رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

«السوشيال ميديا» تقود أكبر عملية تقسيم للدول

237

حالة من النشاط المتسارع تشهدها ساحات الفضاء الأزرق، لتنتقل سريعًا آثارها إلى دواوين الدول ويتأثر بها المزاج الشعبى العام.

ففى ديسمبر عام 2021 قامت وحدة الأبحاث التابعة للأمانة العامة للبرلمان الأوروبى ببروكسل بعمل دراسة بعنوان «مخاطر السوشيال ميديا على الديمقراطية»، وانتهت الدراسة المكونة من 44 صفحة إلى أن السوشيال ميديا باتت خطرًا يهدد قرارات الدول، وحذر التقرير من المعلومات المضللة ودورها فى استهداف الشعوب.

فى أبريل الماضى وبالتحديد يوم 21 وخلال كلمة للرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما والتى استمرت لمدة ساعة فى مركز السياسة السيبرانية فى ستانفورد، حذر من خطورة مواقع التواصل الاجتماعى مؤكدًا أنها كانت إحدى أدوات التدخل الروسى فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

معتبرًا أن المعلومات المضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعى تمثل تهديدًا وجوديًا للمجتمعات.

بحسب دراسة نشرتها مجلة «KNOWLEDGE AT  WHARTON» الصادرة عن كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، فى أكتوبر 2014 تحت عنوان «كيف تؤدى وسائل التواصل الاجتماعى إلى عالم أقل استقرارًا»، ذكر Curtis Hougland كيرتس هوجلاند، الرئيس التنفيذى لشركة Attentionusa.com (وهى وكالة تسويق اجتماعى عالمية) أن مواقع التواصل الاجتماعى رغم الفوائد التى حققتها إلا أنها ساهمت بشكل كبير فى عدم استقرار العديد من الدول؛ خاصة التى وصلت إليها عناصر (داعش).

وأكد أنه فى القرن القادم قد تتسبب مواقع التواصل الاجتماعى فى تحويل الدول العظمى إلى نموذج البلقنة (التقسيم).

وهو ما أكدته مجلة «فورين بوليسي» فى خريطة رسمتها للعالم وفق نموذج البلقنة فى ظل وجود أكثر من 2 مليار مستخدم لمواقع التواصل الاجتماعى يوميًا.

إنها محاولة لاستغلال المعلومات الكاذبة للسيطرة على العقول مستغلة الميول لتصديق القصص المكررة.

(1)

إنها معركة المعلومات المتدفقة من كل حدب وصوب مستهدفة شعوبًا بعينها أو منطقة للتأثير فيها.

فقد تحول «تريند» جوجل إلى أكبر مكان لرسم السياسة التحريرية للعديد من وسائل الإعلام وبدون أن ندري، لنجد أنفسنا نلهث وراء التريند دون أن نبحث ولو للحظة من يقف وراء تلك المعلومة أو ذلك الخبر؟!

وتحولت الشعوب إلى أدوات لوسائل التواصل الاجتماعى تقذف بها فى الاتجاه الذى تستهدفه.

أما شركات المعلومات والسوشيال ميديا فتعمل على استغلال البيانات والمعلومات المتدفقة إليها يوميًا لخدمة من يدفع المقابل، فهناك أكثر من 900 مليار ميجا من المعلومات تتدفق يوميًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تستخدمها شبكات التواصل الاجتماعى وتعيدها وفق خريطة محددة.

إنها حرب المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي، التى تحولت من إحدى أدوات التواصل الاجتماعى البسيطة المستهدفة تواصل الأفراد عن بُعد وخلق مجتمعات افتراضية، إلى ما يشبه رجلاً ترك مسدسه الذى يحمى به منزله ويدافع به عن نفسه، ليلتقطه طفله فيطلق الرصاص إما على نفسه أو من حوله.

لقد باتت مواقع السوشيال ميديا تستهدف التأثير على العقل الباطن للمستخدم الذى يعد أذكى من العقل، بل يؤثر على قرارات الأخير.

فقواعد الحرب الجديدة عمدت إلى استخدام السوشيال ميديا ليس على مستوى الأفراد بل على مستوى الدول، لتشمل إنشاء كتائب إلكترونية تستهدف مسرح العمليات المحدد لها والتأثير على العقل الباطن لمستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى فيه.

ففى عام 2014 بدأت فيس بوك تسعى لتوسيع تأثير موقعها على الشعب الياباني، وعملت على مشروع تطوير استهدف تصدر الفيس بوك مواقع السوشيال ميديا الأكثر استخدامًا فى اليابان، وقد حدث بالفعل بعد تطوير عدد من الخدمات التى تتوافق مع متطلبات المواطن الياباني، الأمر لم يكن من قبيل تقديم خدمة للشعب اليابانى لكنه كان محاولة للوصول للعقل الباطن للشعب الذى يمتلك أكثر من 80 شبكة للتواصل الاجتماعي.

وقد نجحت إدارة الفيس بوك فى الوصول للهدف وكانت النتائج أن تشهد اليابان أكبر تظاهرة عام 2015 شارك فيها 130 ألفًا من المواطنين الرافضين لمشروعات القوانين التى تمكن الجيش اليابانى من القتال خارج الوطن.

وأكدت صحيفة جابان تايمز اليابانية، أن تلك التظاهرات، تعد الأكبر من نوعها فى تاريخ اليابان منذ عام 1960.

(ذكر المهندس أحمد جاب الله والمسئول عن تطوير برامج شركة فيس بوك فى شرق آسيا أنه تم تكليفه بتطوير الفيس بوك فى اليابان ليجعل اليابانيين أكثر استخدامًا له، وهو ما حدث بعد 6 أشهر من البدء فى المشروع لتصبح اليابان الدولة رقم 9 على مستوى العالم استخدامًا للفيس بوك)..

لقد غيّرت السوشيال ميديا شكل وديناميكية الحرب بحيث تستهدف العقول والقلوب.

فقد لعبت صفحات التواصل الاجتماعى دورًا محوريًا فى الخداع والتزييف فى الحروب التقليدية وهو ما شهدناه خلال الأزمة الروسية الأوكرانية.

فقبل إعلان الحرب كانت عملية تهيئة الأجواء لها والدفع باتجاهها قدمًا من خلال مواقع التواصل التى نشرت فى 2021 صورًا لجنود أوكرانيين وهم يصلّون أمام العذراء استعدادًا لمواجهة روسيا، وهى فى الحقيقة صورة التقطت قبل ذلك بأربع سنوات (2017) كما نشرت صورة أخرى للرئيس الأوكرانى بالزى العسكرى فى 2021 وهى فى الحقيقة صورة زائفة.

إنها عملية دفع الشعوب فى الاتجاه المحدد لها وهى لا تدرك خطورة استخدامها كأدوات للمعركة.

ولعل فضيحة «كامبريج أناليتيكا وبريكزيت» خير دليل على كيف يتم بيع معلومات المستخدمين لطرف ثالث من أجل توجيههم لأهداف سياسية أو تجارية.

إنها منظومة التحكم بالمحتوى الذى يصل للناس والمسمى بفقاعة الترشيح، بمعنى أن ما يصلنا من محتوى عبر شبكة الإنترنت قامت شبكات التواصل الاجتماعى وغيرها من المواقع الإلكترونية الأخرى بتوجيهه لنا اعتمادًا على نظام التوصية سالف الذكر.

وبهذا يقع المستخدم فى دائرة الأفكار المكررة ولا يقرأ أو يشاهد شيئًا لا يتناسب مع ذوقه أو ذوق الدائرة المحيطة به من أصدقاء.

(2)

خلال الأسابيع الماضية بدأت أكبر عملية ممنهجة فى المنطقة العربية مرة أخرى، واستهدفت كلاً من مصر والعراق وليبيا والمملكة العربية السعودية والأردن من خلال نشاط مكثف على مواقع التواصل الاجتماعي، لنشر الشائعات لخلق مزيد من الأزمات خاصة فى ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، ونشاط غير عادى لتجار الأزمات، بحثًا عن المزيد من المكاسب.

وما بين تجار الأزمات الباحثين عن مكاسب من جيوب البسطاء وتجار الأزمات الباحثين عن مكاسب على حساب الأوطان، تقف السوشيال ميديا لتصبح الأرض الخصبة لعمل هؤلاء جميعًا.

فقد شهدت السوشيال ميديا نشاطًا مكثفًا لعناصر الجماعة الإرهابية والمتعاطفين معها بحثا عن شيء واحد، وهو العودة إلى المشهد من جديد، وتناسى هؤلاء أن دماء الشهداء ووعى المصريين سيظل حائلاً دون حدوث ذلك.

ولم تجد قوى الشر أمامها من بُد سوى أن تنشر الشائعات حول الأوضاع الاقتصادية، وتجتزئ المعلومات من سياقها لمحاولة تشويه المشهد، أو العمل على التأثير فى العقل الباطن لمستخدمى السوشيال ميديا.

ورغم حرص الحكومة المصرية الدائم من خلال مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار على تفنيد تلك الشائعات والرد عليها،
إلا أن قوى الشر تواصل عملها ولا تتوقف.

هنا لا بد للمواطن أن يدرك حجم المعركة فلا ينقل إلا ما يتأكد له صحته، ولا يتداول المعلومات والأخبار إلا من مصادرها الصحيحة.

صحيح أن عملية تدقيق المعلومات تستنزف بعض الوقت، لكن القرارات التى تصدر من السوشيال ميديا أكثر خطرًا على الشعوب والدول، وهو ما يستوجب علينا مواجهته من خلال البحث عن الحقيقة.

لقد استطاعت السوشيال ميديا أن تقود قرارات الشعوب لتدفع بهم إلى الفوضى، وتدمير وحدة الوطن للعمل باتجاه النموذج المحدد (البلقنة) من خلال تأجيج الطائفية، والانقسامات للدفع بالدول باتجاه قرارات سطرتها السوشيال ميديا أولاً قبل أن تتخذها الدول.

إن ما حدث فى المنطقة العربية خلال عام 2011 ورغم ما وصلت إليه بعض الدول من عدم استقرار حتى الآن، لكنه لم يصل إلى الهدف المرجو منه (التقسيم) وهو ما يجعل السيناريو المحدد لا يزال قائمًا ومحاولات تأجيجه مستمرة.

فمن منا لا يشعر بأن تصفحه لشبكات التواصل الاجتماعى يقوم بتغيير مزاجه والتلاعب بأحاسيسه؟! تتقارب كثيرًا فكرة ترشيح محتوى محدد للمستخدم مع مبادئ أساليب الإقناع القسرى التى تحدّث عنها روبرت جاى ليفتون فى كتاباته، فإجراءات التلقين وطرق الإقناع والتلاعب بالمشاعر عبر نشر محتوى معين من زاوية واحدة يؤدى بالضرورة إلى إعادة تشكيل فكر المستخدم وفرض سطوة اجتماعية عليه.

 فلو دخلت فى نقاش مع أحدهم حول موضوع ربما يكون تافهًا كمباراة كرة قدم ترى تعصبًا غريبًا لم تكن لتعهده قبل سنوات، لا يوجد لهذا التعصب أى مبرر نفسى سوى تأثر المستخدمين بما يشاهدونه على مواقع التواصل الاجتماعى ووصولهم لمرحلة التخدير النفسى الذى يؤدى إلى التطرف الفكرى ورفض الآخر.

هذا التلاعب الخفى فى مشاعر الناس فرض هندسة اجتماعية جديدة، وجعلهم طوعًا لقرارات تملى عليهم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، ثم سرعان ما يحاولون نقلها من العالم الافتراضى إلى الواقع مهما كانت النتائج لوقوعهم تحت تأثير السوشيال ميديا.

الدكتور رضا حجازى

القرارات التى اتخذتها عقب تولى حقيبة التربية والتعليم، أسعدت جروبات «الماميز»، لكن الأهم أن تكون فى مصلحة المشروع القومى للتعليم، فكما ذكرتم من قبل أن المشروع مشروع دولة وليس مشروع شخص لذا ليس من حق أحد أن يتراجع عنه.

هناك نقاط ضعف كانت موجودة خلال الفترة الماضية، لكنها لم تكن بالمشروع بل كانت فى عناصر تنفيذه والتحديات والمعوقات المصطنعة لإعادة عجلة الزمن إلى الخلف وأظن أنكم تعلمونها جيدًا.

أتمنى ألا نستجيب لضغوط تجعلنا ننسف ما أنجزناه فى الفترة الماضية.