رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

أو ليتنى كنت جسرًا حينما عبروا

254

بقلم د. سهام عزالدين جبريل

نصف قرن على معركة العبور العظيم ومازالت أصداء هذه المعركة حية فى الوجدان المصرى تتناقل حكاياها الأجيال فالأب الذى كان والده أحد أبطال العبور مازال يحكى لأبنائه وأحفاده قصص البطولات وملحمة العبور العظيم ويسرد النفاصيل والحكايات، التى عاشها أبوه البطل، الذى عبر مع فرقته القناة فى مشهد عظيم يوم ٦ أكتوبر ٧٣ العاشر من رمضان، حيث بدأت ساعة الصفر فى تمام الثانية وخمس دقائق لبدء الحرب فى هذا اليوم، بدأت مصر الحرب لاسترداد أراضيها كانت الحركة على الضفة الغربية للقناة من جبهة القتال تأخذ مسار جديد سيغير مجرى التاريخ وسرعان ما تتوالى الأحداث بسرعة مذهلة تبدأ خطة العمل التى عاشت مصر تحلم بها وقيادتها العسكرية تخطط لها بعد يونيو ٦٧.

خطة استعادة الأرض – أرض سيناء الحبيبة – وتطهير التراب الوطنى المقدس، يالها من ذكريات عظيمة مازال جيلنا يعيش لحظتها وكأنها اليوم، إنه تاريخ العبور العظيم والنصر المؤزر.

ومن هنا تبدأ الحكاية

بدأ التخطيط لعبور أكتوبر بعد أحداث حرب يونيو ٦٧، حيث احتلت إسرائيل سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية لنهر الأردن وهضبة الجولان السورية، كانت الصدمة قوية هزت المنطقة بأسرها.
ولكن استطاعت القيادة المصرية إعادة بناء قواتها المسلحة بسرعة فائقة، حيث خاضت مرحلة حرب الاستنزاف، التى كانت فرصة لاختبار قدرة العدو وبناء قدرات الجيش المصرى والتدريب والاستعداد لمعركة الكرامة.

التدريب والاستعداد لمعركة أكتوبر

استخدمت الذخيرة الحية فى التدريب، حيث كان التدريب والإعداد أحد المهام، التى أولتها القوات المسلحة اهتماما خاصا طوال السنوات التى سبقت معركة العبور وفى الفترة، التى سبقت المعركة وخلال شهر واحد تقريبا تضاعفت مهام التدريب، حيث تجاوزت كل الذخيرة التى استخدمت فى التدريب طوال السنوات العشر التى سبقت يونيو ٦٧، كما تقرر الاعتماد على المجندين من حملة المؤهلات العليا لتوفير أفراد قادرين على استيعاب المستوى التكنولوجى للأسلحة الحديثة‏، الذين حلوا محل طوابير الأميين فى جيش يونيو٦٧، هذا بالإضافة إلى تحديد واضح للمسئوليات وإسناد المهام والسلطات للكفاءات والتدريب وبناء وتنمية المهارات القتالية والقضاء على الأمية بين المجندين بعد أن أعيد تنظيم القوات المسلحة وفقا لفكر ومنهج علمى واستراتيجية للتعامل مع أسلوب المعركة المشتركة‏ وإعداد ‏أكثر من سيناريو لمواجهة الاحتمالات المختلفة للقوات المسلحة المصرية، الذى أعيد بناءها على أحدث الأسس العلمية والعسكرية المتطورة .

وفى المقابل، قام العدو بتدشين خط بارليف المحصن على الضفة الشرقية للقناة والمكون من عدة مستويات وخنادق ومخابئ وذخيرة وتم تغطية واجهته ببناء ساتر ترابى على الضفة الشرقية للقناة وكان التخطيط المصرى مقابل ذلك، حيث كانت مهمته الأولى تتلخص فى الآتي..

بناء حائط الصواريخ ضد التفوق الجوى الإسرائيلى

وتم بناء حائط من الصواريخ على امتداد الجبهة وفى العمق المصري، وتحملت جبهة القتال المصرية كل الضغوط الإسرائيلية حتى اكتمل إنشاؤه‏.‏ ‏
‏ ووفرت الحماية للقوات المهاجم على الجبهة المصرية وتمكين مد رؤوس الكبارى شرق القناة‏.
وفى نفس الوقت، زودت القيادة العامة القوات المهاجمة بجماعات مسلحة بصواريخ ستريللا المضادة للدبابات المحمولة على الكتف لحمايتها من الهجمات الجوية‏‏ وقد نجح هذا الأسلوب الجديد بصورة غير متوقعة.

الساتر الترابى

ومن جانبها أقامت إسرائيل ساترا ترابيا على الضفة الشرقية للقناة مباشرة، وشكل الساتر مكونا رئيسيا من مكونات خط بارليف الحصين وكان على الجيش المصرى مهمة إزالة هذا الساتر أو فتح ثغرات حتى يمكن إقامة الكبارى والمعديات على القناة وعبور الدبابات ومركبات القتال ويمكن تصور ضخامة هذه العملية إذا عرفنا أن ثغرة واحدة فى الساتر الترابى بعرض نحو ‏٧ أمتار تتطلب إزالة ‏١٥٠٠ متر مكعب من الأتربة‏، وتضمنت الخطة فتح ‏٨٥ ثغرة على طول القناة، أى إزالة ‏٥٠٠ و‏٢٧ مترا مكعبا من الأتربة‏.‏

واتجه التفكير إلى فتح الثغرات بواسطة التفجير سواء بالمدفعية أو بالمفرقعات أو بالصواريخ بكل أعيرتها‏، غير أنه لم تأت التجارب بالنتيجة المطلوبة‏.‏
وفجأة تبرز على السطح، فكرة استخدام الطلمبات المائية لتجريف الساتر الترابى وقد أخذت الفكرة من بناء السد العالى‏‏ وبالتجربة تتأكد القيادة العامة من نجاح الفكرة.

ويبدأ البحث عن طلمبات مناسبة، ‏ وبعد أكثر من‏٣٠٠ تجربة يتقرر الاعتماد على طلمبات توربينية ‏ وأصبح فى مقدور رجال سلاح المهندسين فتح الثغرة الواحدة فى مدة تتراوح بين ‏5:3 ساعات، وقامت القيادة العامة من استيراد هذه الطلمبات وأحاطت الأمر بسرية تامة إلى أن بدأ القتال.

مواجهة الدبابات الإسرائيلية

كانت الخطة تعتمد على اقتحام القناة ومهاجمة خط بارليف بقوات مشاة، وكان على هذه القوات خلال الساعات الأولى أن تواجه الهجمات المضادة للعدو، التى لن تتأخر كثيرا، ‏أى كان عليها أن تواجه هجمات العدو المدرعة‏ وخلال المواجهة بين المكشوف ‏(‏أى المشاة‏)‏ والدروع، وقد يكون النجاح من نصيب الدروع، فحين كانت الحسابات تقول إنه لو سار الأمر كذلك من المحتمل فشل الهجوم، وقد تتكبد القوات المهاجمة خسائر جسيمة فى الأرواح، ولذا فقد تقرر‏ تزويد القوات المهاجمة بأسلحة مضادة للدبابات، لاسيما الصواريخ الخفيفة من طراز مولتكه، التى يمكن حملها بواسطة الأفراد وذلك لصد هجمات العدو المضادة بواسطة مدرعاته‏.‏

وتم تجهيز مصاطب للدبابات المصرية غرب القناة وفوق الساتر الترابى المصري، حتى تتمكن نيرانها بالتعاون مع نيران المدفعية والمدافع والصواريخ المضادة للدبابات من منع دبابات العدو من التقدم فى اتجاه رءوس الكبارى ومنع إتمام عملية اقتحام القناة ومهمة اجتياح خط بارليف المنيع وكان الهدف أن يحول كل ذلك دون انهيار القوات المهاجمة طوال الوقت الذى يحتاجه المهندسون لإنشاء الكبارى فوق سطح القناة لتمكين القوات المدرعة والدبابات المصرية من الوصول إلى شرق القناة بأسرع وقت والاشتراك فى المعركة‏، وقد تمكنت القيادة العامة للقوات المسلحة‏ من وضع خطة عسكرية عبقرية ومبتكرة لاقتحام القناة واكتساح خط بارليف استنادا إلى فكر عسكرى مصري‏، وأتى نجاح التنفيذ تأكيدا لكفاءة كل من القائد والجندي‏.‏

ساعة الصفر

ففى الواحدة بعد ظهر السادس من أكتوبر ٧٣، دخل الرئيس الراحل أنور السادات مركز العمليات وعندما انطلقت الحرب من عقالها كان الرئيس السادات موجودا بمركز ‏١٠، مقر قيادة العمليات العسكرية وبجواره كل من وزير الحربية ورئيس الأركان ورئيس هيئة العمليات‏ وكان قادة الأفرع الرئيسية فى مقار قياداتهم‏، وفى الثانية وخمس دقائق انطلقت ٢٢٠ طائرة مقاتلة مصرية تعبر قناة السويس؛ لتدمر مراكز قيادة ومطارات إسرائيل فى سيناء، وفى نفس الوقت أطلق أكثر من ألفى مدفع حممه البركانية على قوات العدو المحتلة شرق القناة.. وعبرت قوات الجيش وتساقطت نقاط بارليف الحصينة. وفى الوقت المحدد نزل الجنود إلى المخابئ وأرتدوا زى وأدوات القتال. وفى الواحدة تماما جاء الرئيس أنور السادات، القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى مركز العمليات وقال لأفراد القوات المسلحة المكلفين بعملية الاقتحام شدوا حيلكم يا رجالة.. إن شاء الله منتصرين.. أنا متفاءل برمضان.. و أصدر المفتى فتوى بجواز الإفطار فى الحرب.. وأطلق المشير عبدالغنى الجمسى كلمته لجنوده ” لقد سبق السيف العزل” حتى وإن عرفت إسرائيل لن تستطيع فعل شيء.

الهجوم الجوى والبرى

وفى الثانية وخمس دقائق عبرت القوات الجوية بحوالى ٢٢٠ طائرة.. وكما صرح الجانب المصرى فقد عادت بخسائر أقل من ٥ طائرات.. وتشير التصريحات والمراجع أن الخسائر كانت ما بين ٥ و٢٠ % .. ومع عودتها انطلق حوالى ألفا مدفع؛ لتسقط نيرانها على مدفعيات العدو وقواته.. وفى نفس الوقت كان العبور بالقوارب المطاطية والخشب.. وتدفقت الموجة الأولى من القوارب بالعبور للضفة الأخرى من القناة تحمل أفرادا يملكون القدرات العالية للتوغل بين النقاط الحصينة وتدمير الدبابات.. لحماية قوات العبور الهجومية الأساسية من أى هجمات مضادة من قبل العدو وكان معهم أيضا مهندسون عسكريون.. شارك حوالى ألف قارب فى موجات عبور متلاحقة.. وخلال ٦ ساعات كان حوالى ٨٠ ألف مقاتل على الضفة الشرقية وتم الاستيلاء على ١٣ نقطة حصينة من ٣٥ نقطة تمر محاصرتها واستكمال تدميرها.. وكانت الثغرات تفتتح فى الساتر الترابى بمدافع المياه والكبارى تنصب فى أزمنة قياسية والدبابات والمدفعيات والعربات تبدأ فى الانتقال.. وقد كان التخطيط الجوى للحرب هو .. وضع ضربتين جويتين وليس ضربة واحدة.. فيتم إعادة تجهيز طائرات الضربة الأولى للقيام بالثانية والعودة أيضا.. ويتم ذلك قبل آخر ضوء.. وهو ما يكون بعد الغروب بنصف ساعة.. وحددت القوات الجوية أن الأمر يحتاج ٤ ساعات.. وآخر ضوء سيكون فى السادسة وخمس دقائق.. فكان قرار الثانية وخمس دقائق لبدء الحرب.. كانت الطائرات ليست متشابهة بل من أنواع مختلفة بعضها يحمل قنابل وأخرى صواريخ.. وثالثة غير ذلك.. وتخرج من مطارات مختلفة فى العمق وفى الصعيد وغير ذلك.. ولها سرعات مختلفة ويجب أن تكون فى توقيت واحد تعبر من ممرات معينة وتقذف الأهداف المحددة لها ثم تعود.

مشهد عبور فرق الجيش

عبرت الـ خمس فرق من الجيش المصرى مدعمة لقناة السويس وتدمير خط بارليف وإقامة رؤوس كبارى على الضفة الشرقية للقناة بعمق ما بين ١٢ و ١٥ كيلو مترًا وبعد ٤ أيام من الهجوم تم تطوير الهجوم والاستيلاء على منطقة المضايق.. ثم توقف الجيش عن استمرار الهجوم لتحرير باقى الأرض استمرت الحرب من السادس من أكتوبر وحتى وقف إطلاق النار لمدة ٢٨ يوما هكذا كان الانتصار وهكذا كانت اللحظات والأيام الحاسمة من تاريخ الوطن فكانت القلوب تهفو فرحا والارواح متعلقة عيونها شاخصة على أرض سينا المباركة مسرح تلك الأحداث العظام ، فأبدا لن تكونى سيناء مزرعة للأغراب، وأنت الأرض المباركة، وهذا ما ترجمته كلمات الشاعر اليمنى عبدالعزيز المقالح فى قصيدته الرائعة (العبور)، وهذه بعضا منها:

ظنوكِ -سينـاء- للأغرابِ مزرعـةً
وفى رمـــالك يزكو المـــــــاء والثمرُ
تسللوا عبـــر ليلٍ لا نجـــومَ بـــه
وأصبحوا وهم السمــــــــــار والسمرُ
لكنهم حصدوا موتـًا وعاصفـــــةً
وفوقهم تقصـفُ الأشجـــــــار والمطرُ
تقهقروا خلفهم رعبـــًــا بلا أمــل
وقيل لــــن يقهروا يومًا وقــــد قُهروا
تساقطوا كفراشـــــاتٍ ملوثـــــةٍ
فى الرمل واحترقوا فى النار أو أُسروا
يا عابر البحر ما أبقى العبور لنا
وما عسى تصنع الأشعــــــار والصورُ
أبطالنـــا عبروا مـــأســـاة أمتهم
ونحـــــن فى كفـــنِ الألفــــاظ نحتضرُ
تقدموا عبر ليلِ الموتِ ضــــاحكةً
وجوههم، وخطـــــوط النـــــار تستعرُ
وأشعلوا فى الدجى أعمارهم لهباً
للنصر واحترقــــوا فيــــــه لينتصروا
عبورهم أذهل الدنيــــا ومــوقفهم
تسمَّــــــــرتْ عنده الأقــــــلام والسِيَرُ
وددتٌ لو كنتٌ يومــاً فى مواكبهم
أو ليتنى كنــــت جسراً حينمـــا عبروا
حقا ليتنى كنت جسرا حين عبروا هذا ما تمناه كل مصرى بل وكل عربى فى هذه اللحظات خالص تحياتى / سهام عزالدين جبريل