رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

«جيش العدل» وضعهما على حافة الحرب.. سيناريوهات التهدئة والتصعيد بين إيران وباكستان

1024

تساؤلات كثيرة تدور حول «جيش العدل» البلوشستاني، الذى تسبب فى تصعيد خطير بين إيران وباكستان، وكاد أن يشعل حربًا بين الدولتين خلال الأيام الماضية، فما الذى دفع إلى التصعيد المفاجئ بين الدولتين فى هذا التوقيت تحديدا، ولماذا قررت الدولتان تهدئة التوترات بعد القصف الصاروخى المتبادل بينهما؟..

أسئلة عديدة طرحتها وسائل الإعلام العالمية عقب التطورات التى وقعت مؤخرًا.

الأزمة بدأت عندما شنت إيران ضربات مباغتة على إقليم بلوشستان الباكستانى، ما أسفر عن مقتل طفلين وإصابة عدة أشخاص آخرين، وقالت وكالة تسنيم الإيرانية المقربة للنظام إن طهران استهدفت معاقل جماعة جيش العدل السنية المتشددة داخل الأراضى الباكستانية.

روضة فؤاد

لم يتأخر الرد الباكستانى، إذ قامت إسلام آباد بقصف مناطق فى إقليم سيستان وبلوشستان الإيرانى بالصواريخ، مما زاد الوضع تعقيدًا، خصوصا أن البلدين استخدما الذريعة نفسها للقصف المتبادل وهى «ملاحقة الجماعات الإرهابية المسلحة».

هذا التصعيد الخطير أعاد الحديث مؤخرًا عن منطقة بلوشستان، وجيش العدل الذى تستهدفه إيران فى باكستان.

تشكل بلوشستان منطقة مضطربة على الحدود الإيرانية الباكستانية، وتشهد صراعًا منذ سنوات بين القوات الأمنية وجماعات متشددة، وتُعد محافظة سيستان بلوشستان فى جنوب شرق إيران، وإقليم بلوشستان فى غرب باكستان، من أكثر المناطق فقرًا فى البلدين، وهما منطقتان شاسعتان تكافحان الجفاف باستمرار، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة فيهما.

تشكل بلوشستان موطنا لمجموعة البلوش الذين يُقدّر عددهم الإجمالى بعشرة ملايين نسمة، تعيش غالبيتهم فى باكستان، مع وجود عدة ملايين فى إيران وأقلية أصغر بكثير فى أفغانستان.

داخل هذه المنطقة ظهر «جيش العدل» البلوشستانى، وهو جماعة إيرانية معارضة، تأسست على أنقاض حركة «جند الله» البلوشية، عقب إعدام طهران زعيمها عبد المالك ريغى فى يونيو 2010، إذ جرى تشكيل جماعة جيش العدل بمبايعة عبد الرحيم ريغى شقيق عبد المالك ريغى نهاية عام 2012، وانضمت إليها خلال سنوات عدة جماعات مسلحة معارضة للنظام الإيرانى، وأكدت الجماعة الجديدة عقب تبنيها عمليات مسلحة عام 2012

أن هدفها الرئيسى هو النضال المسلح من أجل استعادة حقوق البلوش، وتحقيق المساواة فى حقوق أهل السنة مقارنة بالشيعة داخل إيران.

على الجانب الآخر من الحدود، تقاتل القوات الباكستانية منذ نحو عقدين أحدث تمرد انفصالى لمجموعة البلوش، أسفر عن مقتل المئات فى هجمات استهدفت قوات الأمن والموظفين الحكوميين والمدنيين من

غير البلوش.

وعودة إلى الأزمة بين إيران وباكستان، نجد أن العلاقات بين الدولتين شهدت تباينات كبيرة، كما ذكر تقرير لـ «بى بى سى»، ولكن تزايدت الخلافات بدءًا من حقبة التسعينيات، حيث اتهام إيران بدعم الطائفية وتمويل الشيعة فى باكستان، بينما اتهمت إيران باكستان بدعم حكومة طالبان السنية فى أفغانستان، كما أدى التعاون الإيرانى مع الهند، وتعاون باكستان مع الولايات المتحدة، إلى توسع الخلاف

بين البلدين.

وفى عام 2018، وقعت إيران اتفاقًا مع الهند لتسليمها إدارة ميناء شاباهار، الأمر الذى أثار حفيظة باكستان، ورغم كل هذه الخلافات، لم تتورط الدولتان فى مواجهات كبيرة فيما بينهما، ولم تستفز إحداهما الأخرى بشكل يمكن أن يؤثر على العلاقات الدبلوماسية بينهما، حتى حدث التصعيد الأخير الذى لم يستمر كثيرًا، حيث قررت باكستان إنهاء الأزمة مع إيران وإعادة العلاقات الدبلوماسية معها، كما اتفق البلدان على التهدئة.

سيناريوهات التصعيد ثم التهدئة بين الدولتين تناولته العديد من الصحف العالمية، فذكرت مجلة «نيوزويك» الأمريكية أن الهجوم الصاروخى الإيرانى على باكستان مثًل تطورًا هائلًا فى الاضطرابات التى عصفت بالشرق الأوسط، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ما يشير إلى وضع جيوسياسى متقلب فى جنوب آسيا.

وتعبيراً عن الغضب جراء انتهاك أراضيها واستهداف المدنيين، ردت باكستان باستهداف ما قالت إنها مواقع يسيطر عليها مسلحون فى الأراضى الإيرانية، ممهدة الطريق لمزيد من التصعيد المحتمل فى توترات متفاقمة بين البلدين، اللتين تمتلكان أسلحة نووية.

ومع ذلك، ذكرت المجلة الأمريكية نقلًا عن «عارف رفيق» رئيس شركة فيزير للاستشارات السياسية والأمنية فى الشرق الأوسط وجنوب آسيا ومقرها نيويورك، إن أى من البلدين لا يسعى إلى خوض حرب على حدودهما المشتركة، فهما يواجهان تهديدات ذات حجم استراتيجى أكبر من أماكن أخرى، وأضاف: لدى كل من إيران وباكستان مصلحة واضحة فى إيجاد سقف لهذا الصراع الصغير ومسار نحو وقف التصعيد، لكن السؤال هو: كيف؟

وبحسب «نيوزويك»، يكمن الجواب فى كيف يمكن للبلدين معالجة دوافعهما الأساسية لهجماتهما، وهى تصاعد الضغط الداخلى لإثبات ذاتهما فى مواجهة سلسلة من الأزمات الأمنية المتنامية داخليًا.

وبالنسبة لإيران، يشمل ذلك مقتل رضى الموسوى القيادى بالحرس الثورى الإيرانى فى غارة جوية، ومقتل عسكريين فى هجوم على مركز للشرطة فى كرمان خلال الشهر نفسه، وهو الهجوم الذى أعلن تنظيم داعش مسئوليته عنه، ويعتبر أعنف هجوم مسلح فى إيران منذ عام 1979.

من جانبه، أكد «جواد هيرانيا» مدير دراسات الخليج العربى فى مركز الأبحاث العلمية ودراسات الشرق الأوسط الاستراتيجية بطهران أن الضربات الصاروخية الإيرانية التى استهدفت مواقع فى العراق وسوريا وباكستان تبعث برسالة إلى أمريكا وإسرائيل تتمثل فى أن إيران ستتخذ إجراءات رادعة تتناسب مع التهديدات.

أما بالنسبة لباكستان، فهى دولة نووية، ولديها عداوة طويلة الأمد مع الهند، فإن أى رسالة ردع من باكستان على الهجمات الإيرانية من شأنها أن تكون مؤشرا للهند على رد فعل إسلام آباد، ومع ذلك، لا تريد إيران وباكستان المزيد من التصعيد، ويحاولان حل هذا الأمر عبر الوسائل الدبلوماسية قدر الإمكان.