رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

بكاء وصلاة وانتظار فى مدن عمها الحزن والخراب قصص إنسانية مؤثرة تحت ركام زلزال تركيا وسوريا

438

بعيدًا عن الأرقام الرسمية لضحايا الزلزال المدمر الذى ضرب تركيا وسوريا، وجهود الإنقاذ والمساعدات التى تتسابق دول العالم لتقديمها، تظل المشاهد الإنسانية القادمة من مناطق الزلزال الأكثر تعبيرًا عن حجم المأساة التى تعيشها الدولتان، فالآلاف مازالوا قابعين تحت الأنقاض يتمنى ذووهم أن يكونوا على قيد الحياة، ويواصل رجال الإغاثة سباقهم مع الزمن لمحاولة إنقاذ أى أرواح جديدة.

سباق من نوع آخر يجرى بين وسائل الإعلام العالمية لنشر الصور والفيديوهات التى تتضمن مشاهد مؤثرة أثارت تعاطف العالم، ففى منطقة جنديرس على الجانب السورى، اُنتشلت رضيعة حديثة الولادة من تحت الأنقاض، وكانت هذه الطفلة الصغيرة لا تزال متصلة بالحبل السرى بوالدتها التى لقيت مصرعها مع جميع أفراد الأسرة الآخرين، وقال خليل سوادى أحد أفراد الأسرة لوكالة «فرانس برس»: «سمعنا صوتا بينما كنا نحفر.. وجدنا هذه الطفلة الصغيرة التى نقلت إلى المستشفى وحالتها مستقرة».

روضة فؤاد

كما رصدت الكاميرات لقطة إنسانية أخرى لمواطن تركى يسعى لمساعدة مواطنيه الناجين من الزلزال عبر إنزال زجاجة مياه مربوطة بخيط لمحاصَرين تحت الأنقاض التى خلَّفها الزلزال المدمر، وأظهر مقطع الفيديو رجلًا وهو يربط خيطًا فى زجاجة ماء، قبل أن ينزلها بين الأنقاض فى مدينة هاتاى جنوب تركيا، لمساعدة الناجين الذين ما زالوا محاصرين تحت الأنقاض.

وأظهرت الصور القادمة من منطقة الزلزال المنكوبة، صورة لسيدتين تتعانقان وسط مظاهر الخراب والأنقاض بدموع جاءت بين الحزن والفجيعة من الكارثة والفرحة باللقاء والنجاة، وفى صورة أخرى بدا على منقذى فتاة صغيرة أُخرجت من تحت الأنقاض التأثر البالغ.

كما ظهر الشيف التركى بوراك، فى فيديو وهو يبكى بشدة مناشدًا مساعدة المتضررين، قائلاً: «أرجوكم ساعدوا الجميع.. هناك أشخاص لا يزالون تحت الأنقاض، والوضع سيئ للغاية، الكثير من رسائل الاستغاثة تأتى ولا يمكننا فعل شىء.. أرجوكم ساعدوهم إذا كان بإمكانكم المساعدة».

وقد تناولت الصحف العالمية تلك المشاهد المؤلمة بالتفاصيل، ومن بينها صحيفة «الجارديان» البريطانية، التى نشرت تقريرًا بعنوان «صورة رجل تركى يمسك بيد ابنته بعد وفاتها توضح عمق مأساة الزلزال»، حيث ذكر كاتب التقرير أن مقاطع الفيديو والصور التى تعكس الدمار صادمة ومؤثرة، مضيفًا أن بعض الصور توضح مدى المعاناة، ومن بينها صورة من منطقة كهرمان مرعش التركية، مركز الزلزال، يظهر فيها رجل يمسك بيد ابنته الصغيرة المتوفاه بينما يحاول رجال الإنقاذ والمدنيون البحث وسط أنقاض المبنى المدمر.

وأشارت الصحيفة إلى أن المواطن التركى «مسعود هانسر»، جلس بين الأنقاض ممسكًا بابنته «إرمك» البالغة من العمر 15 عامًا، وهى مستلقية على فراشها تحت ألواح من الخرسانة والنوافذ المحطمة والطوب المكسور الذى كان يومًا شققًا، وبالقرب من الأب وابنته، يحاول رجل بمطرقة ثقيلة شق طريقه عبر الأنقاض.

وذكرت الصحيفة البريطانية أن قوة هذا الزلزال 7.8 درجة على مقياس ريختر للزلازل، وضرب المنطقة فى الساعة 4:17 صباحا بالتوقيت المحلى يوم الاثنين 6 فبراير، وكان مركزه يقع على بعد 17.9 كيلومترا تحت سطح الأرض بالقرب من مدينة غازى عنتاب التركية، وبعد 12 ساعة من الزلزال الأول، ضرب زلزال آخر شمالى مدينة غازى عنتاب، بنفس الشدة تقريبا.

وقال كاتب التقرير، على الجانب الآخر من الحدود، وصفت وكالة «أسوشيتد برس» مشهد رجل سورى يحمل فتاة ميتة بين ذراعيه، وهو يبتعد عن حطام مبنى من طابقين، مضيفًا أن الرجل وضع هو وامرأة الفتاة على الأرض تحت غطاء لحمايتها من المطر، ولفاها فى بطانية كبيرة قبل النظر إلى المبنى.

وأشارت الصحيفة إلى أن جهود الإنقاذ تعرقلت بسبب استمرار عشرات الهزات الارتدادية والطقس الشتوى القارس البرودة والأضرار التى لحقت بالطرق المؤدية إلى المناطق المتضررة ومنها.

وفى نفس السياق، قالت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية فى تقرير بعنوان «بكاء وصلاة وانتظار فى مدينة يعمها الحزن»، أن عمال الإغاثة كانوا يواصلون جهودهم على مدار الساعة فى شارع جانبى لمدينة شانلى أورفا التركية عندما خيم صمت مفاجئ، وتوقفت المعدات عن العمل، ثم صرخ فريق الإنقاذ «هل يوجد أحد فى الأسفل هناك؟» وتصف أنهم وقفوا بدون حراك لدقيقة فى صمت، بحثا عن رد لسؤالهم. وعندما لم يتناه إلى مسامعهم أى رد، واصلوا العمل.

وقالت الصحيفة إن من بين أولئك الذين ما زالوا تحت أنقاض المبنى السكنى المنهار فى حى سكنى شهير بالمدينة مصطفى عباك، مدرب كرة القدم المحلى الشهير، وزوجته هاسر وابنهما أحمد البالغ من العمر ستة أعوام، مضيفة أنهم ثلاثة فقط من بين عشرات الآلاف الذين حوصروا فى الزلزال المروع، وقالت إن عائلة هاسر بقيت يساورها الأمل قبالة حطام المبنى، تبكى وتصلى وتنتظر، بعد أن عجزت عن الوصول إليهم عبر الهاتف.

وذكرت الصحيفة أن شانلى أورفا هى عاصمة واحدة من 10 ولايات فى تركيا ومحافظات أخرى فى سوريا تعرضت لأسوأ كارثة طبيعية شهدتها المنطقة منذ عقود، وكانت المدينة تُعرف سابقًا باسم أورفا، وقد أضيفت لها كلمة شانلى، أى المجيدة، بسبب مقاومة شعبها ضد القوات الفرنسية بعد الحرب العالمية الأولى.

وأضافت الصحيفة أن المجد الآن ليس ما يهيمن على الصورة، حيث تكافح العائلات للتعامل مع المأساة، وسط مشاعر تتراوح بين الحزن والغضب واليأس.

ونقلت الصحيفة عن «حاجى بولوت»، وهو متقاعد بعيون محتقنة بالدماء، بينما كان ينتظر أخبار ستة أقارب مفقودين، تتراوح أعمارهم بين 22 و 90 عاما، خارج مبنى سكنى آخر منهار: «أشعر أن هذا العالم لا معنى له»، مضيفًا «الآن آمل فقط أن يخرج نصفهم بأمان».

وقال مسئول محلى للصحيفة إنه بعد ساعات قليلة انتشل الستة من تحت الأنقاض وكانوا موتى.

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن عددًا لا يحصى من المبانى فى شانلى أورفا به تصدعات وشروخ أو أضرار أخرى مرئية، وفقدت العديد من مساجدها أجزاء من مآذنها، مضيفة أن المدينة تطغى عليها رائحة الغبار ودخان الحطب الذى تولد عن عشرات المواقد التى أشعلت فى الشوارع حتى تحصل فرق الإنقاذ والشرطة والعمال الآخرين على بعض الدفء.

وقالت الصحيفة إن معظم المحال أغلقت أبوابها أو دمرت وأصبحت الشوارع شبه مهجورة، حيث دفع الخوف من توابع الزلزال والمزيد من الانهيارات العديد من الناس لقضاء الليل فى سياراتهم على الرغم من البرودة الشديدة، مضيفة أن الكثير من السكان لجأوا إلى القرى المجاورة، حيث يمكنهم البقاء فى بيوت زراعية من طابق واحد أو طابقين بدلا من المبانى السكنية المكونة من العديد من الطوابق.

وبعيدًا عن تلك المشاهد، هناك عشرات المشاهد الأخرى لاتزال تتوالى، وتكشف عن آثار الدمار الهائل وسط توقعات متشائمة للغاية بشأن أعداد الضحايا، إذ حذرت منظمة الصحة العالمية من أن عدد الضحايا فى كارثة الزلزال قد يرتفع إلى ثمانية أضعاف.

وكان الزلزال الذى قدّرت شدته بـ 7.8 درجة، وصُنف على أنه «كبير»حسب المقياس الرسمى، كان مركزه قريباً من سطح الأرض نسبياً، على عمق حوالى 18 كيلومتر، مما تسبب فى أضرار جسيمة للمبانى على سطح الأرض.

وقد نقلت «بى بى سى» عن البروفيسورة جوانا فور ووكر، رئيسة معهد الحد من المخاطر والكوارث فى يونيفرسيتى كوليدج لندن قولها «من بين أكثر الزلازل فتكاً خلال الأعوام الماضية، كان اثنان فقط منها فى السنوات العشر الماضية بنفس الشدة، وأربعة فى السنوات العشر السابقة».

ولكن، ليست قوة الهزة فقط هى التى تسبب الدمار، إذ تقول الدكتورة كارمن سولانا، الأستاذة فى علم البراكين والتواصل بشأن المخاطر فى جامعة بورتسموث: «البنية التحتية المقاومة للأسف غير مكتملة فى جنوب تركيا، وفى سوريا، لذا فإن إنقاذ الأرواح يعتمد الآن فى الغالب على سلوك فرق الإنقاذ عقب وقوع الزلزال، وهذه منطقة لم يحدث فيها زلزال كبير أو تشهد هزات تحذيرية منذ أكثر من 200 عام، ولذلك فإن مستوى التأهب يتوقع أن يكون أقل من منطقة أكثر اعتياداً على التعامل مع الهزات الأرضية».

إذ كان مركز الزلزال على بعد 26 كيلومتراً تقريباً شرقى مدينة نورداى التركية وعلى عمق نحو 18 كيلومتراً عند فالق شرق الأناضول، وأطلق الزلزال موجات باتجاه الشمال الشرقى، مما تسبب فى حدوث دمار فى وسط تركيا وسوريا، وخلال القرن العشرين، لم يتسبب فالق شرق الأناضول فى نشاط زلزالى كبير.

وقال روجر موسون، وهو باحث فخرى فى هيئة المسح الجيولوجى البريطانية، لرويترز: «إذا تتبعنا الزلازل (الكبيرة) التى سجلتها مقاييس الزلازل، فلن نجد شيئاً يذكر».

ولم تسجل المنطقة سوى ثلاثة زلازل فقط بقوة ست درجات منذ عام 1970، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجى الأمريكية. لكن فى عام 1822، تعرضت المنطقة لزلزال بقوة سبع درجات، مما أدى إلى مقتل نحو 20 ألف شخص.

وقد بلغ متوسط الزلازل التى تتجاوز قوتها سبع درجات أقل من 20 زلزالاً على مر التاريخ، مما يجعل زلزال سوريا وتركيا حدثاً خطيراً، وبالمقارنة مع الزلزال الذى ضرب وسط إيطاليا فى عام 2016 بقوة 6.2 درجة وأودى بحياة نحو 300 شخص، فإن الطاقة المنبعثة عن الزلزال الذى ضرب تركيا وسوريا تزيد بمقدار 250 مرة عن زلزال إيطاليا، وفقاً لجوانا فور والكر رئيسة كلية لندن الجامعية للحد من المخاطر والكوارث.

ولم يسجل نفس قوة زلزال تركيا وسوريا سوى زلزالين فقط من أكثر الزلازل فتكاً فى الفترة من 2013 إلى 2022.

وقد تسببت الزلازل ذات الحجم المماثل فى المناطق المأهولة بالسكان فى مقتل الآلاف، وأودى زلزال نيبال الذى بلغت قوته 7.8 درجة فى عام 2015 بحياة ما يقرب من تسعة آلاف شخص.

وطبقًا للعديد من التقارير، فإن هناك عدة عوامل فاقمت حجم الكارثة فى تركيا وسوريا، منها التوقيت، إذ وقع هذا الزلزال فى الساعات الأولى من الصباح، عندما كان الناس نائمين فى منازلهم، وهناك عامل آخر يتعلق باالبرودة القاسية فى فصل الشتاء، حيث تشهد المنطقة التى ضربها الزلزال عاصفة ثلجية وأمطاراً غزيرة، وهو ما يؤثر على جهود إنقاذ العالقين تحت أنقاض المبانى المتهدمة، كما يعيق ضعف اتصالات الإنترنت والطرق المتضررة بين بعض المدن الأكثر تضرراً فى جنوب تركيا، حيث يقيم الملايين، جهود تقييم آثار الزلزال ومعالجتها.

ومن المتوقع أن تنخفض درجات الحرارة فى بعض المناطق إلى ما يقرب من درجة التجمد خلال الليل؛ مما يؤدى إلى تدهور ظروف المحاصرين تحت الأنقاض أو الذين تُركوا بلا مأوى.

وفى هذا السياق، قال روجر موسون، باحث فخرى فى هيئة المسح الجيولوجى البريطانية، لرويترز: «لن تكون الأمور جيدة، سيكون (الضحايا) بالآلاف وربما يصل عددهم إلى عشرات الألوف». وأضاف أن طقس الشتاء البارد يعنى أن المحاصرين تحت الأنقاض لديهم فرص أقل فى البقاء على قيد الحياة.