رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

“القطار الرصاصة”.. أبطال «فالصو» في لعبة القوة

298

هذا الفيلم يعرف صناعه طريقهم تماما، درسوا أفلام الحركة، وسينما العصابات بأنواعها، ولديهم خيال خصب وثري، مقتبس من رواية لمؤلف ياياني، وعرفوا بالضبط معنى فيلم المحاكاة الساخرة، الذي يسخر، بشتى الطرق والوسائل، من نوع سينمائي محدد، كما أن لديهم شخصيات طريفة حقا وكاريكاتورية، نجحوا في تضفير حكاياتها معا، داخل قطار سريع كالرصاصة.

محمود عبد الشكور

أتحدث عن فيلم “القطار الرصاصة”، الذي يضم حشدا من الممثلين، على رأسهم براد بيت، وتظهر ساندرا بولوك كضيفة شرف فى نهاية الفيلم، الفيلم الذي أخرجه ديفيد ليتش، محاكاة ساخرة (بارودي) لأفلام العصابات بأنواعها، على الطريقة الأمريكية واليابانية والمكسيكية، والعمل مقتبس من رواية تأليف كوتارو إيزاكا، ورغم هذه المواقف التي تصل إلى حدود المسخرة، فإن الفيلم الذي يتجاوز الساعتين، لديه أيضا أفكار جديرة بالتأمل، أبرزها دور القدر المحوري فى تحديد مصائر أبطاله، القدر هو بطل الفيلم الأساسي الذي جمع شخصياته فى قطار سريع منطلق، والقطار نفسه يتجه إلى قدر محتوم، وبينما يتصور كل فرد فى الفيلم أنه يدير معركته الخاصة، نكتشف أن كل واحد منهم جزء فى لعبة لا يمتلك مفاتيحها، وأنه ترس فى ماكينة عملاقة، وكل حكاية تبدو كنهاية لحكاية سابقة، ولكنها بداية أيضا لحكاية أخرى، والبناء والشخصيات يشبهان حكايات الكوميكس، والعصابات والمطاردات على حدود الواقع والخيال معا، وبطريقة تذكرنا على نحو ما بطريقة كونتين تارنتينو العبثية المدهشة.

نحن أيضا أمام أبطال من حيث الشكل، ولكنهم نقيض البطولة على طول الخط، أي أننا أمام سخرية لامعة من فكرة البطولة أيضا، بالإضافة إلى فكرة الحظ السعيد والحظ السيئ، التي تبدو نسبية تماما، وتظهر فى الفيلم متغيرة حسبما تراها من وجهة نظرك.

سيناريو الفيلم مركب من عدة حكايات متداخلة، نتعرف على أبطال قصص مختلفة، وكل حكاية تأخذ الحبكة إلى مستوى آخر، والسرد فيه شكل الحدوتة، مع كتابة اسم الشخصيات الهامة التي تدير الحواديت على الشاشة، ومنذ البداية، التي يظهر فيها برنامج كارتوني للأطفال اسمه “توماس القطار”، يتحدد قانون الفيلم، الذي ينقل عالم حكايات الأطفال، وخياله، وشخصياته الظريفة، إلى دنيا العصابات.

ستتكرر على مدار الفيلم الإشارات إلى شخصيات البرنامج الكارتوني، بل وستبدو شخصيات الفيلم مثل الشخصيات الكارتونية، وكأنها أصيبت بعدوى برامج الأطفال، أو لعلها امتداد لها.

محور السرد كله هو الشخصية التي يلعبها براد بيت، والتي يطلق عليها اسم “الدعسوقة”، وهي حشرة تنتمي إلى فصيلة الخنافس، ولكنها جميلة الشكل، وعلى ظهرها نقاط حمراء وسوداء، لا تضر هذه الحشرة أبدا، بل ويعتبرها الكثيرون وسيلة لجلب الحظ السعيد، والشخصية فى الفيلم طريفة حقا، فهي شخصية منحوسة، وتبدو طيبة لا تضر، ومع ذلك تحدث الكوارث فى كل مكان تحل فيه، وهي لا تحمل سلاحا، ولكنها تكلف بمهمة بسيطة: ركوب القطار الرصاصة فى اليابان، وسرقة شنطة على مقبضها صورة لقطار، والنزول بالشنطة فى محطة معينة، ولكن رغم حصول الدعسوقة على الشنطة بسهولة، إلا أن ذلك يكون بداية لصراع عنيف للغاية داخل القطار، بين أشكال من البشر، الذين يأخذوننا إلى عالم العصابات.

يتحدد الصراع بالأساس بين جميع الشخصيات من ناحية، وبين زعيم عصابة يطلقون عليه “الموت الأبيض”، وهو رجل روسي استولى على عصابة يابانية (!!)،  بعد أن قام بتصفية قائدها، وبينما تتوالى الجثث، ومشاهد العنف داخل القطار، فإن الدعسوقة يبدو مندهشا مما يجري، فهو مجرد لص شنط سيئ الحظ، وكل أحلامه أن يذهب إلى معبد للتأمل، ولكنه مكلف من خلال صوت نسائي يتابعه بالتعليمات، بإكمال المهمة حتى نهايتها، ومع كل خطوة يخطوها توجد حكاية وجثة وكارثة، حتى يكتمل الأمر فى النهاية بمواجهة “الموت الأبيض”.

يحقق السيناريو جاذبيته وتشويقه بعدة أشكال أولها الشخصيات الطريفة ذات الأسماء الغريبة، فهناك مثلا فتاة اسمها “البرنس”، سنكتشف سرها فى النهاية، وهي عنيفة للغاية، ولكنها ترتدي ملابس طالبة ثانوي، وهناك الثنائي ليمون ويوسفي، وهما مخبران مكلفان بمهمة من الموت الأبيض لاستعادة ابنه المخطوف، واستعادة أموال الفدية التي دفعت فيه، ويفترض أن ليمون ويوسفي من البلهاء، أحدهما أسود والثاني أبيض، تربيا معا، والبعض يسميهما التوأم، وهناك شخصية زعيم العصابة المكسيكي الشاب، الذي يقتل مبكرا، ولكنه يظل جثة جالسة فى القطار.

تتوالى مشاهد عودة للوراء، ولقطات قصيرة ذكية، مع استخدام كوميدي لأغنيات وموسيقى مشهورة، وإحالات متنوعة لقصص الأطفال، وحكايات المانجا، وأفلام العصابات، بل إن تكليف الدعسوقة بالمهمة، يذكرنا بتكليفات فريق “مهمة مستحيلة”، سواء فى نسخته التليفزيونية، أو السينمائية.

لا يتوقف الصراع بين الأطراف، مع استهلاك لعبة النزول لمدة دقيقة إلى رصيف المحطات، ثم العودة سريعا إلى القطار، الذي يبدو خاويا إلا من شخصيات الفيلم، وبعض الركاب القلائل، فقد حجز “الموت الأبيض” كل التذاكر، وكأنه حجز مصير القطار إلى المحطة النهائية.

وبينما نفذت كل مشاهد الحركة بإتقان، فإننا لم نفقد الإحساس بأننا أمام كوميكس سينمائي،  فقد تعمد المخرج اختيار زوايا غريبة، وقلب الكادر، والاستخدام الجيد لقطعات المونتاج السريعة، مع انقلاب الأمر من الجد الكامل، إلى الهزل الكامل، فى لحظة، مع وعي الممثلين جميعا بطبيعة حدود الأداء، فالشخصيات فيها لمسة كاريكاتورية، ولكنها لا يجب أن تبدو واعية بأنها مضحكة، إنها شخصيات لا تدرك غباءها.

ربما يستثنى من طريقة الأداء شخصية الجد الصيني، وابنه الشاب، فقد كانا جادين أكثر مما يحتمل الجو العام، وكأنهما خرجا فعلا من فيلم عصابات، بينما نحن فى محاكاة ساخرة لهذه الأفلام، وكذلك شخصية “الموت الأبيض”، التي كانت تستحق أيضا لمسة عبثية ساخرة، ولكن طبيعة الأداء عموما جيدة ومتسقة مع جو الفيلم وقانونه، وخصوصا أن شخصية “الدعسوقة”، بلمسات براد بيت الكوميدية، كانت تعيد الفيلم إلى مساره الساخر، خاصة عندما تحاول الشخصية أن تفلسف الأمور، أو تنصح الجميع بالحكمة، فى ظل هذه الفوضى المجنونة، ومن أفضل شخصيات الفيلم التي حافظت على هذه الروح الساخرة، الثنائي ليمون (برايان تيري هنري)، ويوسفي (آرون تيلور جونسون)، فى حواراتهما وتصرفاتهما الغبية، وفي علاقتهما الإنسانية العجيبة.

لعلها فى النهاية حكاية عن عبثية العنف والقوة، التي تقود قطار الحياة إلى التحطم، فلا أحد ينتصر، رغم أن كل واحد يظن أنه الفائز، ولعل المعنى أنه لا توجد بطولة، رغم أن الجميع يظهرون كأبطال، فالكل لعبة فى يد الأقدار، سواء من يقولون أنهم أصحاب الحظ السيئ أو أولئك الذين يزعمون أنهم من السعداء.