رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

.. وهن أيضاً صنعن القوة والثورة

1439

..«صرف الهمة فى تعليم البنات والصبيان معا لحُسن معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك فإن هذا مما يزيدهن أدبا وعقلا ويجعلهن بالمعارف أهلاً ويُصلحهن لمشاركة الرجال فى الكلام والرأى فيعظمن فى قلوبهم ويعظُم مقامهن»، لم تكن تلك نصوصا فى أدبيات محرر المرأة قاسم أمين كما فى مؤلفاته تحرير المرأة والمرأة الجديدة، إنما من متون الشيخ الأزهرى رفاعة رافع ابن طهطا قلب الصعيد والذى كرمه محمد على لمشاركاته الإيجابية فى حركة التنوير فهو لم يكتف بإمامة البعثات العلمية فى باريس بل أيضا نحت له دربًا تنويريًا فى نقل علوم أوروبا لمصر عبر الترجمات فتقلد رتبة الصاغ (الرائد) من والى مصر تشريفًا لقدره ووفاء لدوره,ونعود له إذ يسطر فى كتابه(المرشد الأمين فى تعليم البنات والبنين): «أن التعليم يمكن المرأة عند اقتضاء الحال،أن تتعاطى من الأشغال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها» هكذا بدأت مصر الجديدة خطواتها لتحدى العالم بجملة استراتيجيات منها الإهتمام بالمرأة التى أساءت إليها حضارات كثيرة بتعاقب الأزمنة سواء كانت عقائدية ترى حراماً فى تنشئة دينية للمرأة,أو سلطوية ذكورية تنظر لها على أنها وعاء ناقل للأنساب وكفى,والغريب وجود صفحات ظلامية طويلة فى تاريخ إمارات ودول وممالك وإمبراطوريات تدعى الأن الحرية وتتعالى علينا وتتغافل معاملاتها الشهوانية للمرأة كمخلوق للمتعة منعدمة الحقوق الإنسانية حتى تحررت مع ثورات عدة منها السياسية والإجتماعية كالفرنسية والإقتصادية كالبلشفية والدينية كالإصلاح الدينى،أنما السيدة المصرية كانت منذ فجر الضمير الإنسانى متقاسمة مناحى الحياة مع شريكها,ويكفى الإشارة إلى جدران التاريخ التى نحتت الفارسة المصرية كمقاتلة بعد أن أكلت الة الحرب فى سيناء زوجها سقنن رع ووليدها البكر كاموس،فعزمت على تقديم صغيرها أحمس ابن العشرة سنوات لقتال الهكسوس المحتلين لشمال شرق البلاد(سيناء) وخرجت مع شعبها توصى وليدها الفارس الصغير بوصية توارثتها أمهات مصر: «لا تعود من سيناء إلا منتصرًا»وطورت أسلحة الجيش وحدثت عرباته ودربت قواته ولم تكتفى بالنصح بل خرجت مع صغيرها الملك لطرد الهكسوس وعادت بأكاليل النصر، ولم تكن حتشبسوت جميلة الجميلات معتزة بفتنتها الساحرة قدر ما كانت تقود مصر إلى ماوراء الحدود البرية حتى بلاد بنت (الصومال) وأرسلت أساطيلها إلى الأطلنطى لتقوى إقتصاد شعبها وزادتنا من المسئولية بيتًا أن ظهرت نقوشها على معبدها مرتدية زى الرجال رغم جمالها الصارخ إلا إنها كانت سيدة تدير دولة بحجم مصر!
وتمر السنون والمصرية كما هى رائدة فى مجالات الحياة متفوقة على نظيرتها فى الأمم والشعوب الأخرى،ويلحظ الراصد لتاريخ مصر أنه كلما خطت مصر خطواتها للحداثة كانت المرأة شريكة فى صنع تلك القوة للوطن,ففى مصر محمد على 1832 تم إنشاء مدرسة المُولدات لتخريج من لديهن القدرة على تقديم الخدمات الطبية،وتلتها مدرسة حكومية أخرى هى مدرسة السيوفية للبنات التى تم إنشاؤها 1873 بمساعدة مالية حاسمة من زوجة الخديو إسماعيل وتغير اسمها إلى السنية للبنات والتى أزهرت باحثة البادية ملك حفنى ناصف ابنة الفيوم كأول فتاة تحصل على الشهادتين الإبتدائية والمعلمات وعلى الرغم من أن الموت قد اقتطف تلك الزهرة اليافعة مبكرًا إلا أنها لم تنه الثلاثة والثلاثين عامًا هباءً بل فى إلقاء الخطب والمحاضرات التوعوية لحتمية تعليم المرأة ومشاركتها فى الحياة السياسية وكانت تجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية وتعرف شيئا من اللغات الأخرى،والمناضلة نبوية موسى أول طالبة تحصل على الثانوية العامة وتعمل كمعلمة فى مدرسة عباس الإبتدائية وهى الأخرى ناضلت من أجل تعليم المرأة وحصولها على فرصة العمل كالرجال تمامًا وألفت فى ذلك كتابها الأشهر(المرأة والعمل) ولم تستمر طويلًا فى العمل الحكومى لطردها من نظارة المعارف بسبب دعاويها المتلاحقة بتمصير التعليم ورفض فرنجته على يد الإنجليز(ليتها كانت بيننا الأن)!
سيدات الوطن كثيرات بدءًا من الراعية أوالحاضنة لهن السيدة هدى شعراوى صاحبة أول إتحاد نسائى فى مصر ومجلة (المصرية) وتوفيت هدى شعراوى يوم 13 ديسمبر 1947 بعد أسبوعين من إرسالها خطابا شديد اللهجة للاحتجاج إلى الأمم المتحدة بعد صدور قرار تقسيم فلسطين من قبل الأمم المتحدة وتركت مؤلفًا رصينًا (عصر الحريم), والجميلة سيزا نبراوى التى قاضت رئيس جامعة فؤاد لمنعها من التدريس بدعوى باطلة أنها فائقة الحسن ! والعقلية الرائعة الدكتورة لطيفة الزيات والدكتورة سهير القلماوى التى كانت أول من حصلت على درجة الدكتوراة فى الآداب وعالمة الذرة سميرة موسى إبنة قرية سنبو الكبرى مركز زفتى وهى أول عالمة ذرة مصرية وأول معيدة في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول ولقبت باسم (ميس كورى الشرق) وذلك بفضل جهود دكتور مصطفي مشرفة الذى دافع عن تعيينها بشدة وتجاهل احتجاجات الأساتذة الأجانب (الإنجليز) وحصلت على شهادة الماجستير في موضوع التواصل الحرارى للغازات وسافرت في بعثة إلى بريطانيا درست فيها الإشعاع النووى ونالت الدكتوراة فى الأشعة السينية وتأثيرها على المواد المختلفة وكانت تأمل أن يكون لمصر مكان وسط هذا التقدم العلمى الكبير، حيث كانت تؤمن بأن ملكية السلاح النووى يسهم في تحقيق السلام ولفت انتباهها الإهتمام المبكر من إسرائيل بإمتلاك أسلحة الدمار الشامل، وإلى مجالات مغايرة كانت فيها السيدة المصرية رائدة كالتشكيلية المبدعة إنجى أفلاطون والنقابيتان أمينة شفيق وعايدة فهمى والمناضلة الأشهر فى ريف مصر شاهندة مقلد،والصحفيات الواعيات أمينة السعيد وفاطمة اليوسف ودرية شفيق صديقة زوجات الملوك والرؤساء صاحبة المطالب الدستورية بالمساواة، والمفكرة الإسلامية المستنيرة عائشة عبد الرحمن، والسياسية المحنكة استر ويصا المناضلة من أجل الاستقلال، والسيدات المجاهدات فهيمة الهرش التى حملت اللاسلكى للتنصت بين الجنود الإسرائيليين ورصدت أماكنهم وأبلغت أجهزة الإستخبارات المصرية وكانت تنقل البضائع والمؤن للقوات المصرية في الصحراء، ووداد حجاب التى سطرت آية من آيات خلود المرأة المصرية وضربت مثالاً بارعًا فى المكر والدهاء لمقاومة العدو الإسرائيلى بسيناء ليس فى ملابس المقاتلين وبحمل السلاح ولكن فى زى ملائكة الرحمة تحمل الشاش والقطن، وأيضًا رسائل المجاهدين المسربة إلى المخابرات المصرية وكانت الوحيدة على رأس مائة رجل قامت بواجب العزاء لأسرة الراحل الزعيم ناصر، وفرحانة حسين التى شاركت فى حرمان العدو من إمدادات السلاح والذخيرة بتفجير قطار العريش، ومرزوقة التى طرزت مواقع العدو على جلبابها كخريطة دقيقة توشى بتجمعات العدو وتجهيزاته، ولم يتخذن سلاح الإغواء المتدنى كما استعملته الكثيرات من الحضارات الأخرى تجاه قادة الإحتلال والمغيرين على شعوبهن وتتداوال السير الشعبية بطولاتهن !
وسيذكر التاريخ المحاربات زوجات وأمهات وأخوات وبنات الشهداء الرفاعى وعبد التواب وأحمد حمدى وشفيق مترى والمنسى وهارون وغيرهم كثيرين وغيرهن كثيرات، ولم أشأ الحديث عن نجمات فى تاريخ الوطن لأنهن غير مصريات الجنسية إنما بالتنشئة والهوى كالشاميات آسيا رائدة الإنتاج الفنى ومى زيادة رائدة التنوير ومن قبلهن شجر الدرّ أو شجرة الدّر الملقبة بعصمة الدين أم خليل الخوارزمية الأصل أو أرمينية وبعدهن كثيرات، إذا أردنا لمصر الجديدة الإنتصار فى تحدى الوجود، وإذا كانت المرأة فى أدبيات الحضارات المجاورة – زمانًا ومكانًا-عبئًا دينيًا وإقتصاديًا وأخلاقيًا فهى فى مصر إحدى أهم قواها الناعمة الواجب الإهتمام بها لتذخير سلاح لايرد سهمه، وهى الثائرة دائمًا من أجل وطنها، وهى إحدى أهم الحلقات الواجب إكتمالها فى منظومة بناء الإنسان (أولاً).