمكن مواجهته؟